أوراق بحثيةالسياسات العامةدراسات اقتصاديةرئيسي

الهجرة غير الشرعية في مصر: الآثار الاقتصادية للظاهرة وسبل الحد من تفاقمها

تُعتبر قضية الهجرة غير الشرعية من القضايا التي لا تزال تؤرق المجتمع الدولي خاصة فى ظل التحولات الدولية والإقليمية التى زادت من تعقدها، وهي مشكلة شديدة الحساسية لكونها تمس جميع شرائح المجتمع، بحيث أصبحت الظاهرة لا تقتصر على الشباب بل امتدت إلى عائلات بأكلمها من أطفال ونساء، فضلا عن كونها ظاهرة متعددة الأبعاد حيث يسهم فيها عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية وسكانية.

وتُعد الهجرة غير الشرعية ظاهرة عالمية موجودة في الدول المتقدمة والنامية، وتُمثل تهديدا للعديد منها نظرا لأن الاضطرابات المترتبة على هذه الظاهرة سواء على الدول المصدرة أو المستقبلة أو حتى دول العبور تؤدى إلى المساس بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الدول، وتُشكل تهديدا لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى ولو تضاءلت أعداد المهاجرين غير الشرعيين على أراضيها.

ونظرا لكون مصر من الدول التى تعانى من ظاهرة الهجرة غير الشرعية وذلك كدولة مصدرة ومستقبلة للمهاجرين غير الشرعيين فضلا عن كونها دولة معبر، يُصدر المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية “دراية” ورقة بحثية تُسلط الضوء على أبعادها المختلفة من خلال المحاور التالية:

أولا: واقع الهجرة غير الشرعية في مصر.

ثانيا: العوامل الاقتصادية الدافعة للهجرة غير الشرعية.

ثالثا: التأثيرات الاقتصادية السلبية للهجرة غير الشرعية.

رابعا: الإجراءات التي اتخذتها مصر للحد من الهجرة غير الشرعية.

خامسا: سبل الحد من التأثيرات الاقتصادية السلبية للهجرة غير الشرعية.

سادسا: التوصيات

 تمثلت أهم النتائج التي توصلت اليها الورقة فيما يلي:-

  • تعرضت مصر باعتبارها دولة مقصد ومعبر وانطلاق، لموجات الهجرة غير الشرعية، نتيجة تزايد حالة عدم الاستقرار السياسي والحروب الأهلية في القارة الأفريقية، والحالة التي يشهدها العالم العربي من ثورات وانقسامات.
  • تستضيف مصر نحو 9 مليون لاجئ ومهاجر من نحو أكثر من 58 جنسية مختلفة، يتمتعون بمختلف الخدمات الأساسية.
  • بلغ أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر نحو 259.3 ألف لاجئ وطالب لجوء عام 2020.
  • الضغط على المرافق العامة، وفقدان الوظائف للمواطنين، وفقدان الإيرادات الضريبية من أبرز الآثار السلبية للهجرة غير الشرعية.
  • أصبحت مصر نموذجاً دولياً ناجحاً في محاربة الهجرة غير الشرعية وفي دعم اللاجئين، وذلك وسط إشادات دولية بتعامل الدولة المصرية.
  • اتخذت الدولة المصرية العديد من الإجراءات الأمنية والتشريعية، للحفاظ على شبابها من رحلات قوارب الموت، وقد ساهمت فرص العمل عبر المشروعات القومية في القضاء على ظاهرة الهجرة غير الشرعية.

 أولا: واقع الهجرة غير الشرعية في مصر

توجد لمصر ثلاث جاليات مصرية في الخارج والمتمثلة في الهجرة القديمة إلى أوروبا وأمريكا والهجرة المؤقتة حيث يُقدر عدد المصريين المغتربين المقيمين فى دول غير عربية، مثل إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا واليونان بثلاثة ملايين مصري. أو هجرة العمل والمتمثلة في الخليج حيث تُشير التقديرات الرسمية إلى أن أكثر من ستة ملايين مصرى يقيمون فى دول مجلس التعاون الخليجى، والهجرة الثالثة التي ظهرت في التسعينيات والمتمثلة في الهجرة غير النظامية، حيث إن لمصر موجات من الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، كما أنها تعانى موجات هجرة غير شرعية قادمة من السودان وإرتريا وسوريا.

وتجدر الإشارة إلى أن حوالي ٩٠٪ من المهاجرين المصريين يعودون إلى مصر بعد فترة لأن هدفهم الرئيسي هو البحث عن فرصة عمل أفضل، وتلعب الدولة والمنظمات الدولية دورا هاما في الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية لأنه لا يمكن القضاء عليها بنسبة ١٠٠٪ ، وإنما يمكن الحد منها بشكل كبير من خلال القدرة على أخذ خطوات استباقية، حيث استطاعت ثقافة الهجرة غزو الريف المصري بثقافة العمل بالخارج ، وغالبية هذا النوع يعود مرة أخرى لوطنه بعد فترة من العمل.

لقد ساهم الموقع الجغرافي لمصر والأوضاع السياسية التي تشهدها عدد من دول المنطقة في تحول مصر إلى دولة عبور ومقصد للاجئين، حيث تستضيف مصر نحو 9 مليون لاجئ ومهاجر من نحو أكثر من 58 جنسية مختلفة من بينها العراق وسوريا واليمن وليبيا وإريتريا وإثيوبيا والصومال والسودان وجنوب السودان وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وتعيش الغالبية العظمى منهم فى المناطق الحضرية فى القاهرة الكبرى والإسكندرية ويتمتعون بمختلف الخدمات الأساسية .

يتضح من الشكل السابق أن عدد لاجئ وطالب لجوء عام 2020 بلغ نحو 259.3 ألف، مقابل 258.4 ألف عام 2019، و246.7 ألف عام 2018، و232.6 ألف عام 2017، و213.5 ألف عام 2016، و212.5 ألف عام 2015، و236.1 ألف عام 2014، و230.1 ألف عام 2013، و109.9 ألف عام 2012، و95.1 ألف عام 2011.

ثانيا: العوامل الاقتصادية الدافعة للهجرة غير الشرعية

1-الانفجار السكاني: يؤدي النمو السكاني الذي يتجاوز القدرة الاستيعابية للمنطقة أو البيئة إلى الانفجار السكاني، يعتبر الانفجار السكاني وعواقبه مشكلة أكبر في البلدان النامية.

2- لم شمل الأسرة: يسعى بعض المهاجرين غير الشرعيين للعيش مع أقاربهم الذين يعيشون في بلد لا يُسمح لهم بدخوله، مثل الزوج/الزوجة أو غيرهم من أفراد الأسرة.

3- التعليم: تريد العائلات أن تضمن تعليما أفضل لأطفالها.

4- البحث عن الرزق: وهي من أول الدوافع وأهمها، إذ يؤدي بالمهاجرين إلى ترك أوطانهم وهجرتهم إلى أي من الدول التي يجدون بها فرص العمل لكسب الرزق. ويرتبط إلى حد كبير الوضع الاقتصادي في معظم الدول المرسلة للمهاجرين بالوضع الديموجرافي فيها، إذ يرتفع معدل النمو السكاني بصورة تواكب النمو في الدخل القومي، مما يؤدي إلى عجز الدولة عن الوفاء بمتطلبات هذه الأعداد السكانية المتزايدة فينخفض مستوى المعيشة ويدفع بالكثيرين إلى البحث عن فرص عمل أفضل في مكان أو دول أخرى، وخاصة فئة الشباب المتعطل عن العمل الذي يسعى إلى تكوين الحياة الأسرية، في ظل تنامي معدلات البطالة.

5- التحولات المجتمعية التي تمر بها معظم دول العالم النامي تحديداً، حيث تحمل تلك التحولات تزايد الاختناقات الاقتصادية والاجتماعية، وتصاعد الضغوط التضخمية وانخفاض مستوى المعيشة، وتفاقم الأزمات في مجالات الإسكان والمرافق؛ لذا أضحت الهجرة للعمل عملية ضرورية، وتجذب قطاعات واسعة من المواطنين. وقد أكدت الدراسات العديدة في مجال الهجرة أن حجم الهجرة في المجتمع يختلف أو يتأثر بتقلبات النظام الاقتصادي. ويفسر ذلك بأنه في فترات الازدهار الاقتصادي تتزايد مشروعات الأعمال وتحدث عمليات توسع صناعي، الأمر الذي يتطلب أعدادا متزايدة من الأيدي العاملة الجديدة محلياً.

6-ارتفاع سعر تأشيرات الدخول لبعض الدول المتقدمة بشكل خاص؛ لذلك يلجأ بعض الشباب إلى الاستعانة بخدمات أشخاص يُسمَّون وسطاء التهريب الذين يقومون بتسهيل عمليات إدخال المهاجرين وعبورهم الحدود، وبعض هؤلاء الوسطاء قد يُدخِلون المهاجرين بسياراتهم الخاصة عن طريق بعض الممرات السرية المعروفة لديهم وذلك مقابل مبلغ مالي يَعُدُّه المهاجر زهيداً مقارنةً بسعر تأشيرة الدخول القانونية لهذه الدولة.

7-قلة وندرة الأيدي العاملة في بعض الدول: ويعود ذلك في أغلب الأحيان إلى اتساع مساحات هذه الدول وتربُّعها على بقعة جغرافية كبيرة، وبالمقابل معاناتها من نقص في الكثافة السكانية؛ وهذا يسبب النقص الحاد في الأيدي العاملة الذي يقابله ارتفاع مستوى الأجور؛ فتصبح هذه الدول مقصداً لأي مهاجر.

8-سياسات وقوانين حكومات الدول التي تحدُّ وتمنع مواطنيها من الهجرة خارج بلادهم؛ وهذا يضطرهم إلى اللجوء إلى الهجرة غير القانونية.

وقد تعرضت مصر باعتبارها دولة مقصد ومعبر وانطلاق، لموجات الهجرة غير الشرعية، نتيجة تزايد حالة عدم الاستقرار السياسي والحروب الأهلية في القارة الإفريقية، والحالة التي يشهدها العالم العربي من ثورات وانقسامات وتزايد الصراعات العرقية والطائفية المسلحة خاصة في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن من ناحية، وتردي الأوضاع الاقتصادية لأغلب دول القارة الإفريقية، وقد ازدادت تيارات الهجرة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط نتيجة للبطالة والفقر وانخفاض مستوى المعيشة، حيث يعد البحر المتوسط الناقل الرئيسي لتدفقات الهجرة غير الشرعية من نقاط وأماكن تجميع المهاجرين على سواحله الجنوبية في الشمال الإفريقي إلى السواحل الأوروبية ومنها إلى داخل القارة الأوروبية.

تأتى ليبيا في المركز الأول في الهجرة نظرا لقربها الجغرافي من السواحل الإيطالية، وقد ارتفع معدل الهجرة غير الشرعية من السواحل المصرية نحو أوروبا وتطلب مواجهة تلك الظاهرة تنسيق التعاون السياسي والأمني بين جميع الأطراف المعنية بالهجرة غير الشرعية بهدف تشديد الرقابة على الحدود البرية والبحرية لمنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين صوب الشواطئ الأوروبية وتفعيل التضامن والتكامل الاقتصادي المصري والعربي والأفريقي بالتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي مع الحفاظ على علاقات استراتيجية متوازنة مع تلك الدول وبناء شراكة جادة ومثمرة لمجابهة التهديدات والتحديات والمخاطر الناتجة من تدفق آلاف المهاجرين باتجاه شواطئ أوروبا عبر البحر المتوسط.

ثالثا: التأثيرات الاقتصادية السلبية للهجرة غير الشرعية

قد تظهر آثار سلبية للهجرة غير الشرعية، وفيما يلي بعض التأثيرات الرئيسية:

أ- الضغط على المرافق العامة: عادةً ما يستخدم المهاجرون غير الشرعيين الخدمات العامة مثل المرافق الصحية والمدارس العامة ووسائل النقل والمنتزهات، ومع ذلك فهم لا يدفعون ضرائب لبناء وصيانة هذه المرافق.

ب-توريد جاهز للعمالة الرخيصة: عادة ما يكون المهاجرون غير الشرعيين في أمس الحاجة إلى مصدرٍ للدخل، ولا يمانعون العمل في مقابل أجر أقل، ومن ثم لا يتعين على أصحاب العمل في بلد المقصد تعيين عمالٍ والدفع لهم بالرواتب القياسية، وعلاوة على ذلك يمكن للعمال غير القانونيين القيام بأي نوعٍ من العمل طالما يضمن لهم دخلا ثابتا، فلا يهم مدى صعوبة أو خطورة ذلك.

ج- فقدان الوظائف للمواطنين: في ضوء حقيقة أنَّ المهاجرين غير الشرعيين عادةً ما يكونون مستعدين للعمل بأجرٍ منخفضٍ، فإنَّهم يأخذون الوظائف المخصصة للسكان المحليين، مما قد يكون محبطاً للمواطنين الذين لا يستطيعون العثور على وظائف ذات رواتبَ معقولةٍ.

د- فقدان الإيرادات الضريبية: توظيف المهاجرين غير الشرعيين يعني أنَّ صاحب العمل يفلت دون دفع الضرائب اللازمة، وهذا يؤدي إلى توفيرٍ كبيرٍ، وقد ينتهي الأمر بالمستهلكين بالاستمتاع بمنتجات وخدمات أرخص؛ وذلك بفضل انخفاض تكاليف الإنتاج، وهذا يبدو وكأنه تأثيرٌ إيجابيٌ، ومع ذلك فإنَّ فقدان عائدات الضرائب يمكن أن يقوض البرامج الحكومية، دون أموال الضرائب التي يجب على أصحاب العمل تحويلها للوظائف التي يشغلها مهاجرون غير شرعيين، قد ينتهي الأمر بالمشاريع الحكومية التي تعود بالفائدة علينا جميعاً، وهذا يؤذي الجميع ليستفيد القليل.

ه- الإصابة والمرض: السعي وراء نوعية حياةٍ أفضل هو السبب الرئيسي للهجرة غير الشرعية؛ إذ يتم تحقيق ذلك في الغالب من خلال التوظيف في بلد المقصد، واليأس من العمل يدفع المهاجرين غير الشرعيين للعمل في الصناعات الخطرة مثل البناء والزراعة، وعلاوةً على ذلك فإنَّ العمال غير الشرعيين لديهم قدرةٌ محدودةٌ على الحفاظ على السلامة في العمل؛ وذلك بفضل شبكة معقدة من العواقب التي تحجب وضع المهاجرين غير الشرعيين. إلى جانب المخاطر الجسدية التي يتعرض لها المهاجرون غير الشرعيين في العمل، فإنَّ اختيار التنقل عبر الحدود بحثاً عن عملٍ يستلزم عادةً عوامل نمط الحياة المرتبطة بالعمل التي تؤثر في الرفاهة الجسدية والاجتماعية والعقلية للمهاجرين وأحبائهم.

و- تصاعد الأنشطة الإجرامية والإرهابية: في حين أنَّ معظم المهاجرين غير الشرعيين يبحثون فقط عن فرص عملٍ، إلا أنَّ ثمة عدداً كبيراً منهم متورطٌ في أنشطة إجرامية دون الرقابة المناسبة لأولئك الذين يدخلون بلداً بشكلٍ غير قانونيٍ، ويمكن للمجرمين والإرهابيين أيضاً أن يجدوا طريقهم إلى البلاد، وهذا يؤدي إلى وجود خطر على السكان الملتزمين بالقانون، وعلاوةً على ذلك ليس من السهل تعقب المجرمين غير الشرعيين ومحاكمتهم.

رابعا: الإجراءات التي اتخذتها مصر للحد من الهجرة غير الشرعية

على مدار نحو 9 سنوات، اتخذت الدولة المصرية العديد من الإجراءات التى مكنتها من تطوير منظومة متكاملة لاحتواء الهجرة غير الشرعية والحد من مخاطرها، سعيا للحفاظ على ثروتها الحقيقة من الشباب بدلا من أن يكونوا تجارة في أيادٍ غير أمينة تبيع الوهم والحلم. وقامت الحكومة بسنّ بعض القوانين وإحكام الرقابة على المطارات والموانئ، والحدود المصرية، وتنفيذ المشاريع العملاقة التي تستوعب آلاف الشباب للحد من الهجرة غير الشرعية.

وقد أسفرت جهود الدولة فى مكافحة الهجرة غير الشرعية في ظل حرصها على الالتزام بالمواثيق الدولية، عن عدم خروج أى سفينة لنقل مهاجرين غير شرعيين من السواحل المصرية منذ سبتمبر 2016  حيث تم العمل في ثلاثة ملفات لمكافحة هذا النوع من الهجرة على النحو التالي :

أ- الملف الأول: وضع أطر تشريعية ومؤسسية

جاء القانون رقم 82 لسنة 2016 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين ولائحته التنفيذية رقم 983 لسنة 2018، ليضع عقوبات رادعة لهذه الظاهرة بتجريمه جميع أشكال تهريب المهاجرين، مما ساعد أجهزة إنفاذ القانون على القضاء على شبكات التهريب.

وفى إبريل ٢٠٢٢، أصدر رئيس الجمهورية القانون رقم ٢ لسنة 2022 بتعديل بعض أحكام قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين الصادر بالقانون رقم ٨٢ لسنة ٢٠١٦ من أجل التصدي لهذه الظاهرة حيث تم تغليظ العقوبة لتصبح السجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه.

كما تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية (2016 / 2026 ) التى تستهدف الفئات الأكثر عرضة لخطر الاستغلال  من جانب المهربين وهم الشباب (١٨- ٣٥ سنة) والأطفال وأسرهم والوافدين إلى مصر بشكل غير شرعى كما تسعى إلى ردع ومعاقبة سماسرة وتجار الهجرة من خلال إجراءات وعقوبات مشددة ، وعبر تعزيز التعاون بين الحكومة والأطراف غير الحكومية والإقليمية والدولية للحد من الظاهرة، ورفع القدرة المعلوماتية ذات الصلة، وزيادة الوعى العام بها، وتعبئة الموارد اللازمة، وتعزيز الإطار التشريعى اللازم لدعم جهود مكافحتها، مع اعتبار التنمية أساسا لذلك، ودعم مسارات الهجرة الشرعية.

وفيما يتعلق بالجانب المؤسسي، فقد أنشأت الحكومة عددا من الهيئات المعنية بإدارة ملف الهجرة غير الشرعية، من أهمها وزارة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج التى استحدثت فى ٢٠١٥. كما تم إنشاء اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية، وعملت اللجنة منذ تأسيسها فى يناير 2017 لى وضع إطار تشريعي خاص يعطي تعريف واضح لجريمة تهريب المهاجرين، وتضم اللجنة في عضويتها 26 ممثل عن الوزارات والهيئات والجهات والمجالس والمراكز البحثية المعنية، وتختص بالتنسيق على المستويين الوطنى والدولى بين السياسات والخطط والبرامج الموضوعة لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وتقديم أوجه الرعاية والخدمات اللازمة لضحايا جريمة الاتجار بالبشر، والمهاجرين المهربين.

هذا إلى جانب إنشاء وزارة القوى العاملة 6 مكاتب استشارات على مستوى المحافظات بهدف التوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية والحد من هذه الظاهرة.

ب-الملف الثاني: التعامل الأمني

كانت هناك عمليات تسلل تتم عبر الحدود الشرقية عن طريق إسرائيل، وتوقف حالياً ذلك المسار، نتيجة للتواجد الأمني المكثف في شمال سيناء، فضلا توقف عمليات التسلل من الحدود الغربية والجنوبية. وبفضل جهود وزارة الداخلية والقوات المسلحة في تأمين الحدود بشكل جيد للغاية، تم إحباط محاولات الهجرة غير الشرعية للمصريين والأجانب عبر الحدود البرية والبحرية خاصة التى تطل على البحر المتوسط، وتم حصار سماسرة الهجرة غير الشرعية، ممن يسهلون عبور الأفارقة ويتخذوا من مصر دولة عبور.

ج- الملف الثالث: الجهود التنموية

  • إطلاق مبادرة “حياة كريمة” لتطوير الريف المصري لرفع جودة الحياة للمواطنين بالقرى المصدرة للهجرة غير الشرعية، حيث أسهمت بشكل كبير في القضاء على مسببات الهجرة غير الشرعية، وذلك من خلال تحقيق التنمية المجتمعية الشاملة حيث خصصت للمبادرة موازنة بقيمة بلغت تريليون جنيه.
  • تنمية أماكن وبؤر الهجرة غير الشرعية، ومنها محافظة كفر الشيخ، وجاء افتتاح القيادة السياسية لمشروع المدينة السمكية الصناعية في غليون بكفر الشيخ، حيث يوفر المشروع الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للصيادين وخريجي الجامعات من أبناء كفر الشيخ والمحافظات المجاورة لها، بما يقضي على البطالة التي تعد سببا رئيسيا من الأسباب التي تدفع الشباب إلى اللجوء للهجرة بطرق غير شرعية. ساهمت المدينة السمكية الصناعية بغليون في تغير منطقة غليون وتحويلها من منفذ للهجرة غير الشرعية إلى مدينة صناعية متكاملة، كما تم افتتاح مشروعات متعلقة بتصنيع وتعليب الأسماك وهو ما وفر 25 ألف فرصة عمل لشباب المحافظة.
  • أنجزت مصر مشاريع قومية كبيرة، أدت إلى توفير مئات الآلاف من فرص العمل في المحافظات كافة، إضافة إلى أن مصر تعكف على الانتهاء من تنفيذ مشاريع قومية كبيرة أخرى ذات عمالة كثيرة مثل العاصمة الإدارية الجديدة وأنفاق قناة السويس والطرق الجديدة، ومشاريع تنموية في بعض المحافظات، وتدشين مدن جديدة تجذب آلاف العمال، مما سيساهم في توفير فرص العمل وعدم اللجوء للهجرة غير الشرعية.
  • تم العمل على تسهيل كافة إجراءات تسويق مبادرة تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر للشباب، وتخصيص مبلغ 200 مليار جنيه لتنفيذها، لاسيما في المناطق الجغرافية التي تنتشر بها عمليات الهجرة غير الشرعية.
  • قيام وزارة الهجرة بتنفيذ المبادرة الرئاسية “مراكب النجاة”، التي أطلقها رئيس الجمهورية ضمن توصيات النسخة الثالثة من منتدى شباب العالم في ديسمبر 2019، حيث ساهمت المبادرة في توعية وتدريب الفئات الأكثر استهدافا للتعريف بمخاطر الهجرة غير الشرعية وبدائلها الآمنة، وفق خطة موضوعة لتشمل 14 محافظة من المحافظات الأكثر توجها للهجرة غير الشرعية.
  • جاء الاهتمام بالشباب المصري لتحقيق خطة مصر للتنمية المستدامة في عام 2030، وتضافرت كل الجهود من أجل العمل على إنهاء ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وتم تنشيط التعاون الإقليمي بين الجهات المعنية المتخصصة في مكافحة الهجرة غير الشرعية تعظيما لجهود رفع الوعي على المستويين المحلي والإفريقي بمخاطر الهجرة غير الشرعية وحرصا منها علي حياة الأبرياء الذين يتعرضون للموت والاستغلال خلال محاولاتهم للوصول للقارة الأوروبية.

وبفضل هذه الجهود، أصبحت مصر نموذجاً دولياً ناجحاً في محاربة الهجرة غير الشرعية ودعم اللاجئين، حيث انتهجت سياسات ورؤية ناجحة وفاعلة في تعاملها مع ملف الهجرة غير الشرعية وملف اللاجئين، في ظل حرصها على الالتزام بالمواثيق الدولية، حيث نجحت في وقف تدفقات الهجرة غير الشرعية وإحكام عمليات ضبط الحدود البرية والبحرية، ووضع إطار تشريعي وطني لمكافحة تهريب المهاجرين، فضلاً عن استضافة ملايين اللاجئين والمهاجرين من مختلف الجنسيات، والتعامل معهم دون تمييز وإدماجهم في المجتمع المصري، مع استفادتهم من كافة الخدمات الأساسية والاجتماعية أسوة بالمواطنين المصريين، بالإضافة إلى ضمان حرية حركتهم وعدم عزلهم في مخيمات أو معسكرات إيواء، وذلك وسط إشادات دولية بتعامل الدولة المصرية في كلا الملفين.

خامسا: سبل الحد من التأثيرات الاقتصادية السلبية للهجرة غير الشرعية

إن مكافحة الهجرة غير الشرعية لن تأتى بعمليات التوعية فقط، لكن باتخاذ الدول لبعض الإجراءات التي تساهم في تغيير فكر الشباب من خلال:

  • زيادة ودعم الاستثمار الوطني ليكون قادراً على زيادة فرص عمل جديدة للشباب الذين يمكن أن يعدلوا نهائياً عن التفكير في الهجرة في حال توفرت لهم فرص عمل مواتية في بلدهم وبين ذويهم. واستثمار مهارات الشباب ومؤهلاتهم العلمية والعملية في الجمعيات والمنظمات والمؤسسات وغيرها.
  • الارتقاء بالواقع الصحي من خلال الاهتمام بقطاع الصحة من مستشفيات وتأمين الكوادر الطبية المدرَّبة والأجهزة الحديثة وكافة أنواع الأدوية، وهذا الأمر يمكن أن يحدَّ من الهجرة التي يعود سببها إلى الأمراض وتفشي الأوبئة.
  • إقبال الحكومات على بناء الجمعيات السكنية الخاصة بالشباب وبيعها لهم بأسعار مناسبة؛ وذلك ليتمكنوا من الزواج وإنشاء عائلة، ومن ثمَّ العدول عن التفكير في الهجرة.
  • مراقبة الدول حدودها البرية والبحرية بشكل جيد، وإقامة حواجز عسكرية وأمنية في المناطق الحدودية المكشوفة أو على الممرات والمعابر السرية التي يسلكها مهربو الأشخاص.
  • اتخاذ إجراءات قانونية صارمة وعقوبات رادعة بحق كل مهاجر غير شرعي يتم القبض عليه؛ وذلك ليعلم باقي الشباب الذين يرغبون في هذا النوع من الهجرات مصيرهم.
  • قيام حكومات الدول المهاجَر إليها بنشر الوعي بين مواطنيها والطلب إليهم مساعدة حكوماتهم؛ وذلك عن طريق امتناعهم عن توظيف أي شخص من خارج البلاد لا يملك تأشيرة دخول قانونية وإبلاغ سلطات البلاد عنه فوراً.
  • السماح للمواطنين بالانخراط في الوضع السياسي وإبداء آرائهم دون تخويفٍ أو ترهيبٍ.
  • إتاحة وظائفَ وأعمالٍ مناسبةٍ للشباب الخريجين العمال بأجورٍ تتناسب مع تعبهم ومؤهلاتهم والوضع المعيشي للبلد.
  • ترسيخ فكرة الوطن الأم وتقوية تعلقهم به، وتأمين الراحة الفكرية والمادية والنفسية لزيادة وتقوية هذا التعلق ورفض التخلي عنه والهجرة منه.
  • تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والعدل والمساواة والتوصيف الوظيفي، وتوفير أبسط الحقوق والامتيازات للشباب لدعمهم ومساعدتهم وتشجيعهم على العمل الفعال، مثل توفير وسائط النقل والتأمين الصحي والأجور المناسبة وبيئة العمل المريحة والصحية وغيرها.

سادسا: التوصيات

نجحت الدولة المصرية فى إدارة ملف الهجرة غير الشرعية والتصدى لهذه الظاهرة الخطيرة على مدار السنوات التسع الماضية حيث كرست جهودا وموارد عدة فى هذا الصدد. ولكن لا تزال هناك حاجة لبذل مزيد من الجهود لضمان تحقيق نجاحات أكبر فى مواجهة هذه الظاهرة، لعل من أهمها ما يلي:

  • تعزيز روح الانتماء لدى الشباب، وغرس قيمة حب الوطن، وتحفيزهم على المشاركة في الحياة السياسية.
  • توظيف البعد الديني، للتوعية من مخاطر الهجرة، وتفعيل دور المؤسسات الدينية.
  • تفعيل الإطار التشريعي الداعم لأنشطة مكافحة الهجرة غير الشرعية.
  • تفعيل وزيادة دور منظمات المجتمع المدني فى التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية، من خلال الاتصال المباشر بالفئات المستهدفة فى المحافظات الأكثر تصديرا للهجرة غير الشرعية، وتوضيح المخاطر والبدائل.
  • زيادة الاستثمار فى التعليم فى المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية ، والاهتمام بالتعليم الفني العالي الجودة.
  • تسليط الضوء على تبعات الهجرة غير الشرعية من خلال المقررات والبرامج التعليمية بالمدارس والجامعات.
  • الاتجاه للمشروعات الإنتاجية ودعمها لأنها تستوعب الكثير من الايدى العاملة، وهذا بجانب المشروعات القومية العملاقة التي تنفذها مصر الآن.
  • تشجيع القطاع الخاص على دعم أنشطة مكافحة الهجرة غير الشرعية.
  • تكثيف المعالجة الإعلامية لملف الهجرة غير الشرعية.
  • استثمار وتعزيز التعاون الدولي والاقليمى في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية.

المصادر:

  • موقع وزارة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج على شبكة الإنترنت: http://www.emigration.gov.eg/DefaultAr/Pages/structure.aspx
  • موقع اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر
  • https://www.nccpimandtip.gov.eg/ar/Home
  • مصر وملف الهجرة غير الشرعية ، الهيئة العامة للاستعلامات
  • مروة نظير (2022)، ظاهرة الهجرة غير الشرعية فى مصر: قراءة فى آليات المواجهة ، المجلة الاجتماعية القومية، المجلد التاسع والخمسون، العدد الثالث.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى