كلمة رئيس المنتديمقالات

صدمة الوعي..!

بقلم: أ.د/ صلاح هاشم

كثيراً ما نقرأ ونسمع عن أهمية الوعي والادراك فى بناء المجتمعات الإنسانية، وأن الوعي العام للمجتمع هو اللبنة التى تُؤسس عليها الدول حضارتها .. وبدون وعي إنساني بطبيعة الأحوال والظروف التاريخية والأزمات ومصادر القوى تُصبح هذه المجتمعات هشة ضعيفة لا تقوى على مواجهة الصدمات الحضارية ولا حتى الثقافية التى ربما تُهدد بقائها بشكل عام .

فعندما سُئل الفيلسوف الروسي ” أنطون تشيخوف ” عن طبيعة المجتمعات الفاشلة أجاب بأنها المجتمعات التى يُقابل فيها كل عقل راجح ألف عقل أحمق..وكل كلمة واعية يقابلها ألف كلمة خرفاء .. وفيها  تظل غالبية مواطنيها بلهاء، ولها الغلبة دائمًا على العقلاء وأصحاب المنطق الإنساني السليم. فإذا رأيت الموضوعات التافهة تحتل صدارة أحاديث الساعة عند المثقفين والعامة، وعندما  يتصدر التافهون المشهد، فاعلم أنك تتحدث عن مجتمعات فاشلة!

وعندما تغيب الإنسانية تمرض المجتمعات ويصبح الوعي هو العلاج الفعال لاستعادة صحتها .. فقد يكون الوعي والإدراك الجيد بديلاً فعالا لأقوى الأسلحة في الحروب التى تخوضها المجتمعات فى أزماتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، والسبيل الأول لتحقيق الاستقرار ومواجهة كافة أنواع الجشع سواء كان جشعاً سياسياً أو مادياً . 

وفى إطار الحديث عن أهمية الوعي في مواجهة الجشع المادي وموجات الاحتكار التى يمارسها بعض التجار ولا سيما في الأزمات، تحضرنى حكاية فرنسية كنت قد قرأتها عن ثقافة القطعان التى صارت بعد ذلك مضرب المثل فى كثير من المواقف السياسية التى تتحدث عن القطعان وغياب الوعي..  ولما نشبه المغيبين دائماً بالخرفان، فتحكي القصة عن  رجل يُدعي “بانورج ” كان في رحلة بحريّة على متن سفينة. وكان على نفس السفينة تاجر الأغنام “دندونو” ومعه قطيع من الخرفان المنقولة بغرض بيعها.. كان “دندونو” تاجراً جشعاً يمثل أسوأ ما في هذا العصر وهو غياب الإنسانية.. وحدث أن وقع شجار على سطح المركب بين “بانورج” والتاجر “دندونو” صمم على أثره “بانورج” أن ينتقم من التاجر الجشع ، فقرّر شراء خروف من التاجر بسعر عال.

ووسط سعادة “دوندونو” بالصفقة الرابحة، وفي مشهد غريب يمسك “بانورج” بالخروف من قرنيه ويجره بقوة إلى طرف السفينة ثم يلقي به إلى البحر، فما كان من أحد الخرفان إلاّ أنْ تبع خطى الخروف الغريق ليلقى مصيره المحتوم ، ليلحقه الثاني فالثالث والرابع وسط ذهول التاجر وصدمته، ثم اصطفت الخرفان الباقية في “طابور مهيب” لتمارس دورها في القفز.

جن جنون تاجر الأغنام “دندونو” وهو يحاول منع القطيع من القفز بالماء ، لكنّ محاولاته كلها باءت بالفشل ،فقد كان “إيمان”الخرفان بما يفعلونه على قدر من الرسوخ أكبر من أن يُقاوم، وبدافع قوي من الجشع اندفع “دندونو” للإمساك بآخر الخرفان الأحياء آملا في إنقاذه من مصيره المحتوم ، إلّا أن الخروف “المؤمن” لم يستطع التخلي عن ثقافة القطيع التي جُبل عليها، وكان مصراً على الانسياق وراء الخرفان، فسقط كلاهما في الماء ليموتا معًا غرقاً.

ومن هذه القصة صار تعبير “خرفان بانورج” (moutons de Panurge) مصطلحاً شائعاً في اللغة الفرنسية ويعني انسياق الجماعة بلا وعي أو إرادة وراء آراء أو أفعال الآخرين.. وانتقل بعد ذلك المصطلح إلى كافة المجتمعات الإنسانية ليؤكد على أنه ليس أخطر على مجتمع ما من تنامي روح القطيع لديه.

وكثيرا ما نصادف في حياتنا قطعان كاملة من “خرفان بانورج ” تُردد كلاما ًأو تفعل أفعالاً لمجرد أنها سمعت أو رأت من يقوم بذلك. ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة داء ” البغبغانية ” أو داء “اللفظية ” والذي يُقصد به تكرار مصطلحات دون فهم أو إدراك معناها ..!  فالوعى هو ظاهرة إنسانية تسمح للإنسان باستخدام عقله، فإن لم يستخدمه سمح لغيره باستخدامه والتحكم فيه.

ورغم أهمية الوعي  في بناء الشخصية إلا أنه لا يوجد اتفاق واضح بين الكتاب والفلاسفة على أهمية الوعي، فكثير من الفلاسفة يرون أن الوعي قد يصبح نقمة ويمنع الإنسان من الاستمتاع بحياته، وأن الإنسان عادة ما يتأذى لأنه تألم أكثر من قدرته على التحمل أو أنه عرف أكثر من اللازم، وأن الحزن يصيب فقط أولئك الذين يستوعبون أكثر ما يجب أو لأنهم يعرفون أكثر من اللازم!

 فبينما يرى الأديب “فرانس كافكا ” أن الافراط في الوعي والإدراك أشد خطورة على الإنسان من المخدرات .. ويقولُ الكاتب والفيلسوف” إيميل سيوران ” أن الوعي لعنة مُزمنة، كارثة مَهولة، وإنهُ منفانا الحقيقي ، فالجهل وطن، والوعي منفى.“ وهو بذلك لا يختلف كثيراً عن ” فيودور دوستوفيسكي ” الذى يرى أن الوعي الكامل مرض إنساني خطير!

وأنا هنا ربما اتفق مع آراء كافكا وسيوران ودستوفيسكي عن خطورة الوعي أحياناً على أمن الإنسان  وأحياناً أخرى على استقرار المجتمعات، فقد كانت جريمة أرسطو أنه علم الناس الكلام، كما كان الوعي سبباً أساسياً في مأساة الحلاج، وهو نفسه الوعي الذى دفع الناس في فلبين ماركوس إلى بيع أصواتهم الانتخابية، لأنهم كانوا على وعي بأنها المرة الأولى وربما تكون الأخيرة التى يرون فيها المرشحين للبرلمان، فهم يعتقدون أن المبالغ التى يتحصلون عليها مقابل بيع أصواتهم ربما تكون العائد الوحيد من الانتخابات البرلمانية! وقد يكون هذا الأمر مفيداً على مستوى المصالح الفردية الضيقة، لكنه حتماً سيكون معدول هدمٍ شديد الفعالية على مستقبل الدول والأنظمة والمجتمعات الإنسانية.

فالوعى الآمن هو الذى تكون فيه المعرفة على قدر الاحتياج.. وأيا كانت خطورة الوعى فلا شك أنه سلاح الدول النظيف لتحقيق الاستقرار والتنمية، وبدونه تصبح المجتمعات فريسة سهلة للغزو الثقافي الذي يُدير العقول والأفكار ويجعلها تعمل بالمقلوب لتصبح أسلحة فتاكة موجهة فقط نحو مجتمعاتها وحضاراتها التى تم بناء حضارتها على مر السنين.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى