أوراق بحثيةدراسات التنميةرئيسيعاجلغير مصنف

أداء القطاع الصحي في مصر: السياسات والتحديات

جهود الدولة في مجال الرعاية الصحية ومقترحات لتطوير المنظومة

امتد مفهوم الرعاية الصحية ليشمل بالإضافة إلى تقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية والتأهيلية، مفهوم الحفاظ على الصحة العامة ضمن إطار التنمية البشرية للمجتمع. وتعتمد الرعاية الصحية على أسس محدده أهمها: توافرها للمواطن بالقرب من مكان معيشته وعمله، وتوافرها بجوده معينة، وقدرة المواطن على الحصول عليها وقدرته على تحمل تكاليفها بالنسبة لدخله.

يجب أن يعتمد حق المواطنين في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة على احتياجاتهم وليس على قدرتهم على تسديد تكاليف هذه الرعاية، وبالتالي لا بد من وضع استراتيجيات مستقبلية، تأخذ في الاعتبار النمو السكاني وقدرات المواطن والدولة لتحقيق أهداف لا يمكن التنازل عنها للمواطن بغض النظر عن قدرته المالية.

تهدف هذه الورقة إلى التعرف على السياسة الصحية في مصر واستراتيجيات تطبيقها ومؤشرات القطاع الصحي وجهود الدولة في مجال الرعاية الصحية، وأخيرا تقديم مجموعة من المقترحات لتفعيل الاستراتيجيات الصحية في مصر، وذلك من خلال النقاط التالية:-

أولا: ملامح السياسة الصحية في مصر

ثانيا: مؤشرات عن القطاع الصحي في مصر

ثالثا: جهود الدولة في مجال الرعاية الصحية

رابعا: مقترحات لتفعيل الاستراتيجيات الصحية في مصر

توصلت الورقة إلى بعض النتائج تتمثل فيما يلي:-

  • بلغ إجمــــالي قيمــــة الإنفــــاق العــــام علــــى قطــــاع الصحة بموازنة العام المالي 2021/2022 حوالي 108.8 مليار جنيه، بمعدل زيادة بلغ 15.3 مليار جنيه (أي حوالي 16%) عن مخصصات القطاع الصحي فى العام المالي 2020/2021 الذى بلغ حوالي 93.5 مليـار جنيـه.
  •  وصل إجمالي عدد المستفيدين مـن التـأمين الصـحي 57 مليون مواطن حتى عام 2020. وقُدرت عــــدد المنشــآت الصــــحية التابعـــة للقطــاع الحكومي والخاص في مصر حوالي 2034 منشــأة عام 2020، وبلغت تكلفـــــة تطــــوير البنيــة التحتيــة والتجهيـــزات الطبيـة بعـدد 18 مستشــفى جامعي نموذجي شاملة أقسام ومستشفيات الطوارئ  7 مليار جنيه.
  • تُقدر تكلفـــة عـــلاج 2.9 مليـــون مـــريض علـــى نفقـــة الدولة في الداخل خلال عام 2020 بحوالي 8.9 مليار جنيه. وبلغت التكلفة الإجمالية المُنصرفة للمبادرة الرئاسية للقضــاء علــى فيــروس “ســي” والأمــراض غيــر السارية 3.8 مليار جنيه.

ويتم تناول ذلك بالتفصيل من خلال النقاط التالية:-

 أولا: ملامح السياسة الصحية في مصر

يتناول دستور 2014  الصحة بمنظور شامل ولا ينحصر على نطاق القطاع الصحي بمفرده، بل يتناول في الكثير من مواده الأخرى أدوار مختلف القطاعات من خارج القطاع الصحي في تعزيز صحة السكان.  كما يوضح ضرورة تناول القضايا الصحية بمنهجية تعدد القطاعات باعتبارها المحرِّك الرئيسي في عملية إعداد السياسة الصحية في مصر. 

ترتكز السياسة الصحية في مصر على:

١. تنسيق السياسات بين مؤسسات وأجهزة القطاع الصحي والقطاعات الأخرى التي ترتبط وظائفها وأنشطتها بالصحة العامة.

٢. تدعيم خدمات الرعاية الصحية الأساسية وتوفيرها بالمناطق المحرومة لمواجهة الاحتياجات الأساسية لجميع فئات المجتمع خاصة الأم والطفل.

٣. توسيع قاعدة المشاركة في التكاليف المتزايدة للرعاية الطبية.

٤. تشجيع الإنتاج المحلى لتلبية احتياجات المواطنين من الدواء والأمصال ووسائل تنظيم الأسرة والمستلزمات الطبية والمعملية.

٥. تطوير نظم المعلومات بما يدعم أسلوب اتخاذ القرارات وإعداد الخطط والبرامج الصحية ومتابعة تنفيذها وتوزيع الموارد المتاحة على المحافظات طبقا لاحتياجاتها.

٦. تنمية الموارد البشرية الصحية بجميع فئاتها كماً وكيفاً وتأكيد حسن استخدامها وعدالة توزيعها لمواكبة التطورات العلمية والتقنية المتلاحقة وضمان جودة الأداء

وتعتمد استراتيجيات الصحة في مصر على عدة محاور أساسية، أهمها:

١.  التأكيد على حق المواطن المصري في الرعاية الصحية والاجتماعية كحق كفله له الدستور.

٢.  الالتزام بالمواثيق الوطنية والدولية في إطار من التعاون الإنساني بما يخدم الطفل والمرأة والأسرة والمجتمع.

٣.  المشاركة الإيجابية في تحقيق أهداف خطة التنمية الاجتماعية والاقتصادية للدولة.

٤.  التأكيد على مفهوم أن الإنفاق الصحي هو استثمار ذو عائد كبير بكل المقاييس، وأنه من الضروري زيادة نصيب القطاع الصحي في الموازنة العامة للدولة للوفاء بالاحتياجات الصحية الأساسية للمواطن المصري.

٥.  التأكيد على عدالة الخدمات الصحية العلاجية المتخصصة على أقاليم الجمهورية، وتوفير الخدمات الصحية الأساسية للمناطق المحرومة، وذلك تيسيرا على المواطن وتنفيذا لتوجهات الدولة في المرحلة القادمة. 

تتمثل الاستراتيجية العامة للقطاع الصحي:

١.  العمل على التنسيق والتكامل بين الوزارات التي ترتبط أنشطتها بالصحة العامة لضمان رفع المستوى الصحي للمجتمع.

٢.  الارتقاء بمستوى خدمات الرعاية الصحية الأولية وقائياً، علاجياً، وتثقيفياً، والتوسع الأفقي في تقديم الخدمات المتكاملة، وخاصة بمناطق الامتداد العمراني.

٣.  زيادة الموارد المالية لتوفير وتطوير الخدمات الصحية، وتوجيه الموارد المتاحة من خلال الاتفاقيات الدولية لدعم الخدمات الوقائية ومواجهة المشكلات الصحية ذات الأولوية.

٤.  تطوير الخدمات العلاجية والعاجلة بما فيها الخدمات التخصصية الدقيقة وتوفيرها على المستوى الإقليمي.

٥.  التوسع في خدمات التأمين الصحي لتغطية فئات جديدة وتطوير نظم تقديم الخدمة.

٦.  التوسع جغرافيا في نظام المؤسسات العلاجية لاسترداد كل أو جزء من نفقات الخدمة الطبية.

٧.  تشجيع دور المؤسسات الأهلية والتطوعية والقطاع الخاص لاستكمال بعض جوانب الخطط الصحية.

٨.  توعية المجتمع بدوره الإيجابي في الحفاظ على صحة أفراده.

٩.  زيادة الاهتمام بالبحوث العلمية التطبيقية للاستفادة من نتائجها في تطوير الخدمة الصحية مثل: بحوث النظم الصحية والبحوث التطبيقية وبحوث العمليات للتعرف على مشاكل أداء الخدمات وتحليلها واختيار أنسب الحلول وتقييم كفاءتها وفاعليتها.

١٠ . التوسع في استخدام أساليب الاستقصاء ومؤشرات التنبؤ بالأمراض، خاصة بين الفئات المعرضة لها وسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة للسيطرة عليها.

١١ . تحسين أسلوب تخطيط تنمية القوى البشرية العاملة بالقطاع الصحي وربط العملية التعليمية باحتياجات المجتمع.

ثانيا: مؤشرات عن القطاع الصحي في مصر

يتصف النظام الصحي فى مصر بأنه أحد الأنظمة المعقدة حيث تتعدد جهات تقديم الخدمات الصحية، وأيضاً يتصف بتعددية مصادر التمويل والإدارة والخدمة.

تُشير أحدث إحصائيات لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء أنه بلغ إجمــــالي قيمــــة الإنفــــاق العــــام علــــى قطــــاع الصحة بموازنة العام المالي   2021/2022 حوالي 108.8 مليار جنيه، بمعدل زيادة بلغ 15.3 مليار جنيه (أي حوالي 16%) عن مخصصات القطاع الصحي فى العام المالي 2020/2021 الذى بلغ حوالي 93.5 مليــار جنيـه، ووصل إجمالي عدد المستفيدين مـن التـأمين الصـحي 57 مليون مواطن حتى عام 2020.

وقُدرت عــــدد المنشـــــآت الصــــحية التابعـــــة للقطـــــاع الحكومي والخاص في مصر عام 2020 حوالي 2034 منشـــــأة، وبلغت تكلفـــــة تطــــوير البنيــــة التحتيــــة والتجهيـــــزات الطبيـة بعـدد 18 مستشــفى جامعي نموذجي شاملة أقسام ومستشفيات الطوارئ 2.7 مليار جنيه. وتُقدر تكلفـــة عـــلاج 2.9 مليـــون مـــريض علـــى نفقـــة الدولة في الداخل خلال عام 2020 بحوالي 8.9 مليار جنيه. وبلغت التكلفة الإجمالية المُنصرفة للمبادرة الرئاسية للقضــاء علــى فيــروس “ســي” والأمــراض غيــر السارية 3.8 مليار جنيه.

شكل رقم (1) عدد الأطباء البشريين القائمين بالعمل خلال عامي 2014 و2020

المصدر: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، قطاع الرعاية الصحية: 7 سنوات من الانجاز، عدد 22 يناير 2022

يُشير الشكل السابق إلى ارتفاع عدد الأطباء البشريين القائمين بالعمل عام 2020 ليصل إلى 74.9 ألف طبيب بعد أن كان 71.2 ألف عام 2014.

جدول رقم (1) هيكل استثمارات البرامج الرئيسية الحكومية لقطاع الصحة خطة 2020/2021

المصدر: وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، خطة العام (2020/2021)

شكل رقم (2) مؤشر التغطية الصحية الشاملة في مصر والدول العربية عام 2020

Source: Monitoring health and health system performance in the eastern Mediterranean Region, 2020

بلغت قيمة مؤشر التغطية الصحية الشاملة في مصر 68%، وتعتبر البحرين أعلى الدول العربية حيث بلغت قيمة المؤشر 77%.

شكل رقم (3) مؤشر تغطية خدمات الرعاية الصحية في مصر والدول العربية لكل 100 ألف نسمة عام 2020

Source: Monitoring health and health system performance in the eastern Mediterranean Region, 2020

تبلغ قيمة مؤشر تغطية خدمات الرعاية الصحية في مصر 0.6 لكل 100 ألف نسمة وتعتبر الأردن الأولى في الدول العربية وتصل قيمة المؤشر 7 لكل 100 ألف نسمة.

شكل رقم (4) نسب الرعاية الصحية لكل 1000 نسمة عام 2021

المصدر: كوليرز: نظرة عامة على قطاع الرعاية الصحية في مصر، تقرير عام 2021/2022

يبلغ معدّل الأطباء 2.8 لكل 1000 نسمة في مصر أفضل مما هو متاح في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي، بينما يتساوى معدّل التمريض 2.3 لكل 1000 نسمة في مصر مع معدّلاته في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومع ذلك، فيما يتعلق بمعدّل الأسرة 1.3 لكل 1000  نسمة، تختلف مصر بشكل كبير عن بعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، بما يتطلب قدراً كبيراً من الاستثمارات لمواكبة المعايير الإقليمية، بشكل عام لا تحتاج مصر إلى الاستثمار في البنية التحتية للرعاية الصحية فحسب، بل وتحتاج كذلك إلى توفير رعاية صحية شاملة تعتمد على التكنولوجيا لتحسين جودة الرعاية الصحية في الدولة حتى يتسنّى لها منافسة الدول الأخرى على المستويين الإقليمي والدولي.

شكل رقم (5) إجمالي عدد الأسرة والمستشفيات في القطاع الخاص والحكومي في مصر عام 2021

المصدر: كوليرز: نظرة عامة على قطاع الرعاية الصحية في مصر، تقرير عام 2021/2022.

يُسيطر القطاع الحكومي وشبه الحكومي على سوق الرعاية الصحية في مصر بشكل كبير، والذي يتضمن المراكز الطبية المتخصصة في القطاع العام والهيئات الحكومية والكيانات الأخرى، مثل السكك الحديدية والجامعات وما إلى ذلك، والتي تشتمل على 72 % من الأسرّة على الرغم من أن القطاع الخاص يمثل نسبة 63 % من إجمالي المستشفيات، وهو بذلك اللاعب الأكبر في المجال، إلا أنه يعاني تفككاً شديداً مع توفر 31 سريراً فحسب لكل مستشفى خاص، مقارنة بعدد 96 سرير لكل مستشفى حكومي وعدد 209  سرير لكل مستشفى شبه حكومي، يتيح هذا فرصاً جمّة لتحقيق التكامل مع القطاع الخاص من خلال عمليات الاندماج والاستحواذ حيث يوفر قطاع الرعاية الصحية في مصر – لا سيّما قطاع الرعاية الصحية الخاص – العديد من الفرص المربحة للمطورين والمستثمرين والمشغلين.  ومع ذلك، يواجه القطاع العديد من التحديات، مثل ارتفاع تكاليف رأس المال وهجرة الأطباء والموظفين المساعدين المؤهلين.

شكل رقم (6) نسبة الإنفاق العام على الصحة من إجمالي الإنفاق العام في مصر حتى عام 2021

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مصر في أرقام 2022

بلغت نسبة الإنفاق العام على الصحة من إجمالي الإنفاق العام في مصر أعلى قيمة لها 5.5% في موازنة عام 2020/2021.

إن العمود الفقري للخدمة الطبية في مصر يقع على عاتق المستشفيات العامة والجامعية والوحدات الصحية ومؤسسات التأمين الصحي الاجتماعي وما تقوم به الدولة من خدمات مُكملة. وهى الجهات التي لابد من دعمها ورفع مستوى الأداء بها ليحظى المواطن بخدمات لرعاية صحية بمستوى عالي، وخاصة لغير القادرين منهم.

وقد أوضحت الدراسات الاقتصادية أن حجم الإنفاق من المجتمع على الرعاية الصحية يكاد يقارب حجم إنفاق الحكومة على موازنة وزارة الصحة، وأن الكثير من المواطنين يلجأون، خاصة في خدمات العيادات الخارجية إلى القطاع الخاص، فإن المسؤولية التي تقع على هذا القطاع كبيرة، ويمهد ذلك للمشاركة بين الدولة وبين مقدمي الرعاية الصحية كلهم، حيث إن تقديم الرعاية الصحية يجب أن يخضع لنفس نظم الاعتماد وضمان الجودة في كل القطاعات، وعلى القطاع الخاص أن يُصدر التقارير والإحصاءات بالأنماط والمعايير التي تضعها الدولة للحصول على نتائج أكثر دقة وشمولاً على مستوى الدولة.

ثالثا: جهود الدولة في مجال الرعاية الصحية

يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) على أن الحقوق الطبية حق لكل الناس وأن لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في الضمان في حال البطالة أو المرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.

وركزت المنظمة العالمية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية على الصحة كحق من حقوق الإنسان ومعالجة عدم كفاية فرص الحصول على الأدوية مثل فيروس نقص المناعة البشرية والحقوق الجنسية، والإنجابية للمرأة بما ذلك معدلات وفيات الأمهات على مستوى العالم، وهناك جدل كبير حول السياسات الخاصة بالشخص الذي سيتحمل دفع تكاليف العناية الطبية لكل الناس وتحت أي ظرف ومثال على ذلك إنفاق الحكومة على العناية الصحية أحيانا يعتبر كمؤشر عالمي من التزام الحكومة بصحة الشعب.

حرصـت الدولـــــــة فــــــــي رؤيتهــــــــا للتنميــــــــة المســــــــتدامة “رؤيـة مصـر 2030 “علـى ضـمان جـودة الخـدمات الصـــحية المُقدَّمـــة، وأن يتمتـــع كـــل المصـــريين بحيــاة صــحية ســليمة آمنــة؛ مــن خــلال تطبيــق نظــام صــحي متكامــل يتميــز بالإتاحــة، والجــودة، وعــدم التمييــز، وقــادر علــى تحســين المؤشــرات الصــحية عــن طريــق تحقيــق التغطيــة الصــحية الشــــاملة لجميــــع المــــواطنين، ولتكــــون مصــــر رائـــدة فـــي مجـــال الخـــدمات والبحـــوث الصـــحية عربيا وإفريقيا.

وتـــــم إصــــدار قانـــــون التأميــن الصحـــي الشـــامل عـــام 2018، والـــذي يهــــدف إلــــى حصــــول جميــــع المواطنيــــن علــــى خدمــــات رعايــــة صحيـــة ذات جـــودة عاليـــة. وعملـت الدولـة بموجبـه علـى إنشـاء ثـلاث هيئــات مســــتقلة تتولــــى إدارة نظــــام التأميــــن الصحــــي الاجتمــــاعي الشـــــامل، حيـــــثُ تـــــم الفصـــــل بيـــــن تمويــل النظــام، وتقديــم الخدمــة، والرقابــة علــى جـودة تأديتهـا.

وعقــب قــانون التــأمين الصــحي الشــامل، صــدر القـــانون رقـــم 151 لســـنة 2019 بشـــأن “إنشـــاء الهيئـــة المصـــرية للشـــراء الموحـــد والإمـــداد والتمــوين الطبــي وإدارة التكنولوجيــا الطبيــة وهيئة الدواء المصرية”، وتُعدُّ الهيئة المصـرية للشـــراء هيئـــة عامـــة اقتصـــادية لهـــا شخصـــية اعتباريــة وتتبــع رئــيس مجلــس الــوزراء.

وتجدر الإشارة إلى أنه تمت الموافقة فـي يوليـو 2020 علـى مشـروع قـرار رئـيس مجلـس الـوزراء بشـأن التــــرخيص للهيئــــة المصــــرية للشــــراء الموحــــد والإمــــداد والتمــــوين الطبــــي وإدارة التكنولوجيــــا الطبيــــة بتأســــيس شــــركة مســــاهمة باســــم “الشـــركة المصـــرية للاســـتثمارات الطبيـــة”، يكـــون غرضـــها دعـــم نشـــاط الهيئـــة والإسهام معها فـــي تنفيـــذ بعـــض اختصاصـــاتها؛ ومنهـــا القيام بنقـل وتوزيـع المستحضـرات الطبيـة التـي تقـــــوم الهيئــــــة بتــــــدبيرها، بالإضــــــافة إلــــــى إدارة منظومـــة المخـــازن الاستراتيجية التـــي تنشـــئها الهيئة بالاشتراك مع أجهزة وكيانات الدولة.

وقامــــت الدولة فــــي هــــذا الســــياق بإصــدار القــانون رقــم 214 لســنة 2020 بشــأن تنظــــــــــــيم البحــــــــــــوث الطبيــــــــــــة الإكلينيكيــــــــــــة، والـذي يُـعدـُّ خـطـوة مـن الـخـطـوات الـمهمة التي تســير فيهــا الدولــة المصــرية لمواكبــة الأبحــاث الطبية العالمية.

هذا وقـــد وضـــعت الدولـــة الاستراتيجية القوميـــة للســــــــكان وخطتهـــــــــا التنفيذيــــــــة الخمســـــــــية( (2015 – 2020 والتــي ترتكـــز علـــى مجموعـــة مـــن المحــــاور المتعلقــــة بتنظــــيم الأســــرة والصــــحة الإنجابية، وإتاحة خدمات تنظيم الأسرة بالتــأمين الصــحي وجميـــع المستشـــفيات والمؤسســـات العلاجيـــة الحكوميـــة، وتــــوفير رصـــيد كـــافِ مــــن وســــائل تنظــــيم الأســــرة، فضــــلًا عــــن العمــــل علــــــى دمــــــج القضـــايا السـكانية فــــــي عمليــــــة التعليم والتوعية. وجـــــاءت الخطـــــة التنفيذيـــــة للمشروع القومي لتنمية الأسـرة (2021 – 2023) والتـي تسـتهدف الارتقـاء بجـودة حيـاة المـواطن المصري من خلال ضـبط النمـو السـكاني.

وعلى صعيد التأمين الصحي الشامل، اتخذته الدولة كخطوة جديدة من خطواتها المتسارعة لتطوير المنظومة الصحية، وتلبية احتياجات المواطنين الطبية بشكل متكامل وعلى أعلى مستوى.

شكل رقم (7) مراحل تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل في مصر

المصدر: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، قطاع الرعاية الصحية: 7 سنوات من الانجاز، عدد 22 يناير 2022

سجلت المرحلة الأولى من “التأمين الصحي الشامل” في كل المحافظات المحددة بها أكثر من 5 ملايين مواطن، كما تم إنشاء وتطوير نحو  51مستشفى وأكثر من 310 وحدات صحية ومراكز طبية، كما اعتمدت أكثر من 90 منشأة صحية. ومنذ إطلاق المنظومة، بلغت تكلفة تطوير البنية التحتية والمعلوماتية في نظام التأمين الصحي حتى الآن ما يزيد على 51 مليار جنيه، وتم تقديم أكثر من 6 ملايين خدمة صحية، وأكثر من 82 ألف جراحة متقدمة بمحافظات المرحلة الأولى.

شكل رقم (8) عدد المستفيدين من الـتأمين الصحي في مصر

المصدر: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، قطاع الرعاية الصحية : 7 سنوات من الانجاز، عدد 22 يناير 2022

وفقا للشكل السابق، بلغ عدد المستفيدين من التـأمين الصحي 57 مليون مستفيد عام 2020، مقابل 50.5 مليون مستفيد عام 2014.

لقد ساهمت المبادرات الصحية الرئاسية وبشكل ملحوظ في تغيير المنظومة الصحية في مصر، حيث عملت على تعزيز النظام الصحي ومعالجة ما به من اختلالات، جاءت كنتيجة للإهمال الصحي التي تعرض له المواطن المصري لعشرات السنين، وقد ساهمت تلك المبادرات في تحقيق الرعاية الصحية الشاملة، من خلال الكشف المبكر عن مختلف الأمراض وتقديم العلاج بالمجان.

وعليه، أطلقت الدولة عددًا من القوافل الخاصة بتنظيم الأسرة والصحة الإنجابية في 7 محافظات، ضمن مبادرة “أيامنا أحلى” لتوفير خدمات ووسائل تنظيم الأسرة للمنتفعات بالقرى والمناطق المحرومة، هذا بالإضافة لمبادرة القضاء على قوائم الانتظار تحت شعار مبادرة ” 100 مليون صحة”، والتي تهدف إلى القضاء نهائيا على قوائم انتظار العمليات والجراحات الحرجة، وبلغت التكلفة التقديرية للمبادرة نحو 6.2 مليارات جنيه.

وكذلك المبادرة الرئاسية للقضاء على فيروس” سي”  والأمراض غير السارية، التي تم إطلاقها في سبتمبر “2018 وتستهدف نحو 50 مليون مواطن مصري ومن أبرز نتائج المبادرة: فحص أكثر من 60 مليون مواطن على مستوى الجمهورية، كما تم علاج أكثر من 2.5 مليون مواطن ثبت إصابتهم حتى يونيو  2021، وبلغت التكلفة المُنصرفة للمبادرة نحو 3.8 مليارات جنيه، إضافة لمبادرة “حياة كريمة” التي قدمت من خلالها الدولة الخدمات الصحية للمواطنين من خلال القوافل الطبية لخدمات كبار السن، والأطفال، وذوي الاحتياجات الخاصة بالمجان في المناطق النائية والمحرومة من الخدمات الصحية على مستوى الجمهورية.

وتبنت الدولة المصرية خطة مرحلية للتعامل مع جائحة كورونا، كما عززت الخطة الاستثمارية لوزارة الصحة والسكان زيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات لمواجهة فيروس كورونا المُستجد. واتخذت الدولة جهودًا لتطوير المعامل المركزية وتجهيزها في مختلف محافظات الجمهورية؛ تمثل أبرزها في: تجهيز 60 معملًا بجميع الأجهزة والمستلزمات اللازمة لفحص الفيروس بجميع المحافظات. وفيما يتعلق بعمليات التطعيم ضد الفيروس، فكانت للدولة جهود مميزة بهذا المجال.

ونتيجة للجهود المصرية في قطاع الصحة، حصلت مصر على تقييم متقدم على مستوى إقليم الشرق الأوسط في التقييم الخارجي،(IHR-JEE) المشترك للوائح الصحية الدولية والذي قامت به لجنة من الخبراء الدوليين. وأشادت بخبرات وقدرات مصر في مجالات الصحة العامة اللازمة لتطبيق اللوائح الصحية الدولية.

رابعا: مقترحات لتفعيل الاستراتيجيات الصحية في مصر

هناك الكثير من التحديات التي يواجهها القطاع الصحي، لذا يمكن تقديم المقترحات التالية لتحسين أداء القطاع الصحي في مصر، وذلك على النحو التالي:-

1-تحقيق نتائج صحية أفضل وعادلة: يتمثل الهدف الجامع للسياسة الصحية الوطنية في تحسين صحة السكان؛ إذ أن تحسين الصحة ليس فقط هدفا أساسيا في حد ذاته، بل إنه كذلك السبيل إلى دعم الحد من وطأة الفقر، وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية في مصر.

2- حماية الصحة وتعزيزها، وضمان إتاحة الخدمات الصحية الأساسية للجميع، مع توفير الحماية من المخاطر المالية الناتجة عن الإنفاق على الصحة (التغطية الصحية الشاملة).

يجب على السياسة الصحية في مصر أن تضمن توافر خدمات الرعاية حتى لا تكون العوائق المالية مثل أتعاب الأطباء، أو أسعار الأدوية فوق طاقة الأفراد أو العقبات الصحية الجيدة حائلاً أمام الحصول على الخدمات اللازمة مثل الحواجز الجغرافية، والحواجز المعلوماتية.

3- تعزيز دور الحكومة في تقديم خدمات الصحة العامة: لابد أن يكون دور الدولة أساسي ومحوري في بلوغ الأهداف الصحية، لذا فمن الضروري أن يتم تعزيز دور الدولة في تقديم الخدمات الصحية العامة، وفي زيادة الاستثمارات لتصويب حالات الإخفاق في السوق – من أجل تحسين سلامة هذه الخدمات، كما يستلزم ذلك ضمان توافر تمويل حكومي كافٍ لإجراء بحوث عالية الجودة تدعم تحقيق أهداف الصحة العامة.

4- ضمان وجود إطار وطني فعال للحوكمة ليشمل القطاعات المتعددة للصحة، ولمعالجة التفتت في القطاع الصحي، حيث تحتاج السياسات والاستراتيجيات والخطط الصحية الوطنية إلى تعزيز دمج القطاعات المختلفة للصحة في إطار عام للحوكمة تتوافر له المقومات والأطر القانونية والتنظيمية والمؤسسية المناسبة، مما يؤكد على ضرورة تناول المحددات الاجتماعية للصحة في إطار عمل متكامل يشمل مختلف القطاعات.

5- تخصيص المزيد من الأموال للصحة وتحقيق أفضل النتائج الصحية مقابل ما يتم إنفاقه (الكفاءة): لقد أدى انخفاض مستوى الاستثمار العام على الصحة إلى ارتفاع مستويات الإنفاق الشخصي على الصحة، والذي أدى بدوره إلى تعزيز الهيمنة على قوى السوق عبر زيادة مشاركة القطاع الخاص، وإضفاء طابع تجاري عام على الخدمات الصحية. وقد أدى ذلك إلى تفاقم حالات إخفاق السوق التي تظهر بوضوح في مشكلات الجودة والسلامة، إذ تميل الأسواق إلى الاعتماد على القدرة على السداد ومن خلال عدم إيلاء الاهتمام الكافي بالوقاية وتعزيز الصحة، إذ الغالب أن يركِّز القطاع الخاص على الرعاية العلاجية.

ومع ذلك فإن الاقتصار على ضخ مزيد من الأموال في النظام الصحي لن يحقق الأهداف المرجوة، ما لم تُتح تدابير شاملة لإصلاح القطاع الصحي لتحسين كفاءة استخدام هذه الأموال، وينطوي ذلك على الاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمالية والتكنولوجية، من خلال سياسات واستراتيجيات تُحرِّكها الكفاءة وتستند إلى المعلومات والأدلة، فضلاً عن إعطاء الأولوية للتدخلات العالية المردود والتركيز على نظم الإدارة الفعالة.

6- المساءلة والشفافية: هناك حاجة إلى التأكيد على المساءلة عبر تحسين الشفافية فيما يتعلق بصنع القرار، واستغلال الموارد، ونشر النتائج مما يتطلب إرساء عمليات شفافة من أجل رصد التقدم من خلال تحسين جمع البيانات وتحليلها ونشرها، كما يقتضي أن يشارك اﻟﻤﺠتمع المدني مشاركة فاعلة في عملية الرصد والمتابعة، مع ضرورة وضوح الرؤية لما يُرجى تحقيقه ووضع نظام لرصد أداء القطاع الصحي في تنفيذ هذه الخطط وذلك من خلال مؤشرات وأهداف قابلة للقياس بما يمكن من إعادة التفكير وتصحيح المسار في الاستراتيجيات والإجراءات وتنقيحها حسب ما يلزم لضمان إحراز تقدم شامل لبلوغ الأهداف الموضوعة.

وختاما يُعد المشهد المصري مواتيا للدفع بسياسات فاعلة تتسق مع ما ورد في الدستور من اهتمام بالصحة، ويتعين في هذا الإطار أن تتزامن زيادة الاستثمارات في الصحة مع إجراء إصلاح للقطاع الصحي يشتمل على معالجة أوجه القصور في كفاءة استخدام الموارد المتاحة، وضمان أن تحقق هذه الاستثمارات المردودات الصحية المرجُوة مقابل الأموال المُنفقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى