مقالات

معجم الحماية الاجتماعية

بقلم:د.عمار علي حسن

حين نلمح اسم الدكتور صلاح هاشم، أستاذ التنمية والتخطيط بجامعة الفيوم، على كتاب بعنوان «معجم مصطلحات التنمية والحماية الاجتماعية»، فإننا نتوقع توافر خمسة عناصر تشكل كل مفهوم أو مصطلح فى هذا المعجم، بحكم معرفتنا بالرجل، واهتمامه الأكاديمى، وكونه باحثاً يسعى بين الناس، ولا ينظر لهم من برجه العاجى.

أول هذه العناصر هو حضور ذهن الباحث الذى طالع معاجم وقواميس وموسوعات فى علم الاجتماع، وأخرى فى الاقتصاد، وتحديداً فى مجال التنمية، فراح يحيل إليها، وإلى كتب ودراسات سابقة، قرأها وهضمها ووعى أفكارها واقتبس منها، لكنه أعاد تشكيلها لتخدم المسألة التى عُنى بها، وأفرد لها مؤلفه الذى يقع فى نحو ثلاثمائة صفحة من القطع فوق المتوسط.

والعنصر الثانى هو توظيف ما أنجزه صاحب المعجم من كتب أكاديمية تصل إلى أربعة عشر كتاباً، وأخرى فى الثقافة العامة تبلغ تسعة كتب، ودراسات وأبحاث باللغة العربية مجموعها ست عشرة دراسة، وأخرى باللغة الإنجليزية تبلغ ثمانى دراسات وأوراق عمل، وأغلب كل هذا له ارتباط بموضوع معجمه، فهو يدور حول سياسات الرعاية الاجتماعية، وقضية الفقر وظاهرة الفقراء الجدد وتحسين نوعية الحياة لهم، ومعضلة السكان، والمشروعات الاجتماعية، وإدارة المؤسسات الاجتماعية، والنظم الخدمية، وتصميم البرامج، والاتصال الإنسانى، والعدالة الاجتماعية، والمجتمع المدنى، والجريمة المعولمة، والحماية الاجتماعية للفقراء، وثورات الجياع، والاقتصاد التضامنى، وسياسات الإقراض، والتركيب الطبقى فى مصر، ودور الجمعيات الأهلية وإمكانياتها، وحقوق الإنسان.

والعنصر الثالث، وهو مهم جداً، يتمثل فى الاستفادة من التجربة العملية، إذ إن صلاح هاشم ليس أكاديمياً منعزلاً يغرق فى صفحات الكتب فيستوعبها ويردد ما فيها على مسامع طلابه، إنما هو باحث يمشى بين الناس، ويتأمل أحوالهم، ويلتقط قسطاً معرفياً ليس باليسير من حصاد ألسنتهم، وطقوسهم، وتصرفاتهم الحياتية على اختلاف تفاصيلها، ويُجرى فيهم أبحاثه التطبيقية، ليضع النظريات التى درسها موضع اختبار دائم.

ويخبرنا «هاشم» أنه بدأ التفكير فى تأليف هذا المعجم عام 2017 حين كان يعمل مستشاراً لوزارة التضامن الاجتماعى لشئون التنمية والحماية الاجتماعية، ووجد فجوة بين الموجود فى الكتب عن مفهوم «الحماية الاجتماعية» وبين ما يُمارَس على أرض الواقع، وكيف أن المؤسسات الدولية نفسها لديها تصورها الخاص لهذا المفهوم، ما قاد إلى اختلاف وتضارب بين المؤسسات المطبَّقة له، ما أدى إلى إهدار الموارد المادية والوقت والجهد، وخضوع المؤسسات المحلية لما يتبناه المانح الخارجى، حتى لو لم يكن يحظى بأهمية متقدمة على جدول أولويات مجتمعنا.

أما العنصر الرابع فهو الخبرة التنظيمية التى حازها الرجل، وأوردها جميعاً فى نهاية هذا المعجم، وذلك من خلال عضويته بعشرات اللجان العلمية، واللجان الفنية، واللجان الاستشارية العليا، فضلاً عن توليه مناصب قيادية مثل أمين اللجنة الدائمة لترقية الأساتذة فى مجال الخدمة الاجتماعية، ومنسق مشروع دعم الأسر المعرَّضة للخطر، ومنسق عام مشروع وحدات التضامن الاجتماعى بالجامعات المصرية، ومستشار بنك ناصر الاجتماعى، ومؤسس ورئيس المنتدى الاستراتيجى للسياسات العامة ودراسات التنمية، ومستشار وزارة التضامن الاجتماعى، ومراقب دائم بالأمم المتحدة، ومراقب دولى لاتفاقية مكافحة الفساد بالأمم المتحدة أيضاً، واستشارى التنمية فى برنامج الأمم المتخدة الإنمائى، عن البيئة والمنح الصغيرة، ومسئول برنامج مكافحة الإرهاب والتطرف والفكر التكفيرى بالمجلس الأعلى للجامعات، وخبير برامج الحماية الاجتماعية فى مؤسسة «فريدريش إيبرت» الألمانية، ومؤسس الاتحاد المصرى لسياسات التنمية والحماية الاجتماعية، ومدير مركز الخدمة العامة بجامعة الفيوم، ونقيب الاجتماعيين بمحافظة الفيوم أيضاً، ومستشار الهلال الأحمر المصرى لشئون التنمية، ومدير مشروع الطفل العامل بالهيئة نفسها، ومستشار المجلس القومى للأمومة والطفولة، ومستشار منظمة الأورومتوسط وشمال أفريقيا لشئون التنمية.

والعنصر الخامس يتمثل فى استفادة الدكتور صلاح من موهبته ككاتب وشاعر، والتى رأيناها حاضرة فى كتابه السردى «سلاطين الغلابة» ودواوينه الشعرية الثلاثة «غراميات صعيدى» و«وطن فى بحر من الدم» و«عشق الدراويش»، وتأملاته الفلسفية ذات النكهة الأدبية فى كتاب «نبض الخاطر».

هذا الرافد أفاد معجمه من زاويتين، الأولى هى الصياغة السلسلة نسبياً حيث يبتعد عن التعقيد اللفظى، واللغة المستغلقة على أفهام العموم، ليأتى ما كتبه هنا صالحاً للباحثين والأكاديميين والقارئ العام فى وقت واحد. أما الثانية فهى قدرته على إعمال خياله وهو يتناول المصطلحات والمفاهيم، وهو «الخيال العلمى الاجتماعى» حسب كتاب بهذا العنوان لرايت ميلز، إذ إنه منضبط، لا يبتعد عن شروط البحث الأكاديمى، إنما يعطيه أفقاً أوسع.

يبدو أن دافع الدكتور صلاح هاشم إلى تأليف «معجم مصطلحات التنمية والحماية الاجتماعية»، بمعاونة طلابه فى مرحلتى الماجستير والدكتوراه هو انحيازه للفقراء، ووضع علمه وجهده فى سبيل الارتقاء بعيشهم على قدر الاستطاعة، وهو موقف يناسب رجلاً تخصص فى «الخدمة الاجتماعية» وتعلم أنها علم ونهج وفن إدارة ورؤية تنطلق من فهم عميق لاحتياجات المجتمع ومتطلباته، ثم وضع التصورات التى تساعد فى تلبيتها، أو العمل بين الناس فى سبيل بلوغ هذا الهدف النبيل.

ينطلق «معجم مصطلحات التنمية والحماية الاجتماعية» للدكتور صلاح هاشم من انحياز لشرائح الطبقة الاجتماعية الدنيا، فنراه يقول فى أول سطوره: «يُتداول فى أدبيات التنمية العالمية الكثير من المصطلحات المتعلقة بهموم وأوجاع البسطاء ومحدودى الدخل». ثم يعلن رفضه لأن توضع الأبحاث الأكاديمية فى مجال «الحماية الاجتماعية» و«الرعاية الاجتماعية» مهملة فى «أدراج الأكاديميين» أو «يتم اعتقالها على أرفف مكتبات المؤسسات البحثية».

هنا يعلن المؤلف صراحة أنه وضع معجماً لا ليتم حبسه فى الأدراج أو تكديسه على أرفف المكتبات، إنما ليعين العاملين فى مجالى التنمية والحماية الاجتماعية على فهم الواقع الذى يعملون فيه، وترجمة هذا الفهم إلى خطط وبرامج واجبة التطبيق فى الواقع المعيش، لا سيما فى ظل شيوع مصطلح «شبكات الحماية الاجتماعية» الذى شاع استخدامه فى مصر بعد ثورة يناير 2011.

ولأن صلاح هاشم من الذين يؤمنون بالمثل القائل: «علمنى الصيد أفضل من إعطائى سمكة»، وذلك وفق اهتمامه بدور التنمية كسبيل أنجع للأخذ بأيدى الفقراء، وأكثر ديمومة، وأعلى كرامة وشرفاً، فقد أتى على انتقاد لاختزال الحماية الاجتماعية فى «تقديم مساعدات مادية مؤقتة للأسر محدودة الدخل»، ورفض ربط مفهوم الرعاية الاجتماعية بالمؤسسات، ولم يرق له اقتصار الضمان الاجتماعى على المعاش الشهرى للعملاء أو المشتركين فيه، بل نراه ينتقد رؤية منظمة العمل الدولية حين تقصر الحماية على تأمين وضع العمال لا سيما العاملين أو الموظفين فى المهن الهشة أو الهامشية.

يعطى هذا الموقف المعجم الذى نحن بصدده رؤية تقدمية، ويجعل منه إسهاماً فى البحث عن خلاص حقيقى وليس وهمياً فى مجال «الحماية الاجتماعية»، لاسيما حين ينطلق من نقطة مركزية مختلفة، أو يحيل إلى إطار مغاير، يرى فى الحماية الاجتماعية مصطلحاً طبقياً «له معنى واسع، ومعنى ضيق، والاتساع والضيق مرتبطان بالموارد المتاحة». التى يتم توظيفها فى تحقيق هذه الحماية.

ينطلق هاشم من نقد لتضارب المفاهيم والمصطلحات المستخدمة فى مجال الحماية الاجتماعية، ثم يقول: «يأتى هذا المعجم ليطرح أحدث المفاهيم المتداولة فى التنمية والحماية الاجتماعية، والتى تعتبر أساساً تقام عليه كافة المشروعات والأطروحات البحثية والسياسات والتشريعات، وكذلك نقطة البدء فى كافة المشروعات التنموية الميدانية، لتصبح هذه المفاهيم هادياً ومرشداً لهم، سواء فى البحث أو الممارسة».

وما يميز هذا المعجم، وفق مؤلفه، هو حداثة مفاهيمه، والتزامه الواضح بالتحديد والتجرد العلمى، وعرضه لمواضع الاتفاق على المفهوم، من خلال الاعتماد على المفاهيم الصادرة عن كبرى المؤسسات الأكاديمية والتنموية فى العالم. يحتوى المعجم على 352 مصطلحاً، تدور جميعها حول العنوان الذى يحمله، فى تحديد وتدقيق، فنقرأ عن معنى الحماية الاجتماعية، وشبكة الأمان الاجتماعى، والاستبعاد الاجتماعى، والأفراد الأكثر ضعفاً، واستراتيجية تقليل الدخل، والسكان المهجرين، وأنواع السكن، والهجرة غير الشرعية، وأنماط الزواج والطلاق، والإنذار المبكر للكوارث، والمخاطر الاجتماعية، وصور التنمية والنمو والتخطيط، وأشكال القروض، ومسألة التعويض، وأنواع البطالة، والحكم الرشيد، ورأس المال الاجتماعى، ورأس المال البشرى، والحراك الاجتماعى، والدعم الاجتماعى، والدافعية للإنجاز، والوصمة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والمواطنة، والانتماء.. إلخ.

هكذا يعالج المعجم كل المفاهيم الجزئية والفرعية المرتبطة بقضيتى «الحماية الاجتماعية» و«التنمية»، ليجعل منه «أداة للحوار والتفاهم بين الباحثين فى مجال العلوم الاجتماعية من جانب، وبين الممارسين من جانب آخر، ومؤسسات العمل التنموى من جانب ثالث»، بغية إنهاء عشوائية المفاهيم السائدة الآن، وهذا فى حد ذاته إحدى فوائد هذا المعجم المتخصص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى