تقاريرتقدير موقفدراسات اقتصاديةرئيسيعاجل

دوافع رفع أسعار المحروقات فى مصر..ومتطلبات ضرورية لتخفيف الآثار التضخمية

صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2764 لسنة 2018 بشأن تشكيل لجنة فنية لمتابعة آلية التسعير التلقائى للمواد البترولية، وقد انعقدت نحو 12 مرة منذ تشكيلها، تضم ممثلين من كل من وزارة البترول والثروة المعدنية وممثلين من وزارة المالية والهيئة المصرية العامة للبترول، يتم ترشيحهم من قبل الوزير المختص.

تختص اللجنة بمتابعة المعادلة السعرية بصورة ربع سنوية بحيث يتم ربط سعر بيع المواد البترولية بالسوق المحلى بالأسعار العالمية لبترول برنت وبسعر الصرف، مع مراعاة التكاليف الأخرى التى يمكن تعديلها بشكل غير دورى، بالإضافة لمتابعة تنفيذ الآلية وتقديم التوصيات والمقترحات اللازمة لضمان التنفيذ الجيد لها ومعالجة أية مشاكل أو قصور قد يطرأ وقت التطبيق الفعلى، وتنعقد بصورة دورية كل ثلاثة شهور لمتابعة المتغيرات المحلية والدولية التى من شأنها التأثير على أسعار المحروقات ووفق اجتماعاتها السابقة قررت خفض أسعار المحروقات مرتين وتثبيته 4 مرات ورفع نحو 6 مرات. وللجنة صلاحيات تحريك الأسعار فى حدود رفع أو خفض أسعار البنزين والسولار والمنتجات البترولية بنسبة 10% من السعر المتداول في السوق. 

وفى ضوء هذا القرار يُسلط التقرير الضوء على أهم دوافع رفع أسعار الوقود وتداعيات ذلك على التضخم من جهة والأدوات المالية من جهة أخرى وذلك على النحو التالى:

أولاً: دوافع تغيير أسعار الطاقة خلال اجتماع يوليو 2022

ثانيا: تداعيات التغيير على التضخم والصناعة والمالية العامة

ثالثا: متطلبات ضرورية لتخفيف حدة الآثار التضخمية

 أولاً: دوافع تغيير أسعار الطاقة خلال اجتماع يوليو 2022:

وفق القرار الأخير للجنة تسعير البنزين والسولار في يوليو 2022 فإن أسعار البنزين الحالية هى 8.00  جنيهات للتر البنزين 80 و 9.25 جنيه للتر البنزين 92 و 10.75 جنيه للتر البنزين 95، كما زاد سعر السولار والكيروسين ليصبح 7.25 جنيه للتر، وسعر طن المازوت المُورد لباقي الصناعات 400 جنيه للطن ليصبح سعر الطن 5000 جنيه، إلى جانب تثبيت أسعار المازوت المُورد للصناعات الغذائيه والكهرباء، وقد يرجع هذا التحرك لمجموعة من الأسباب يمكن تناولها على النحو التالى:

  • أسباب عالمية:

ارتفعت أسعار الطاقة عالمياً لتصل إلى أرقام قياسية تخطت حاجز 120 دولار للبرميل، الأمر الذي دفع العديد من الحكومات حول العالم بتحريك أسعار المحروقات بالأسواق المحلية لديها، ففى الدول المتقدمة يأتى تسعير الطاقة والمحروقات وفق الأسعار الجارية فى الأسواق الدولية.

وعلى الرغم من جاهزية الأسواق بالدول المتقدمة لاستعاب التحركات الدولية فى أسعار الطاقة، إلا أن الأثر جاء بشكل بالغ خاصة وأن ارتفاع أسعار الطاقة تزامن مع ارتفاع أسعار الحبوب من جهة وتأمين وتكلفة الشحن واللوجستيات من جهة أخرى، ويتناول الشكل التالى رقم (1) تطور أسعار الطاقة منذ بداية العام.

شكل رقم(1) تطور أسعار النفط عالميا

 بالإضافة لارتفاع أسعار الطاقة والحبوب عالمياً، شهدت الأسواق العالمية خاصة الأوروبية والأمريكية اضطرابا حادا نتيجة لتغاير السياسات النقدية للولايات المتحدة الأمريكية، إذ رفع الفدرالي الأمريكي أسعار الفائدة لتصل إلى نحو 1.75%. ويُذكر أن الفدرالي قد رفع الفائدة للمرة الخامسة وسط توقعات بمزيد من الارتفاع خلال الاجتماع القادم، ويوضح الشكل رقم (2) تطور أسعار الفائدة فى الفدرالي الأمريكي:

شكل رقم(2) أسعار الفائدة فى الولايات المتحدة الأمريكية خلال 2022

 

يرتبط ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً (الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة اليورو) بمستويات التضخم بهذه الدول من جهة وحجم التدفقات من رؤوس الأموال التى تستهدف الاستثمار فى أدوات الدين العام (الأموال الساخنة) فى دول العالم خاصة الأسواق الناشئة والاقتصادات الصاعدة من جهة أخرى، الأمر الذى يؤثر سلباً على حجم الاحتياطيات الدولية من العملة الصعبة لديها، ونظرا لاختلال الميزان التجارى لهذه الدول بالعجز خاصة فى ميزان تجارة الطاقة، فإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الواردات عند أسعار مدعومة تتضاءل، ومن ثم تلجأ إلى تحمل جزء من صدمة الأسعار الناتجة عن الأسعار العالمية وتصريف جزء من هذا الأثر للأسواق المحلية لديها.

  • أسباب محلية:

عادة ما تجتمع اللجنة المعنية بتسعير الوقود والطاقة كل ثلاثة شهور لتقييم أسعار الوقود إما التخفيض أو الزيادة أو بالتثبيت، ووفق للمتغيرات المحلية والتى يمكن تناولها على النحو التالى فقد جاءت الزيادة كما ورد سابقا فى التقرير للأسباب التالية:

  • زيادة التضخم بمعدل متناقص خلال الفترة مارس/ مايو

تباطأ المعدل السنوي للتضخم العام في الحضر، للمرة الأولى بعد ارتفاع دام ستة أشهر، ليسجل 13.2% في يونيو 2022 وذلك بعد أن وصل لأعلى معدل له منذ مايو 2019 مسجلا 13.5% في مايو 2022 ، وتأثر المعدل السنوي للتضخم في يونيو 2022 بالانخفاض القوي في أسعار الخضروات والفاكهة الطازجة، والتي تُعزى للارتفاع الكبير في درجات الحرارة الذي شهدته البلاد مؤخراً، وبالتالي أدى لزيادة المعروض للعديد من المحاصيل الزراعية.

ويأتي ذلك في سياق تسجيل التضخم العام معدلاً شهرياً بلغ 0.1% فى يونيو 2022، مقارنة بمعدل بلغ 0.2% في يونيو 2021 ، ويوضح الشكل رقم (3) تطور التضخم العام والأساسي فى مصر وفق بيانات البنك المركزى والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

شكل رقم(3) تطور التضخم فى مصر

 

  • ارتفاع سعر الصرف للدولار الأمريكى مقابل الجنيه:

دفعت الارتفاعات فى أسعار الفائدة فى الدول المتقدمة فى تسارع خروج النقد الأجنبي فى الاقتصادات الصاعدة ومنها مصر ليصل إلى نحو 20 مليار دولار منذ بدء الحرب  الروسية الأوكرانية، ونتيجة للتذبذ الحاد فى الاحتياطات الدولية، حيث انخفض من 43 مليار دولار لتصل إلى 33.3756 مليار دولار أمريكي في نهاية يونيو 2022 بصفة مبدئية، وهو ما يضع الحكومة المصرية أمام احتياجات مالية تقدر بنحو 41 مليار دولار فى الأجل المتوسط، ونحو 15 مليار دولار بصورة عاجلة لتلبية احتياجاتها من الواردات وكذلك الوفاء بالتزاماتها تجاه التمويل الدولي الممنوح لها خلال الأعوام الماضية.

وقد ارتفع سعر الصرف بصورة قياسية من 15.5 جنيه للدولار الواحد فى المتوسط خلال شهر مارس خلال العام الجارى إلى نحو يتجاوز 18 جنيه للدولار الواحد فى المتوسط خلال الشهر الجارى، الأمر الذى دفع بمزيد من تحريك سعرى الفائدة والصرف الأجنبى خلال الربع الأخير من العام المالى 2021/2022، ويوضح الشكل رقم(4) تطور سعر الصرف خلال العام الجاري.

شكل رقم(4) يوضح التطور فى أسعار الصرف(دولار مقابل جنيه مصري)

ثانيا: تداعيات تحريك أسعار الطاقة (على التضخم /الناتج/ المالية العامة):

تتراوح الآثار الناتجة عن ارتفاع أسعار المحروقات على العديد من الخدمات ما بين 10% إلى 35%، بينما تتضاءل على القطاعات المتبقية والثابت لديها سعر المحورقات لمدخل أساسي للعملية الانتاجية، وفى هذا السياق يمكن الإشارة إلى ما يلى:

  • الناتج المحلى الإجمالى:

عادة ما يرتبط التشغيل بحجم الناتج الفعلى والمستهدف ومعدل النمو الحالى والمستهدف، حيث بلغ  الناتج المحلى الإجمالي نحو 4.1281 تريليون جنیه خلال السنة المالیة 2020 /2021 بالأسعار الثابتة لعام 2016، وبلغ نحو 3.9952 تريليون جنيه للعام المالى السابق بمعدل نمو قدر بنسبة 3.3%، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجاریة نحو 6.341 تريليون  جنيه مقابل 5.855 تريليون ملیار جنيه بمعدل نمو 8.3%.

من المستهدف أن يتراوح معدل النمو الحقيقي فى الناتج المحلى الإجمالى مابين 4.5: 5% خلال العام الجارى2022/2023، ويؤثر التضخم الحالى والمتوقع فى الناتج المستهدف وفق متغيرات السياسة المالية متمثلا من ما تستهدف الحكومة من دعم القطاعات الأكبر مساهمة فى الناتج مثل الصناعة والاستثمارات، وكذلك متغيرات السياسة النقدية ولعل أهمها التمويل الممنوح للقطاع الخاص وتحركات أسعار الفائدة على الإقراض، ويوضح الشكل السابق رقم (5) تطور معدل النمو السنوى فى الناتج المحلي الإجمالي.

  • الموازنة العامة:

تستهدف الحكومة خفض معدل الدين إلى 84% من الناتج المحلي مقارنة بنسبة1.3% فى نهاية يونيو 2016، وتقليل نسبة خدمة الدين إلى 7.6% من الناتج المحلى، 33.3% من مصروفات الموازنة، بالتوازى مع تنويع مصادر التمويل لخفض تكلفة التنمية، بما يحقق إطالة عمر الدين، لإرساء دعائم بيئة ملائمة للتعافي الاقتصادى السريع من الأزمة العالمية الراهنة، ويوضح الرسم التالى رقم(6) إجمالي دين أجهزة الموازنة.

أما بالنسبة لأهم التحديات،  فمن المتوقع أن تتأثر حجم الموازنة العامة بنحو مليار جنيه فى فاتورة الاستيراد نتيجة لارتفاع سعر البرميل بنحو دولار واحد، ونحو 20 مليار جنيه لتحريك سعر الصرف بنحو جنيه واحد لكل دولار، كما أن ارتفاع اسعار الفائدة بمقدار 100نقطة أساس أى بنسبة 1% تسهم فى زيادة عجز الموازنة العامة بنحو 28  مليار جنيه، كما أن انخفاض نمو التجارة العالمية بنسبة 1% يؤثر على الموازنة العامة سلباً بنحو 2 مليار جنيه, وتجدر الإشارة هنا إلى أن نمو التجارة العالمية تراجع ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 4.9% خلال عام 2023 مقارنة بالعام الجاري المقدر بنسبة 6.7%.

  • التضخم خلال الفترة المقبلة:

ترتبط الارتفاعات المستقبلية فى المستوى العام للأسعار بالقيم الحالية للتضخم والمتغيرات التى من شأنها زيادة احتمالية حدوثه، ومن ثم فإن ارتفاع أسعار المحروقات كمدخل أساس لكافة الخدمات المساهمة فى إحداث الناتج ككل، ومن المتوقع ارتفاع المستوى العام للأسعار بنسب تتراوح ما بين (5-10% )، وقد يسهم ارتفاع أسعار مدخلات عناصر الإنتاج المستوردة بنسب تتراوح ما بين (20-50%) لبعض المنتجات، ليصل15% بالنسبة للتضخم الأساسي، ويوضح الشكل التالى رقم (7) تطور للمستوى العام للأسعار فى يونيو 2022.

ثالثا: متطلبات ضرورية لتخفيف حدة الآثار التضخمية

تؤدى الصدمات الخارجية إلى إحداث اضطراب فى السواق المحلية مما يؤدى إلى خفض قيمة الدخول الحقيقة لدى الأفراد والقطاع الخاص على حد سواء، الأمر الذى يتطلب إجراء تدخلات سريعة من خلال برامج الحماية الاجتماعية  وكذلك برامج محفزة للقطاع الخاص لاستيعاب الجزء الأكبر من صدمة ارتفاعات الأسعار عالميًا، بما يسهم من تخفيف حدة الاضطراب فى الأسوق ولعل أهم ما تم خلال الفترة الخيرة ما يلى:

  • الحماية الاجتماعية:

وجهت القيادة السياسية بزيادة 11 مليار جنيه إضافية لتخفيف الأعباء الاقتصادية الصعبة عن المواطنين، حيث وجه الرئيس بالتوسع في إجراءات الحماية الاجتماعية من خلال تطبيق ما يلي:

  • زيادة عدد الأسر المستفيدة من برنامج “تكافل وكرامة” بضم مليون أسرة إضافية للبرنامج، ليصبح حجم المستفيدين من المواطنين أكثر من 20 مليون مواطن على مستوى الجمهورية.
  • صرف مساعدات استثنائية لعدد 9 مليون أسرة لمدة 6 شهور قادمة، بتكلفة إجمالية حوالي مليار جنيه شهرياً للأسر الأكثر احتياجاً ومن أصحاب المعاشات الذين يحصلون على معاش شهري أقل من 2500 جنيه، وأيضاً من العاملين بالجهاز الإداري للدولة الذين يحصلون على راتب اقل من 2700 جنيه شهرياً.
  • اعتماد نحو 400 مليار جنيه للأجور و90 مليارًا للسلع التموينية و191 مليارًا لصناديق المعاشات، 22 مليار جنيه لزيادة المستفيدين من تكافل وكرامة» و«الضمان الاجتماعى».
  • حفز القطاعات الإنتاجية:

تتطلب المرحلة الحالية والتى تتسم بخصوصية المسار التنموى الذي انتهجته مصر منذ عام 2016 من جهة وما يشهده الاقتصاد العالمي من أوضاع حرجة من جهة أخرى، المزيد من الأدوات المحفزة للقطاع الإنتاجى للخروج من وطأة الاعتماد المتزايد على الواردات، وكذا الاعتماد على التمويل الخارجى فى إحداث معدلات نمو مرجُوة، ولعل أهم ما يتطلبه القطاع زيادة مخصصات ما قامت به الحكومة ويمكن تناوله على النحو التالى:

  • ضرورة العمل على استيفاء الاستحقاقات الدستورية للصحة والتعليم والبحث العلمى ، لتتخطى 310 مليارات جنيه للصحة و476.3 مليار للتعليم الجامعى وقبل الجامعى و79.3 مليار للبحث العلمى، والتى جاءت فى الاعتمادات المالية للموازنة العامة للعام المالى الجارى 2022/2023.
  • توسعة المشاركة فى صياغة وثيقة ملكية الدولة النهائية بما يسهم فى تمكين القطاع الخاص الوطني ويعزز من القدرات المالية للموازنة العامة.
  • زيادة حد الإعفاءات الضريبية فى حدود 15 مليار جنيه بدلاً من 7 مليارات لرفع حد الإعفاء الضريبي الشخصي بنسب تتناسب مع الزيادات الحالية والمتوقعة فى التضخم والتى تقتضي زيادة حد الإعفاء الضريبي.
  • رفع حجم الاستثمارات بنسب تتخطى الأعباء المتوقعة من 9.6% بإجمالى 376 مليار جنيه للاستثمارات العامة إلى نحو 20% كنمو سنوى، لتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين وخلق المزيد من فرص العمل خاصة للشباب.
  • زيادة الدعم المخصص للغاز الطبيعى من 3.5 مليار جنيه، إلى 5 مليارت لتوصيل الغاز الطبيعى للمنازل و10 مليار جنيه لتمويل مبادرات الإسكان الاجتماعى.
  • التعجيل فى التوسع بمشروع التأمين الصحى الشامل ليتجاوز حجم التغطية الصحية نحو 5 مليار جنيه للأدوية والمستلزمات الطبية و10.9 مليار لعلاج غير القادرين على نفقة الدولة.
  • تعظيم جهود دمج الاقتصاد غير الرسمى لتوسيع القاعدة الضريبية وزيادة الإيرادات بنحو 40% لتغطية كافة الاستحقاق الخدمية وزيادة الناتج المحلى الإجمالى الرسمى مقارنة بالناتج غير الرسمى المُقدر فى بعض التقديرات بنحو 55% من النشاط الاقتصادى فى مصر.
  • إصلاحات هيكلية لتحفيز الاستثمار وزيادة مساهمات القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادي، من خلال تنويع أنماط الإنتاج وتوطين الصناعة لرفع معدل النمو وتوفير فرص العمل وتعظيم الصادرات.
  • رد أعباء المصدرين والمقدرة بنحو 6 مليارات جنيه للاستمرار فى تمويل برنامج دعم المصدرين والالتزام بتوفير المخصصات المالية المطلوبة لذلك.
  • إرجاء تطبيق الضريبة العقارية على القطاعات الصناعية المستهدفة، مع تحمل الموازنة العامة هذه الأعباء خلال فترة الأزمة الراهنة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى