المرصدتقاريرتقدير موقفرئيسيعاجل

التغيرات المناخية.. التحديات والمواجهة

الصين والولايات المتحدة الأمريكية تنتج قرابة نصف انبعاثات الكربون العالمية للغلاف الجوي.

 

أصبحت التغيرات المناخية وآثارها المحتملة هي الشغل الشاغل لدى دول العالم خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد أن غدت واقعا ملموسا يعاني منه كل إنسان فى هذا العالم، فلا تعوقها حدود جغرافية أو سياسية، ولا تقل خطرا عن الحروب والنزاعات المسلحة.

إن تغير المناخ يُعد أخطر نتائج العبث الإنساني بالبيئة فالأنشطة البشرية المتنامية وما نتج عنها من تدمير للبيئة أحدثت خلل التغير المناخي والتأثيرات السلبية التى نجمت عن هذا الخلل، من تغير أنماط الطقس التى تهدد الإنتاج الغذائي، وارتفاع منسوب مياه البحار التى تزيد من خطر الفيضانات الكارثية، وتدهور التنوع البيولوجي، إلى الجفاف وندرة المياه وحرائق الغابات والأعاصير .

وانطلاقا من أهمية قضية التغيرات المناخية واستقطابها للاهتمام العالمي والمحلي على المستوى الأكاديمي والسياسي، يتناول هذا البحث دراسة كافة الجوانب المتعلقة بهذه القضية.

المقصود بالتغيرات المناخية 

يُقصد بالتغير المناخي: “أى تغير مؤثر وطويل المدى فى معدل حالة الطقس يحدث لمنطقة معينة، يمكن أن يشمل حالة الطقس ومعدل درجات الحرارة ومعدل التساقط وحالة الرياح”.

ووفقا لتعريف وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” فإن تغير المناخ: “ظاهرة عالمية واسعة الانتشار، تنشأ فى الغالب عن طريق حرق الوقود، الذى يطلق إلى الغلاف الجوى غازات حابسة للحرارة (الغازات الدفيئة) ” Greenhouse gases”  (بخار الماء، وثاني أكسيد الكربون، والميثان وأكسيد النيتروز)، وتشمل الظاهرة تغييرات أخرى مثل ارتفاع مستوى سطح البحر، وفقدان الكتلة الجليدية فى القطب الشمالي وأنتاركتيكا والجبال الجليدية فى جميع أنحاء العالم، وتغير مواعيد تفتح الأزهار، وأحداث الطقس الشديدة”.

أسباب التغير المناخي

على الرغم من أن هناك أسباب طبيعية فى تغير المناخ لادخل للإنسان بها، مثل التغيرات في الدورة الشمسية والتغيرات فى دورة المياه فى المحيط، إلا أن الإنسان هو المتهم الأول فى حدوث خلل التغير المناخي، فمنذ القرن التاسع عشر، أصبحت الأنشطة البشرية المسبب الرئيسي لتغير المناخ..فبحسب تقرير صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) فإن “هناك احتمال كبير جدا (يزيد عن 95 % )على أن الأنشطة البشرية على مدى السنوات الخمسين الماضية قد زادت درجة حرارة الكوكب”.

ويرجع تغير المناخ فى الأساس إلى حرق الوقود الأحفوري، مثل الفحم والنفط والغاز، وما ينتج عنه من انبعاثات لغازات الدفيئة التي تعمل مثل غطاء يلتف حول الكرة الأرضية، مما يؤدي إلى حبس حرارة الشمس ورفع درجات الحرارة.

وتشمل أمثلة انبعاثات غازات الدفيئة التي تسبب تغير المناخ ثاني أكسيد الكربون والميثان، والتى تنتج، على سبيل المثال، عن استخدام البنزين لقيادة السيارات أو الفحم لتدفئة المباني، وقد أشارت ) (IPCC إلى أن الأنشطة الصناعية رفعت مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي من 280 جزءا في المليون إلى 400 جزء في المليون خلال الخمسين عاما الماضية. 

ويمكن أيضا أن يؤدي تطهير الأراضي من الأعشاب والشجيرات وقطع الغابات إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون. كما تُعتبر مدافن القمامة مصدرًا رئيسيًا لانبعاثات غاز الميثان. ويُعد إنتاج واستهلاك الطاقة والصناعة والنقل والمباني والزراعة واستخدام الأراضي من بين مصادر الانبعاث الرئيسية.

الفرق بين التغير المناخي والاحتباس الحراري

عادة ما يُستخدم المصطلحين بالتبادل، على افتراض أنهما يدلان على الأمر نفسه، لكن تجدر بنا الإشارة هنا إلى وجود فرق بين المصطلحين، حيث يعتبر الاحتباس الحراري أحد ظواهر التغير المناخي، ويشير إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة قرب سطح الأرض، فظاهرة الاحتباس الحراري تصف ظاهرة الاحترار العالمي بسبب تراكم غازات الدفيئة Greenhouse Gases. أما التغير المناخي يشير إلى التغير طويل المدى لأنماط الطقس على مستوى العالم، وتشمل جميع عناصر الطقس من حرارة وأمطار ورياح، وغيرها من التغيرات. لذا، يُفضل استخدام مصطلح التغير المناخي عند الإشارة إلى تأثير عوامل أخرى غير ارتفاع درجة الحرارة.

كل زيادة في ظاهرة الاحتباس الحراري مهمة

في تقرير أعدته الأمم المتحدة عام 2018، أقر آلاف العلماء والجهات المستعرضة الحكومية على أن الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى ما لا يزيد عن 1.5 درجة مئوية سيساعدنا على تجنب أسوأ التأثيرات المناخية والحفاظ على مناخ صالح للعيش. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي المسار الحالي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى زيادة درجات الحرارة العالمية بما يصل إلى 4.4 درجة مئوية بحلول نهاية القرن.

وقال البروفيسور بيتيري تالاس، الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO): “في ظل المعدل الحالي للزيادة في تركيزات غازات الاحتباس الحراري، سنشهد زيادة في درجة الحرارة بحلول نهاية هذا القرن تتجاوز بكثير الزيادة المستهدفة التي حددها اتفاق باريس بأن تكون أعلى من مستويات ما قبل الحقبة الصناعية بمقدار يتراوح بين 1.5 درجة مئوية ودرجتين مئويتين. فنحن بعيدون كثيراً عن المسار الصحيح”.

تأتي الانبعاثات التي تسبب تغير المناخ من كل منطقة من العالم وتؤثر على الجميع، لكن بعض البلدان تنتج أكثر بكثير من غيرها، حيث إن المائة دولة التي تنتج أقل قدر من الانبعاثات تولد 3 % فقط من إجمالي الانبعاثات، بينما البلدان العشرة التي تنتج أكبر قدر من الانبعاثات تولد 68 % من الانبعاثات.

انبعاثات الكربون العالمية 

  1. الصين    28%
  2. الولايات المتحدة الأمريكية 11%
  3. الهند  6.6%
  4. الاتحاد الأوروبي 6.4%

والشكل البياني يوضح أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية تنتج قرابة نصف انبعاثات الكربون العالمية للغلاف الجوي..ولهذا يجب على الجميع اتخاذ إجراءات بشأن المناخ، لكن البلدان والأشخاص الذين يتسببون في أكبر قدر من المشكلة يتحملون مسئولية  أكبر لمباشرة العمل بشأن المناخ.

تبعات تغير المناخ 

على مدار نصف القرن الماضي، أدى التغير المناخي إلى تفاقم التفاوت بين دول العالم، إذ عرقل النمو فى الدول الأكثر فقرا، بينما ساهم بدرجة كبيرة فى زيادة معدلت الرفاهية لدى بعض الدول الأكثر ثراء.. وكشفت دراسة حديثة عن أن الفجوة بين الدول الأشد فقرا وتلك الأكثر ثراء تزيد الآن بنسبة 25% عما كانت ستصبح عليه لو لم تشهد الأرض ظاهرة التغير المناخي، وما ينتج عنها من ارتفاع لدرجة حرارة الكوكب.  

إن آثار التغير المناخي واسعة النطاق وغير مسبوقة، ونرصد أهمها – وفق ما ورد فى تقرير IPCC عن تغير المناخ والذى جاء بعنوان” ملخص لصانعي السياسات”،وهي كالتالي:

  • تزايد تواتر الظواهر المرتبطة بالحرارة ومن بينها موجات الحر، وشدتها ومدتها. 
  • زيادة الاضطراب في الغابات الشمالية، بما يشمل الجفاف وحرائق الغابات. 
  • تزايد تواتر حالات الجفاف وشدتها بوجه خاص في إقليم البحر الأبيض المتوسط والجنوب إفريقي.
  •  تزايد ظواهر سقوط الأمطار المتطرفة وشدتها في أقاليم كثيرة.
  • انخفاضات في إنتاجية المحاصيل والماشية، وتعديل مزيج أنواع النباتات.
  • اضطراب في السلاسل الغذائية، وتهديد سبل العيش، والحد من التنوع البيولوجي.
  • تغير خريطة الإنتاج الغذائى فى العالم، وتغير مراكز إنتاج الغذاء حيث تنتقل إلى مناطق ذات ظروف مناخية أكثر ملائمة، الأمر الذى ينبئ باختلاف ميزان القوى بين الدول المصدرة للغذاء والدول المستوردة له. 
  • ارتفاع أسعار الأغذية بنسبة تصل إلى 12 % بمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء، وزيادة مخاطر عدم الأمن الغذائي.
  • زيادة معدل الوفيات الناجمة عن الحرارة، وعن التغيرات الطارئة على نواقل الأمراض المعدية في بعض المناطق.
  • تعرض الكثير من الأرواح وسبل العيش للخطر في المناطق العرضة للأعاصير والفيضانات. 
  • زيادة الهجرة ونزوح السكان داخل البلدان وعبر الحدود على حد سواء.
  • زيادة أخطار اندلاع نزاعات مسلحة جراء مفاقمة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
  • تأثر بعض الأنشطة البشرية في القطب الشمالي (مثل القنص والسفر فوق الثلج والجليد) وكذلك في المناطق المنخفضة من جبال الألب (مثل الرياضة الجبلية).

هذاويحذر تقرير صادر عن البنك الدولي من أن التغيرات المناخية تهدد بوقوع أكثر من 100 مليون شخص في براثن الفقر بحلول عام 2030.

نواجه تحديات كبيرة، ولكننا لدينا العديد من الحلول

يمكن أن تحقق العديد من حلول تغير المناخ فوائد اقتصادية مع تحسين حياتنا وحماية البيئة، وتم إبرام اتفاقيات عالمية لتوجيه لإرشاد وتوجيه الجهد العالمي للتصدي لتغير المناخ، مثل الاتفاقیة الإطاریة بشأن تغیر المناخ واتفاقية باريس. 

هناك ثلاث فئات عامة من الإجراءات ينبغي اتخاذها، وهي: خفض الانبعاثات، والتكيف مع تأثيرات المناخ، وتمويل التعديلات المطلوبة.

سيؤدي تحويل أنظمة الطاقة من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، إلى تقليل الانبعاثات المسببة لتغير المناخ. 

وعلينا أن نبدأ الآن، فيلزم تحالف متنام من البلدان بالوصول بالانبعاثات إلى مستوى الصفر بحلول عام 2050، على أن يتم خفض الانبعاثات بحوالي النصف بحلول عام 2030 للحفاظ على الاحترار بأقل من 1.5 درجة مئوية، ويجب أن ينخفض إنتاج الوقود الأحفوري بنسبة 6 % تقريبًا سنويًا خلال العقد 2020-2030.

كوفيد 19 لم يحد من الانبعاثات الضارة بالبيئة 

كشفت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في نشرتها الأخيرة الخاصة بغازات الاحتباس الحراري أنَّ التباطؤ العالمي الناجم عن جائحة كوفيد-19 لم يحد من ارتفاع مستويات غازات الاحتباس الحراري. إذ تجاوزت مستويات ثاني أكسيد الكربون حدَّا قياسيا آخر، بعد ارتفاعها في عام 2019 بمعدل أسرع من المتوسط في السنوات العشر الماضية.

تقرير منظمة الصحة العالمية بشأن التغيرات المناخية والصحة

بمناسبة انعقاد مؤتمر الأطراف السادس والعشرين «كوب 26»، في الفترة من 1 حتى 12 نوفمبر الجاري في مدينة جلاسجو الإسكتلندية، أصدرت منظمة الصحة العالمية الوصايا العشر ذات الأولوية للحكومات للتعامل مع أزمة التغيرات المناخية والتى تتمثل في:

1- الالتزام بتحقيق تعاف صحي من خلال تحقيق تعاف صحي وأخضر وعادل من جائحة كوفيد-19.

2- صحتنا غير قابلة للتفاوض، وذلك بإدراج الصحة والعدالة الاجتماعية في صميم محادثات الأمم المتحدة بشأن المناخ.

3- تسخير الفوائد الصحية للعمل المناخي، وهو ما يعني إعطاء الأولوية للتدخلات المناخية التي تحقق أكبر المكاسب الصحية والاجتماعية والاقتصادية.

4- بناء قدرة قطاع الصحة على الصمود أمام المخاطر المناخية عبر إقامة نظم ومرافق صحية قادرة على الصمود أمام المخاطر المناخية ومستدامة بيئيا، ودعم التكيف في مجال الصحة والقدرة على الصمود عبر أنحاء القطاعات ككل.

5- إنشاء نظم للطاقة تحمي وتحسن المناخ والصحة من خلال توجيه عملية انتقال عادلة وشاملة في مجال الطاقة المتجددة لإنقاذ الأرواح من تلوّث الهواء، الناجم خاصة عن احتراق الفحم، وإنهاء الافتقار إلى الطاقة في صفوف الأسر وفي مرافق الرعاية الصحية.

6- إعادة تصور البيئات الحضرية ووسائط النقل والتنقل، وذلك بتعزيز التصاميم الحضرية المستدامة والصحية ونظم النقل، وتحسين استخدام الأراضي، وإتاحة المساحات العامة الخضراء والزرقاء، وإعطاء الأولوية للمشي وركوب الدراجات والنقل العام.

7- حماية الطبيعة واستعادتها بوصفها أساس صحتنا، حيث تشكل استعادة النظم الصحية ركيزة الحياة الصحية ونُظم الغذاء المستدامة ومصادر الرزق.

8- تعزيز النظم الغذائية الصحية والمستدامة والقادرة على الصمود من حيث التكلفة لتحقيق النتائج المنشودة في مجالي المناخ والصحة على حد سواء.

9- تمويل مستقبل أوفر صحة وأكثر عدلا وخضرة لإنقاذ الأرواح، وهو ما يتحقق بالتحول نحو اقتصاد الرفاهية.

10- الإصغاء إلى مجتمع الصحة ووصف إجراءات مناخية عاجلة.

 

تأثير التغيرات المناخية على الدول النامية

لا توجد دولة فى منأى عن تبعات ظاهرة التغير المناخي، ولكن تبقى البلدان النامية فى صدارة الدول الأكثر تضررا بآثار التغيرات المناخية، وصاحبة النصيب الأكبر من الأخطار والتهديدات التى تطال معظم قطاعات الحياة.

وقبل البحث فى تداعيات تغير المناخ على الدول النامية وأكثر الدول تأثرا بها، تجدر الإشارة إلى اعتماد هذه الدول بشكل أساسي ومحوري على درجات الحرارة وثبوتها فى الإنتاج والمعيشة ونمو الاقتصاد، لما لها من تأثير كبير على كافة القطاعات، ومع تغير درجات الحرارة عن المعتاد، تنوء اقتصادات الدول النامية بحمل ثقيل. 

ما هي أكثر الدول النامية عرضة لخطر التغير المناخي؟ 

اتفقت معظم الدراسات البحثية التي تناولت تأثير التغيرات المتوقعة في درجات الحرارة على المناطق الجغرافية في العالم، أن أكثر تلك التغيرات ستحدث في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، حيث يعيش نحو نصف سكان العالم، والذين يصنفون كشعوب فقيرة أو أكثر فقرا.

ووفق هذه الدراسات، فإن الموقع الجغرافي وطبيعة المناخ يسهمان – وبشكل حتمي – فى تأثر العديد من الدول النامية بآثار التغير المناخي، كالمنطقة العربية، ومنطقة جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى، وجنوب شرق آسيا، حيث توجد مدن معرضة بالكامل لخطر الفيضانات، والأعاصير ودرجات الحرارة المرتفعة.

كيف يؤثر تغير المناخ على البلدان النامية ؟ 

إن حقيقة الأمر تتمثل فى أن الدول النامية – على عكس الدول المتقدمة – لا تمتلك الوسائل الكافية التى تمكنها من مواجهة الآثار السلبية لتغيرات المناخ، وتُعد الأقل قدرة واستعدادا للتكيف مع مخاطر التغير المناخي، فمن الصعب عليها القيام بتطوير محاصيل مقاومة للجفاف، والاستعانة بوسائل ري حديثة، وغير ذلك من وسائل التصدى لتغير درجات الحرارة. 

كما أن الدول النامية فى مقابل إنفاقها لميزانيات كبرى على  سد احتياجات شعوبها، وإعادة بناء ما خلفته الأعاصير والفيضانات من دمار، وتقديم الرعاية الصحية للمتضررين من تبعات التغير المناخي، تقلل نفقاتها على المشاريع الإنتاجية والتنموية بالبلاد، مما يؤثر تباعا على آفاق التنمية والتقدم لديها.

وأرجعت دراسة أجراها فريق من الباحثين بجامعة “ستانفورد” الأمريكية عن “تنامي تأثير التغيرات المناخية على الدول الفقيرة” إلى أن اقتصاد هذه الدول يعتمد على القطاعات المتأثرة بالمناخ، مثل الزراعة واستخراج الموارد الطبيعية، محذرةً من أن “ذلك من شأنه أن يؤدي إلى خفض متوسط معدل النمو السنوي في المناطق الفقيرة من 3.2٪ إلى 2.6٪، مما يعني أنه بحلول عام 2100، سيكون نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من الوضع الحالي بنسبة 40٪”.

وأثبتت العديد من الأبحاث العلمية أن الدول العربية تُصنف من ضمن البلدان الأكثر تأثرا بمخاطر التغير المناخى، وأن هناك 5 دول “جيبوتى ومصر والعراق والمغرب والصومال”، هى الأكثر تعرضا لمخاطر تأثيرات التغير المناخى.

تأثير التغيرات المناخية على مصر

أجمع العلماء المعنيين بالتغيرات المناخية على أن مصر من بين الدول النامية الأكثر عرضة للتأثيرات السلبية المحتملة لتغير المناخ، فهي تقع في منطقة جغرافية فقيرة وهشة مناخيا، الأمر الذى يشكل تحديا كبيرا أمام تحقيق خطط التنمية المستدامة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن حصة مصر تصل إلى 0.6% من الإجمالى العالمى من حجم ثلوث الهواء بغاز ثاني أكسيد الكربون.

واستنادا إلى التقارير الصادرة عن منظومة الإنذار المبكر بوزارة البيئة، فمن المتوقع تعرض مصر وبشكل كبير لعدد من المخاطر والتهديدات والتي تتمثل فـي ارتفـاع مسـتوى سـطح البحر، وارتفاع درجات الحرارة؛ وما يتبع ذلـك مـن نقـص مـوارد الميـاه وتـأثر الإنتاجيـة الزراعيـة وصـعوبة زراعـة بعـض أنواع المحاصيل وتأثر المناطق السياحية وكذا الصحة العامة والبنية التحتية؛ وبالتالي تأثر قطاعات الطاقة والصناعة وأمن الغذاء والاقتصاد القومي.

1-ارتفاع مستوى سطح البحر:

تؤكــد الدراســات أن ارتفــاع مســتوى ســطح البحــر مــن 18 إلــى 59 ســم ســوف يــؤدى إلــى غــرق المنــاطق الســاحلية المنخفضــة ودلتــا نهــر النيــل وتــأثر مخــزون الميــاه الجوفيــة القريبــة مــن الســواحل. 

2 – ارتفاع درجات الحرارة:

من المنتظر أن تؤدى زيادة معدلات وشدة الموجات شديدة الوطأة كالحرارة والبرودة إلـى تذبـذب معـدل سـقوط الأمطـار كمياً ومكانيـاً وزيـادة معـدلات التصـحر والجفـاف، وزيــادة الاحتيـاج إلــى المـاء، واختفاء بعض الأنواع من الكائنات الحية، وانتشار بعض الأمراض.

وسيؤثر ارتفاع درجات الحرارة أيضاً على منسوب مياه نهر النيل؛ حيث من المتوقع أن يشهد تراجعاً فى تدفقات المياه حتى عام 2040. 

3-التأثير على الموارد المائية والري

 تشـير بعـض الدراسـات إلـى حـدوث تباعـد فـي فتـرات سـقوط الأمطـار مـع زيـادة معـدل الهطـول ممـا يـؤدى إلـى زيـادة احتمـالات حـدوث للفيضـانات أو فتـرات أطـول مـن الجفـاف، بالإضـافة إلـى تملـح الخزانـات الجوفيـة الساحلية نتيجة لزيادة تداخل مياه البحر.

 

4 – التأثير على الزراعة والثروة الحيوانية ومصادر الغذاء

وفقاً للتقرير الوطني الثالث المقدم للجنة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، فإن قطاع الزراعة من أكثر القطاعات المصرية عرضة لتغير المناخ، وقد يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار نصف متر فقط إلى غرق مساحة 1.800 كم2 “حوالي نصف مليون فدان” من الأراضي المنتجة للمحاصيل وزيادة تسارع مستويات التصحر.

وتتلخص التأثيرات المتوقعة على هذا القطاع في الآتي:

  •  نقـص فـي إنتاجيـة المحاصـيل الزراعيـة يصل إلى نحو 15% .
  • زيادة الاحتيـاج إلـى المـاء وتزايـد معـدلات تآكـل التربـة.
  • تغير خريطة التوزيع الجغرافي للمحاصيل الزراعية، وتأثر الزراعات الهامشية وزيادة معدلات التصحر.

5 – التأثير على المناطق الساحلية

  • غرق بعض المناطق الساحلية في حالة ارتفاع مستوى سـطح البحر إلى 50 سم.
  • زيادة معدلات نحر الشواطئ وتغلغل المياه المالحـة فـي التربـة.
  • تأثر الإنتاج السمكي نتيجة تغير الأنظمة الايكولوجية في المناطق الساحلية وارتفاع حرارة مياه البحار.

6-التأثير على الصحة

الارتفـاع الشـديد فـي درجـات حـرارة الجو يسـهم فـي حـدوث الوفيـات الناجمة عن الأمراض القلبية والتنفسية، وخصوصاً بين المسنين، إلى جانب انتشار الأمراض المعدية المختلفة.

7 – التأثير على السياحة

يؤثر ارتفاع منسوب مياه البحرين الأحمر والمتوسط، وارتفاع درجات حرارة المياه على الشـعاب المرجانيـة وابيضاضـها وهـروب الكائنـات البحريـة، ويُصـعب مـن عمليـات الصـيد، بالإضـافة إلـى أن نقـص الشـواطئ الصـالحة للارتيـاد سـوف يـؤثر سـلبا علـى الخـدمات السياحية، ومن ثم انخفاض معدلات السياحة وزيادة معدلات البطالة.

فى المواجهة. الشباب وتغير المناخ

إن شباب اليوم في طليعة من يتأثرون بتغير المناخ، ففي أماكن متفرقة من العالم أدت التغيرات المناخية إلى تغيرات مفاجئة ومؤلمة في حياة الشباب مثل حرائق الغابات في كاليفورنيا التي أدت إلى تهجير الكثير منهم وتركهم لمدارسهم وأصدقائهم، وقد يواجه الكثير منهم صعوبة في التأقلم مع تلك التغيرات.

وقالتLise Van Susteren الخبيرة في تأثير المناخ على الصحة النفسية للمراهقين: “عقول المراهقين لا زالت في مرحلة النمو مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض النفسية نتيجة التغيرات المناخية” .

وحذرت من أن ضرر تغير المناخ على الصحة النفسية قد يحدث بسبب إحساس الشباب بإهمال الأجيال السابقة لقضية المناخ مما يبعث على الشعور بالغضب والحزن والاستياء والكراهية للأجيال السابقة ويزيد من إحساس بالخطر الداهم نتيجة اللامبالاة. 

وبجانب التأثير النفسي للتغير المناخي، توقع باحث في الجمعية المصرية لدراسات الهجرة أن التغير المناخي سيؤدي إلى زيادة في سوء التغذية نتيجة لنقص المحاصيل الغذائية مما سيعرض أطفال وشباب أكثر إلى مضاعفات سوء التغذية مثل التقزم وانخفاض في القدرات العقلية. 

ولكن ربما لحسن الحظ فإن الشباب يلعبون وسيلعبون دوراً أساسياً في معالجة مشكلة تغير المناخ، ولهذا فهناك أهمية حاسمة لتمكينهم وإشراكهم فى الاستجابة لتغير المناخ، فالإجراءات التى تتخذ اليوم من قبل الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني ستحدد ما سوف يواجهونه في المستقبل، ومدى حسن استعدادهم للقاء ما قد يأتي.

وقد أكد الأمين العام السابق للأمم المتحدة: “ Ban Ki-moon “ فى تصريح له أن ” الشباب  قادرون على التكيف ويمكنهم تطويع أساليب معيشتهم سريعا وتبني شكل للحياة وخيارات مهنية يقل فيها استعمال الكربون، لذا ينبغي منح الشباب فرصة للمشاركة على نحو فعال في عملية صنع القرار على الصعيد المحلي والوطني والعالمي ويمكنهم أن يكونوا سندا قويا للمبادرات التي من شأنها أن تفضي إلى اعتماد تشريعات بعيدة الأثر.”

لماذا يعتبر تغير المناخ قضية حقوق إنسان؟

يُعتبر تغير المناخ قضية من قضايا حقوق الإنسان، وذلك ليس فقط لكونها تتسبب فى تآكل الحقوق في الحياة والصحة والمسكن والغذاء والمياه والصرف الصحي، ، بل لأنها ظاهرة من صنع البشر تستطيع الدول  التخفيف من حدتها، فالدول ملزمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان باتخاذ إجراءات فورية للحد من الآثار المدمرة للتغير المناخي، والتأكد من أن الجميع يتمتعون بالوسائل اللازمة للتكيف مع هذا التغير.

مواجهة التغير المناخي.. رهان نستطيع الفوز به 

لقد آن الأوان لإحداث تغيرات لمواجهة التغير المناخي، وإعادة النظر في نظمنا الصناعية والخاصة بالطاقة والنقل وطريقة حياتنا ككل، وتهيئة مستقبل أخضر تضيق فيه دائرة المعاناة، وتسود العدالة، وذلك قبل أن نصل إلى نقطة اللاعودة حيث نجد أنفسنا عاجزين عن إصلاح ما آلت إليه الأمور، وكما قال الأمين العام Antonio Guterres ”إن حالة الطوارئ المناخية هي سباقٌ نحن نخسره حاليا – ولكنه سباق يمكننا الفوز به“.

التـــوصيــــــــــــــــــــــات

  • دمج بُعد تغير المناخ فى خطة عمل أكبر عدد من الوزارات، وضع خطة طوارئ فى المدن والمحافظات التى ستتأثر سلبا من التغيرات المناخية.
  • وضع خطة للتعامل مع أي نقص أو زيادة فى موارد المياه، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة من طاقة الشمس والرياح.
  • التخطيط الدقيق للنقل واستخدامات الأراضي، ووضع معايير لكفاءة استخدام الطاقة، وتنمية موارد إضافية للمياه، مثل استمطار السحب وإعادة استخدام المياه.
  • دعم البحث العلمي والدراسات لاستنباط أنواع من المحاصيل تتحمل ارتفاع درجات الحرارة.
  • جذب المزيد من الاستثمارات وفرص التمويل المناخي، وتعزيز شراكة القطاع الخاص في تمويل الأنشطة الخضراء.
  • حظر المبيدات والمخصبات الكيميائية فى الزراعة، والاتجاه إلى البدائل الطبيعية والزراعة العضوية المستديمة.
  • الترشيد فى استهلاك الموارد الطبيعية، وتوعية المواطنين بمخاطر التغيرات المناخية.
  • زيادة حملات التشجير فى الأحياء والمدن لاستلاك الكربون الناجم عن عوادم السيارات، والعمل على فلترة مداخن المصانع ومعالجة مياه الصرف الزراعي والصرف الصناعي والصرف الصحي.
  • تعديل النمط الزراعي بعمل دورات زراعية مناسبة للأنماط المناخية، وإعادة تدوير المخلفات بشكل صحيح.
  • إنشاء نظم الإنذار المبكر للتقلبات الجوية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى