حرب الـ12 يومًا….فصل جديد من الصراع الإيراني /الإسرائيلي

استيقظ العالم صباح الجمعة 13 يونيو 2025 على تجدد للمواجهات والصراع بين طهران وتل أبيب حين بدأت الأخيرة فصلاً جديداً من هذا الصراع، العائد للثمانينيات منذ تولي نظام الخميني الحكم في البلاد والرؤية التي تبناها الجانبان من أن كل منهما يمثل تهديداً للآخر، وسط مخاوف من انجرار العالم لحرب عالمية ثالثة.
وفي نهاية ما أسماه ترامب” بحرب الـ12 يوماً” أعلن جميع أطراف الصراع التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار -أقل مايوصف بأنه هشاً- وسط وجود مخاوف من تجدده مرة أخرى ، خاصة وأن نتنياهو يتخذ من الصراعات والحروب التي يفتعلها سبيلاً للخلاص من محاكمته بتهم الفساد- أو على أقل تقدير- تأجيلها، ومعللاً ذلك برغبة تل أبيب في تحقيق أهداف أخرى بخلاف تدمير قدرات إيران النووية ألا وهي إسقاط نظام الخميني.
وبينما تؤكد إيران على لسان المرشد الأعلى أنه لولا تدخل واشنطن لكانت فد سقطت إسرائيل، تؤكد الأخيرة أن الحرب تُمثل نجاحاً استراتيجياً أضعف إيران وبرنامجها النووي بشكل كبير؛ أما الولايات المتحدة، ورغم وجود شكوك في مدى نجاح الضربة التي وجهتها للمنشآت النووية الإيرانية، فقد خرج ترامب ليعلن النصر بعد ضرب المنشآت متحدثاً عن إبادة تلك المواقع. ولايزال الغموض يزداد حول إمكانية صمود وقف إطلاق النار؛ يُذكر أن الخسائر البشرية قدرت بنحو 29 قتيلاً إسرائيلياً و1000 من الجانب الإيراني وآلاف الجرحى من الجانبين.
عليه وفي السياق عاليه، ولمزيد من تسليط الضوء على هذه الأزمة، يُصدر المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية “دراية” ورقة حول هذه الأزمة يتم خلالها تناول مدى إمكانية وصف ماحدث بأنه حرب وفقاُ للقانون الدولي، ومن ثم تناول تاريخ الصراع بين الجانبين، المفاوضات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني وصولاً لليوم وكيف تم خديعة طهران، أبرز ردود الفعل الدولية والإقليمية إزاء هذه الأزمة، وأخيراً تداعيات الحرب على موازين القوى بالمنطقة وعلى الاقتصاد العالمي.
وقد توصلت الورقة لعدد من النتائج وذلك على النحو التالي:
- من المقدًر أن تعيد إيران حساباتها في علاقاتها سواء مع شركائها الدوليين والإقليميين أو حتى نحو مزيد من التقارب مع مصر ودول الخليج .
- أن كلًا من دول الخليج وطهران تريد الحفاظ على تحقيق أمنها ومصالحها الوطنية وتعزيز السلام والاستقرار وتبني سياسة أكثر مرونة لاستيعاب الصدمات والخلافات.
- قد تلجأ طران إلى إبرام اتفاقية دفاعية مع الصين للحصول على منظومات دفاعية أكثر طوراً من الأنظمة الدفاعية الروسية.
- رغم أن الحرب قد جسدت لدى بعض الإسرائيلين نتنياهو كزعيم خاض مخاطرة كبيرة وبأقل من الخسائر المتوقعة، إلا أنه لايزال يعاني من الكراهية له داخل الأوساط اللليبرالية ومن نصف الشعب.
- أن ترامب يميل لعقد الصفقات والاهتمام بالمظهر الخارجي على حساب عقد أطر استراتيجية متماسكة وحلول دائمة لأزمات المنطقة، مما يعني أن كافة الأزمات معرضة لأن تتجدد.
كما خلُصت الورقة لعدد من التوصيات كما يلي:
- أن على دول الاتحاد الأوروبي إعادة النظر في حالة التدهور التي أصابت نفوذها ودورها خاصةً إزاء حروب منطقة الشرق الأوسط، رغم أنها تلعب دور جوهري في الصراع الروسي الأوكراني .
- لم تعد دول المنطقة تعول كثيراً على الدور الأوروبي لإنهاء الصراعات في المنطقة، خاصة في ضوء تجاهل الإدارة الأمريكية المتعددة للدور الأوروبي.
- أن الحرب قد تدفع طهران لضخ مزيد من الأموال لدعم دفاعاتها الجوية، وبخاصة إنتاج الصواريخ الباليستية وسط تقديرات عن استنفاد جزء كبير من هذه المنظومة وأنه لم يتبق سوى مابين 700-800صاروخ فقط.
- الحاجة إلى إجراء مشاورات عاجلة مع القوى العربية الأكثر تأثيرًا، مثل السعودية، الإمارات، قطر، الأردن، وربما الجزائر، للتوصل إلى ترتيبات أمنية إقليمية قادرة على صدّ أي مشروع صهيوني يحاول استغلال نتائج الحرب لفرض واقع جديد.
- أهمية التحرك والتنسيق المصري مع قوى الإقليم كدول الخليج وتركيا وإيران لوضع إطار أمني إقليمي لمواجهة أية تهديدات إسرائيلية لاحقة، ومنع إسرائيل من ملء أي فراغ سياسي في المنطقة، وفرض هيمنة سياسية وأمنية على المنطقة بأسرها.
- ضرورة أن تتمسك مصر بموقفها الرافض لتصفية القضية الفلسطينية والتهجير، وأن تكون حذرة من تصرفات تل أبيب التي لن تتوانى عن افتعال أي صدام مستقبلي معها باعتبارها المعرقل الأساسي لتنفيذ المخطط الإسرائيلي.
…………………………………….
تمهيد:
أولاً:هل ماحدث يمكن أن يرقى إلى وصفه بالحرب؟
لابد من مراعاة قواعد القانون الدولي عند الحديث عن الحرب، فوفقاً للقانون الدولي واتفاقيات لاهاي وجنيف تعرف الحرب بأنها”نزاع مسلح بين دولتين أو أكثر، تُستخدم فيه القوات المسلحة على نطاق واسع، يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية أو عسكرية واضحة، ويؤدي إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة.”
لكن إعلان الحرب رسمياً، يتطلب غالباً تصريحاً علنياً من إحدى الدول، وتعبئة عامة للجيوش والقوات، إضافة إلى نزاع طويل الأمد يتجاوز مجرد الردود المحدودة متزامناً مع مواجهة عسكرية واضحة، تنتهي بهدنة، ثم معاهدة سلام تُحدد شروطها وأطرافها. وخلال هذا الصراع لم تُعلن إيران أو إسرائيل دخولهما رسمياً في “حرب” خاصة وأن إسرائيل لو أعلنت ذلك فهذا يعني أنها تتحمل مسؤولية انتهاك سيادة الدولة المعتدى عليها – إيران- ومثل هذا الانتهاك يحمّلها تبعات أمام المجتمع الدولي.” وتشمل هذه التبعات ثلاثة مستويات:
- إيقاف العمليات العسكرية فوراً.
2.إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وإعادة الممتلكات إن وُجدت.
3.دفع التعويضات البشرية والمادية؛ ويشمل ذلك تعويض المتضررين من المدنيين، وأسر الضحايا، وحتى الدول المجاورة في حال تأثرت.
والواقع أن إسرائيل في كافة الصراعات والحروب التي خاضتها لم تسمها حروباً تجنبًا لتحمل تبعاتها ومسؤولياتها الدولية. ورغم أن النزاع يعود في جوهره -كما هو معلن من الجانب الإسرائيلي- للقضاء على قدرات طهران النووية إلا أنها لم تقدم أدلة واضحة على نية طهران لصناعة قنبلة نووية خاصة وأن طهران طالما أكدت أن برنامجها النووي مدني، إلا أنها يجب أن توفر المساحة الكاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية للتأكيد على ذلك.
ثانياً:تاريخ الصراع بين الجانبين
أبرز المحطات:
الواقع أن النزاع الإيراني الإسرائيلي ليس وليد اللحظة وإنما هو صراع ذو جذور عميقة وتاريخ طويل من المواجهات الممتدة منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حيث تبنت طهران نهجاً جديدًا في تعاملها مع إسرائيل معتبرة إياها العدو الأول واعتبرت تل أبيب طهران تهديداً استراتيجيًا نظرت له باعتباره الأخطر خاصة في ضوء ما أعلنه النظام الإيراني بتبنيه مواقفاً مناصرةً لحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ومثلت حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل واحدة من أبرز المواجهات غير المباشرة بين الجانبين ورغم أن الحرب لم تحسم بنصر حاسم لأحد الطرفين إلا أنها مثلت نقطة محورية في أن يلعب حزب الله دوراً على الساحة كقوة عسكرية إقليمية ، وظل التهديد ينال من دول المنطقة بأكملها في ظل التمدد الإيراني ونشر ميليشياتها العسكرية في دول عدة (حزب الله في لبنان وميليشيات في سوريا والعراق ومؤخراً الحوثيين في اليمن) وقد تنوعت أدوات المواجهة بين الطرفين التي لم تكن أبداً مباشرة قبل العام الجاري وظلت مابين اغتيالات نوعية وهجمات سيبرانية وعمليات استخباراتية معقدة على مدار 45 عاماً حتى وصلت لمواجهات مباشرة بين الطرفين متضمنة اغتيال كبار القادة والعلماء النووين في طهران.
ومع اندلاع الأزمة السورية وعدم وجود دعم عربي حينها لدعم الدولة السورية في مواجهة نظام داعش برزت إيران كمنقذ لها، مستغلة الوضع الداخلي على الساحة السورية لترسيخ وجودها العسكري في المنطقة من خلال الحرس الثوري والمليشيات التابعة لها، كما استغلت هذا النفوذ لتُعزز من قوة حزب الله عبر نقلها أسلحة متطورة للبنان عبر الأراضي السورية.
ومثلت السنوات 2019حتى 2022 حرب الظل بين الجانبين الإسرائيلي والإيراني من خلال شن عمليات تخريب واستهداف سفن تجارية ونفطية للطرفين في الخليج العربي والبحر الأحمر، رغم أن الطرفين لم يعلنا عن مسؤوليتهما.
ففي العام 2019 بدأت المواجهة المباشرة بين الطرفين عندما نفذت إسرائيل سلسلة هجمات في سوريا ولبنان والعراق، لمنع إيران من تزويد حلفائها بأسلحة متطورة، متهمة طهران بمحاولة إنشاء خط إمداد بالسلاح عبر العراق وشمال سوريا وصولاً إلى حزب الله في لبنان. كما هاجمت إسرائيل سفناً كانت تنقل النفط والأسلحة الإيرانية عبر البحرين المتوسط والأحمر.
وفي نوفمبر عام 2020، اغتالت إسرائيل كبير العلماء النوويين في إيران، محسن فخري زاده، باستخدام مدفع رشاش يتم التحكم فيه عن بعد.
وفي العام 2021 بدأت إيران وإسرائيل تستهدفان بعضهما البعض بشكل متزايد في البحر.واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إيران بالوقوف وراء انفجار وقع في فبراير على متن سفينة إسرائيلية تنقل سيارات قبالة سواحل عمان، واتهمت إيران إسرائيل في مارس باستهداف سفينة شحن إيرانية على بعد نحو 50 ميلاً من سواحل إسرائيل.
وفي إبريل، تضررت سفينة عسكرية إيرانية متمركزة في البحر الأحمر إثر هجوم بلغم يعتقد أنه إسرائيلي، واستمرت مثل هذه العمليات طوال العام. وفي مايو 2022، أطلق شخصان يستقلان دراجتين ناريتين النار وقتلوا العقيد “صياد خدائي”، وهو ضابط في الحرس الثوري الإيراني.
واستمرت سلسلة الاغتيالات والهجوم المتبادل حتى تاريخ7 أكتوبر 2023، حين هاجم مسلحون فلسطينيون بقيادة حركة حماس، المدعومة من إيران، إسرائيل، مما أشعل حربا دموية في غزة.
ومن منطلق التضامن مع حماس، هاجمت جماعات أخرى مدعومة من إيران في المنطقة، بما في ذلك حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن، إسرائيل أيضًا. ونفى المرشد الإيراني، علي خامنئي، أي دور لإيران في هجمات 7 أكتوبر، لكن قادة حماس تحدثوا بشكل عام عن تلقي دعم من حلفاء إقليميين. وفي ديسمبر 2023، اتهمت إيران إسرائيل بقتل ضابط إيراني رفيع المستوى في ضربة صاروخية في سوريا.
ومثل العام 2024 عاماً للجولات الانتقامية، ففي أبريل، قتلت غارة جوية إسرائيلية على مبنى تابع للسفارة الإيرانية في دمشق 3 قادة إيرانيين كبار و4 ضباط. وبعد أسابيع، أطلقت طهران أكثر من 300 طائرة مسيرة وصاروخا على إسرائيل، تم إسقاط معظمها.
وفي يوليو 2024، اغتيل إسماعيل هنية، زعيم المكتب السياسي لحماس، في انفجار داخل دار ضيافة بطهران تديرها قوات الحرس الثوري الإيراني، وأكدت إسرائيل لاحقاً أنها مسؤولة عن الاغتيال. وفي سبتمبر، فقد السفير الإيراني في لبنان، مجتبى أميني، إحدى عينيه في هجوم إلكتروني ضخم عبر أجهزة النداء استهدف أعضاء حزب الله، وتبعت ذلك هجمات مشابهة على أجهزة إلكترونية أدت إلى مقتل العشرات وإصابة الآلاف، وأكدت إسرائيل لاحقا أنها نفذت هذه الهجمات.عقبها اغتيال إسرائيل زعيم حزب الله حسن نصر الله في غارات جوية قرب العاصمة اللبنانية بيروت.
وفي أكتوبر 2024، أطلقت إيران نحو 180 صاروخًا باليستياً على إسرائيل، رداً على اغتيال إسرائيل نصر الله وهنية وقائد إيراني، وقد تم اعتراض معظمها. لترد إسرائيل في أواخر أكتوبر 2024 بشن غارات جوية على إيران دمرت أنظمة دفاع جوي كانت تحمي البنية التحتية الحيوية. وقال مسؤولون إيرانيون وإسرائيليون، إن الغارات في أبريل وأكتوبر دمرت أنظمة دفاع جوي اشترتها إيران من روسيا، من بينها نظام في وسط إيران يُعد حاسما لبرنامجها النووي.
ليكون العام 2025 عاماً لاندلاع صراع مباشر بين الجانبين، ومثل البرنامج النووي الإيراني فتيلاً هاماً للنزاع حيث حاولت إسرائيل القضاء على ماوصفته بأنه تهديداً وجودياً لها عبر الضغوط الدبلوماسية، والهجمات السيبرانية، والعمليات الاستخباراتية.وحينها اقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خطة لضرب المواقع النووية الإيرانية، وقد ناقشها أعضاء إدارة ترامب لأشهر، وفي أبريل، قرر ترامب السعي للحل الدبلوماسي بدلا من ذلك، إلا أنها لم تكن سوى خديعة استراتيجية ، قامت إسرائيل بعدها فعلياً بعد 60 يوماً من المفاوضات شن سلسلة من الغارات وعمليات الاغتيال، والتي طالت ما لا يقل عن 20 من كبار القادة الإيرانيين، بمن فيهم رئيس القوة الجوية للحرس الثوري، في عملية أطلقت عليها الاسم الرمزي “الأسد الصاعد“.
وردت إيران بعملية “الوعد الصادق 3“، والتي شملت إطلاق دفعات متتالية من الصواريخ باتجاه إسرائيل شملت تل أبيب وحيفا وبئر سيع وتم استهداف عدد من المواقع الحيوية والاستراتيجية .
ثالثاً: مفاوضات البرنامج النووي الإيراني والخديعة الكبرى:
**البرنامج النووي الايراني..سنوات من العقوبات
الواقع أن البرنامج النووي الإيراني قد بدأ عام 1957 بالتعاون مع الولايات المتحدة وبفكرة وطلب إسرائيلي خلال فترة حكم الشاه الذي كان حليفاً للغرب حيث وقع شاه إيران محمد رضا بهلوي اتفاقية تعاون نووي مدني مع رئيس الولايات المتحدة الأميركية دوايت آيزنهاور ضمن برنامج “الذرة من أجل السلام” الأميركي، تم بموجبه نقل مقر معهد العلوم النووية التابع لمنظمة المعاهدة المركزية من بغداد إلى طهران. وكان أول مفاعل نووي تمتلكه إيران قد اشترته من الولايات المتحدة ووقعت عام 1974 اتفاقيات مع شركات ألمانية وفرنسية لبناء مفاعلات في بوشهر وبندر عباس. كما أبرمت إيران اتفاقية ضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتيح لها التحقق بشكل مستقل من دقة بيانات طهران المتعلقة بموادها وأنشطتها النووي وللتعبيرعن نواياها الحسنة وعدم رغبتها في امتلاك السلاح النووي، وقعت طهران على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) في عام 1968.
لكن الدعم الأميركي لتطوير برنامج الطاقة النووية الإيراني توقف سنة 1979 بسقوط الشاه. ومع خروج الشركات الأجنبية وخبراء الذرة من البلاد بدأت الدول الغربية تتخوف من أن تستخدم إيران برنامجها النووي في إنتاج أسلحة دمار شامل.
وزادت حدة الأمر عام 1984 حين ساهمت الصين في بناء مركز أبحاث نووي في أصفهان ووفقاً لبعض التقارير بدأت طهران محاولات لصنع قنبلة نووية سراً ووصل التعاون ذروته في الفترة 1990-1992، حينما وقعت اتفاقاً للتعاون النووي مع الصين واتفاق آخر مع روسيا لشراء مفاعلات الماء الثقيل وفي العام 1995 وقعت اتفاقاً مع روسيا بقيمة 800 مليار دولار لاستكمال بناء محطة بوشهر للطاقة النووية، وسط وجود أنباء عن بناءها منشآتين سريتين واحدة لتخصيب اليورانيوم في نطنز والأخرى مفاعل نووي في آراك وزادت الشكوك حول البرنامج النووي الإيراني في أوائل الألفية، حين وجد مفتشون دوليون آثاراً لليورانيوم عالي التخصيب في منشأة نطنز الإيرانية.
وحينها صنفت الولايات المتحدة إيران كدولة راعية للإرهاب وفرضت عليها عقوبات تشمل قيوداً على المساعدات وحظراً على تصدير وبيع المعدات الدفاعية، وتصدير المواد التي يمكن استخدامها سلميًا أو عسكرياً.
واستمر الشد والجذب وسط مفاوضات لم يكتب لها النجاح حتى وصول حسن روحاني رئيساً للبلاد حينما تمكنت ايران ومجموعة 5+1 من التوصل لاتفاق أولي ودخل الاتفاق حيز النفاذ بحلول العام 2015 “والمعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”، والذي سمح لطهران بتصدير واستيرد أسلحة مقابل منعها من تطوير صواريخ نووية وقبولها زيارة مواقعها النووية قبل العام 2015. والإبقاء على نسبة تخصيب اليورانيوم عند 3.67 %، بعد أن كان يقارب 20 %، علما أن اليورانيوم لا يصلح لصناعة القنابل إلا عند تخصيبه بنسبة 90%. حيث تستخدم محطات الطاقة النووية التي تُولّد الكهرباء يورانيوم مخصباً بنسبة تتراوح بين 3.5 و5 %
الا أن التوترات عادت تلوح بالأفق مع انسحاب أمريكا من الاتفاقية خلال ولاية ترامب الأولى عام 2017،وحينها أعلنت طهران تخليها عن عن جميع القيود المفروض على برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
وسارعت إيران في أنشطتها النووية عقب اغتيال محسن فخري زاده المعروف بالأب المؤسس للبرنامج النووي الإيراني. وأقر البرلمان أواخر 2020 الحكومة الإيرانية باستئناف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% وتركيب وتشغيل المزيد من أجهزة الطرد المركزي المتطورة. ومع وصول الرئيس بايدن للحكم عادت المفاوضات من جديد تلوح بالأفق لعودة العمل بخطة العمل المشتركة إلا أن ذلك لم يتحقق.
ومع وصول ترامب للحكم من جديد بدأت محادثات مباشرة بين الجانبين لمدة 60 يوماً وسط تهديدات بأنها إن لم تتخل عن برنامجها النووي فستواجه خطراً كبيراً، لتكون المفاوضات ماهي إلا خديعة استراتيجية كبرى لإيران.
وشهد فجر 22 يونيو استهداف الولايات المتحدة لمنشآت نووية إيرانية في إطار ماعُرف بعملية “مطرقة الليل”، تم فيها استهداف منشأة فوردو الأكثر تحصيناً وهي مقامة في عمق الجبل وتنتج الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصب، وأصفهان المخزن بها معظم اليورانيوم عالي التخصيب ، ونطنز وهي الأصغر من المنشأتين السابقتين وهي منشآت نووية محصنة تحت الأرض باستخدام 6 قنابل خارقة للتحصينات من طراز (GBU-57) وتُعد هذه القنبلة، التي تزن نحو 30 ألف رطل، واحدة من أخطر أدوات الردع في الترسانة العسكرية الأميركية.
ورغم تأكيد الرئيس الأمريكي بقضائه على الحلم النووي الايراني وأن المنشآت دمرت بالكامل، إلا أنه وفي تقرير لتقييم أعدته استخبارات الدفاع الأمريكي اختلف التقييم عن ما أعلنه ترامب حيث أكد أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لم يتأثر بالضربات، كما أن أجهزة الطرد المركزي بقيت سليمة إلى حد كبير، مع وجود تقارير عن نقل اليورانيوم المخصب من المواقع قبل الضربات. وأن الأضرار اقتصرت على المنشآت فوق الأرض بما في ذلك البنية التحتية للطاقة والمرافق المستخدمة في تحويل اليورانيوم إلى معدن لصنع القنابل.
وهو ما أسرع ترامب بتكذيبه بينما رأت إسرائيل أن نتائج الضربات أقل من المتوقع وأن البرنامج تراجع لمدة عامين وأن إيران قادرة على إعادة الإحياء لبرنامجها النووي.
يُذكر أن المخابرات الأمريكية أكدت أنه لادليل على أن طهران تتخذ خطوات نحو تطوير مثل تلك الأسلحة في تقرير رفضه ترامب قبل شن الغارات الجوية.
ورغم عدم وضوح مدى اقتراب طهران من صناعة قنبلة نووية إلا أنها حققت تقدماً ملحوظاً في إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب ففي سنة 2023، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها عثرت في إيران على جزيئات من اليورانيوم وصلت نسبة تخصيبها إلى 83.7%، وهي نسبة قريبة من تلك المستخدمة في صناعة القنابل، كما أشار التقرير إلى أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب وصل إلى 60 %، وهي كمية تكفي، حسب الوكالة، لإنتاج تسع قنابل نووية فضلاً عن أن البرنامج النووي المدني يمكن تشغيله بنسبة يورانيوم مخصب عند درجة أقل من 5% ، فضلاً عن امتلاكها عدد غير معروف من أجهزة الطرد المركزي في مواقع غير معروفة ولا معلنة ولاتستطيع الوكالة الوصول إليها.
وقد تزامن العدوان مع تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً يُدين “عدم امتثال” إيران لالتزاماتها النووية لأول مرة منذ 20 عاماً، داعياً إياها إلى تقديم إجابات عن أسئلة تحقيق مطوًل بشأن آثار اليورانيوم التي عثر عليها في مواقع عدة لم تعلن طهران أنها مواقع نووية.
ورداً على العدوان وعلى تقرير الوكالة، أعلن البرلمان الإيراني تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وملاحقة مديرها رافئيل غروسي بتهمة التجسس على المنشآت النووية الايرانية.
**مفاوضات 2025 …كيف حدثت الخديعة الكبرى:
كان تدمير البرنامج النووي الايراني أحد الأهداف الرئيسية التي أعلنتها إسرائيل خلال ضرباتها على طهران خاصة في ضوء ماأعلنه نتنياهو أن إيران تقترب من امتلاك تسع قنابل نووية، وهو الأمر الذي نفته طهران مراراً وتكراراً بل وانخرطت في مفاوضات بإسطنبول مع الجانب الأمريكي لمدة 60 يوماً للتوصل لاتفاق حول برنامجها النووي والتأكيد على أنه مخصص للأغراض السلمية فقط، إلا أنه تبين لاحقاً أن ذلك لم يكن أكثر من مجرد خدعة أمريكية إسرائيلية وهو ماأكده الرئيس الأمريكي لاحقاً بأن طهران كان لديها فرصة لمدة 60 يوماً للقبول بالصفقة الأمريكية للتخلي عن برنامجها النووي بشروط أمريكية وعند تأخرها قصفت باليوم 61.
الواقع أن المفاوضات لم تكن أكثر من خديعة أمريكية أسرائيلية ومناورات إعلامية شاركت فيها أعلى مستويات القيادة، وتنوعت الخديعة مابين حملة تضليل إعلامية متعددة الوجه لإقناع طهران أنه لاضربة عسكرية وشيكة على منشآتها النووية . وصولاً لتسريب محادثة هاتفية بين ترامب ونتنياهو بأن ترامب طالب الأخير بحذف الخيار العسكري من أجندته، طالما المفاوضات النووية لا تزال مستمرة، بل كان ترامب على علم كامل بالعملية المقررة وبتفاصيل الضربات الإسرائيلية، بل وجرت محاولات حثيثة لصرف نظر إيران عن الضربة من خلال التصريح بوجود تقدم ملحوظ في ملف المفاوضات مع حماس وهو ماكانت قد أنكرته حماس، وحتى ماأعلن عن توجه وزير الشؤون الاستراتيجية ورئيس الموساد للقاء مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف لتوضيح موقف اسرائيل من المفاوضات كان جزءاً من الخديعة ولم يكن مخطط له أصلاً.
واستمرت سلسلة التصريحات الامريكية المضللة مابين إعلان ترامب أن الضربة الإسرائيلية للمواقع النووية الإيرانية “قد تحدث بسهولة”، لكنه نصح بعدم اللجوء إلى هذا الخيار، ملمّحًا إلى أن التوصل لاتفاق مع إيران لا يزال “محتملًا” إن تخلّت طهران عن طموحاتها النووية.أما السفير الأمريكي لدى إسرائيل، فأكد في مقابلة أن شنّ إسرائيل لهجوم دون ضوء أخضر من واشنطن أمر غير مرجّح.
بل وبعد الضربات الأمريكية على طهران وانتهاء الحرب بين إسرائيل وإيران وجدت أحاديث عن نية ترامب منح طهران30 مليار دولار لبناء منشآت نووية غير عسكرية، ورغم نفي ترامب لذلك ووصفه بالسخافة إلا أنه قد جرت مناقشات فعلية لاقناع طهران بالعودة للمفاوضات والتخلي عن برنامجها النووي العسكري عبر تقديم حوافز اقتصادية لها ، ولكن وزير الخارجية الإيراني أكد أنه لاعودة للمفاوضات قريباً ولكن باب الدبلوماسية لايزال مفتوحاً.
لقد حاولت إسرائيل عبر هجوم ماأسمته بـ”الأسد الصاعد” استهداف منشآت طهران النووية وعلمائها وقادتها العسكريين، ورغم إعلان تقارير للاستخبارات الأمركية أن برنامج طهران غير موجه للتسلح، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن نسبة اليورانيوم المخصب الموجودة في طهران لامثيل لها في أي دولة غير نووية .
اختراق إسرائيلي لقلب طهران:
على الرغم من عدم القدرة على تحديد عدد محدد للعملاء الأسرائيليين داخل إيران إلا أن الرقم التقريبي قد يتجاوز 7000 عنصر.
الواقع أن المواجهة التي خاضتها إسرائيل وتمكنت من تحقيق تقدم في بعض جوانبها، لم تكن لتتم لولا القدرات الاستخباراتية التي مكنت إسرائيل من التسلل إلى قلب برامج إيران الصاروخية والنووية وذلك على مدار سنوات لجمع المعلومات السرية عن كافة الجوانب التقنية والمعرفية والعسكرية وتمت مراقبة عدة مواقع- وبخاصة تلك التي تم قصفها- من خلال عملاء استخبارات على الأرض، وبدأت إسرائيل في التحضير لهذا الهجوم منذ العام 2010، وخلال الضربات الأخيرة استعان الضباط الاستخباراتيون بجواسيس لرسم الخرائط التفصيلية للمواقع الهامة شملت المباني السطحية وتحت الأرض بما فيها الأنابيب وأنظمة التغذية وتصلب اليورانيوم، فضلاً عن غيرها من البنى التحتية الخاصة بالكهرباء ومباني الأبحاث والتبريد وموقعي “نور” و”مقده” المخصصين للحسابات والمختبرات، والموقع العسكري “شريعتی”، والحظيرة الضخمة في “شهيد ميسمي” التي كانت تصنّع المتفجرات البلاستيكية المستخدمة في اختبار الأسلحة النووية، إلى جانب مواد وكيماويات متطورة أخرى.
وقد أُنشئت العديد من هذه المواقع على يد منظمة “سبند” وهي كيان مظلّي يقوده العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، الذي اغتيل عام 2020 ،كما أشارت الوثائق إلى تسلل إلى مقرات الحرس الثوري الإيراني، والتي استُهدفت خلال الأيام الأخيرة من الحرب، إضافة إلى مواقع نووية مثل “سنجريان”، التي عملت على تطوير مكونات تدخل في صناعة الأسلحة النووية بحسب الادعاء الإسرائيلي.
وقد ظهر عمق التسلل الاستخباراتي الاسرائيلي داخل إيران مع اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس، في يوليو من العام الماضي، حيث استعان الموساد بعناصر أمنية إيرانية لزرع عبوات ناسفة في عدة غرف داخل دار ضيافة بطهران.
يُذكر أن الوثائق الاستخباراتية أكدت أن العملاء تمكنوا من زيارة جميع الورش والمصانع للصواريخ التي تعرضت لاحقًا للهجوم، ما مكن إسرائيل من استهداف “كامل البنية الصناعية الداعمة لتصنيع كميات ضخمة من الصواريخ”.
محاولات إيرانية للاختراق:
وعلى جانب آخر كانت طهران قد حاولت اختراق الداخل الاسرائيلي من خلال تجنيد عملاء مقابل مبالغ مالية؛ وكانت إسرائيل قد اكتشفت شبكة واسعة من المواطنين الإسرائيليين المتهمين بالتجسس لصالح طهران، ومنذ أبريل 2024، اعتقل نحو 30 إسرائيلياً بتهم التخابر والتعاون مع إيران، وأدين واحد بالسجن.
وبالفعل تم تصوير مواقع حساسة واستراتيجية داخل إسرائيل ، كتصوير ميناء حيفا، وقاعدة “نيفاتيم” الجوية، وبطاريات “القبة الحديدية”، ومقر الاستخبارات العسكرية شمال تل أبيب، ومعهد “وايزمان” النووي،والذي تم استهدافه بالصواريخ الباليستية خلال الصراع الأخير.
كما عرضت طهران على العديد من العملاء اغتيال مسؤولين إسرائليين على رأسهم نتنياهو إلا أنهم رفضوا لقلة العرض المالي وطالبوا بمبالغ أكبر.
رابعاً:ردود الفعل الدولية إزاء تجدد الصراع:
منذ اليوم الأول للحرب حاولت القوى الدولية والإقليمية دعوة جميع الأطراف إلى التهدئة والبعد عن التصعيد.
فبينما حاولت روسيا دعوة جميع الأطراف إلى التهدئة مقترحة الوساطة بين طرفي النزاع للعودة لطاولة المفاوضات محذرة من خطورة استهداف البنية النووية المدنية التي قد يؤدي أي إضرار بها إلى عواقب بيئية وإنسانية جسيمة تتعدى حدود طهران، كما حذرت من استهداف مفاعل بوشهر ودعت إسرائيل لإيقاف الغارات الجوية عليه حيث يعمل هناك خبراء روس، وتدير روسيا المحطة جزئياً وتشرف على بعض جوانبها الفنية.
وقد أدانت الصين اعتداء إسرائيل على السيادة الإيرانية ودعت للتهدئة والعودة للمفاوضات، إلا أن الحرب قد قُرئت بمنظور آخر داخل الأوساط السياسية ، باعتبارها رسالة أمريكية تتجاوز حدود الاقليم وبها دلالات لإعادة اختبار موازين الردع الدولية، وهو ما أدى لوجود تقديرات صينية لاحتمال توسيع نطاق استخدام القوة خارج أطر الحرب التقليدية؛ واصفةً التدخل الأمريكي في ضرب المنشآت النووية بأنه يُغذي الفوضى في المنطقة وأن الضربة تهدد أساس النظام الدولي كونها تتجاوز مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية وأن الولايات المتحدة بدأت في التحرك في إطار أحادي بعيداً عن النظام المتعدد الأقطاب.
وماعزز هذه النظرة هي محدودية القنابل المستحدمة في الضربة فالولايات المتحدة حتى عام 2025 لم تنتج سوى 20 قتبلة فقط من هذا الطراز، خاصةً وأن ذلك تزامن مع تحرك أمريكي آخر بإرسال قاذفات الشبح الأمريكية من طراز B-2 إلى قاعدة غوام في المحيط الهادئ، رأته كل من الصين وبيونغ يانغ على أنه تهديداً لهما.
يأتي ذلك في ظل قناعة بكين بعدم القدرة على التنبؤ بسلوك إدارة ترامب ، وضرورة تعزيز استعدادتها الاستراتيجية في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي في ظل النزاع والخلاف بين الجانبين .
أما بخصوص الضربة رأت بكين أن الضربات الأمريكية لم تكن كافية لتدمير منشآت طهران النووية ولكنها أضرت بالبنية التحتية النووية وسلطت الضوء على أهمية القاذفات الاستراتيجية كأداة رئيسية للردع، وأن القاذفات تظل أداة لا غنى عنها حتى في ظل تطور خيارات الضربات بعيدة المدى، لما توفره من قدرة على تنفيذ ضربات نووية سريعة وذات كفاءة عالية، وهو الدافع لاستمرار بكين في تطوير قاذفات الشبح الصينية “إتش-20” (H-20) كجزء من جهودها لتعزيز قدراتها في الردع.
أما على الصعيد الأوروبي ، فلم تكن أوروبا ذات فعالية كبيرة في فرض رؤاها ومواقفها خلال الحرب رغم محاولات القوى الرئيسية في أوروبا (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) “الترويكا الأوروبية” إيجاد مكان لها في هذه المواجهة، خاصة وأن العلاقات الأمريكية الأوروبية تشهد تراجعًا في عهد الرئيس ترامب.
هذا التراجع وعدم الاتساق في المواقف كان دافعًا للرئيس الفرنسي لإجراء اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي بوتين مطالباً روسيا بلعب دور في إقناع طهران بالعودة للمفاوضات، إلا أن ترامب رفض هذا الدور بينما دعمه وزير خارجيته، وأكد ترامب أن الإيرانيون يريدون الحديث مع الأمريكيين وليس مع الأوروبيين؛ بل إن الولايات المتحدة لم تحترم الدور الأوروبي ورغم المفاوضات المنعقدة بجنيف للتهدئة بين طهران وتل أبيب تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً.
والواقع أن الولايات المتحدة تتهج نهجًا مختلفاً في التعامل مع الأطراف الأوروبية الثلاثة؛ مابين هجوم ترامب على الرئيس الفرنسي بعد قمة مجموعة السبع وعدم إعلامها بعمليتها ” مطرقة منتصف الليل”. كان بريطانيا قد أًحيطت علماً قبل القصف الأمريكي وجرى إعلام ألمانيا بعد الضربة.
وبينما حاولت فرنسا التنسيق مع روسيا من جهة والتأكيد من جهة أخرى على رفضها حصول إيران على سلاح نووي، مع إدانة الضربات الأمريكية والتأكيد على أهمية العودة للمفاوضات والدبلوماسية .
أكدت بريطانيا أنها لم تشارك في الضربات العسكرية على إيران – رغم وجود بعض الدعوات من داخل حزب المحافظين للمشاركة في الضربة الأمريكية على طهران- إلا أنها أعلنت ضمناً موافقتها على العملية.
أما على الصعيد الألماني، فالارتباك سيد الموقف إزاء كل مايتعلق بقضايا الشرق الأوسط وإسرائيل، محكوماً بعقدة التاريخ الألماني الثقيل تجاه اليهود وذكريات الحرب العالمية الثانية، مما دفعها لتبرير العدوان الإسرائيلي على طهران، وإن شعرت بخيبة الأمل من عدم إبلاغها بالضربة الأمريكية مسبقاً.
أما باكستان فرغم أنها أعلنت عدد من التصريحات القوية في بداية العدوان ،حين صرح وزير الدفاع “إن إسرائيل استهدفت إيران واليمن وفلسطين، وإذا لم تتحد الدول الإسلامية في الوقت الراهن فيما بينها، فإنها ستواجه المصير نفسه”، موكدًا وقوف بلاده إلى جانب إيران في كافة المنظمات الدولية. إلا أنه عاد ونفى تقديم أي دعم عسكري لطهران أو حتى التلويح باستخدام النووي ضد إسرائيل حتى لو استخدمته الأخيرة ضد طهران، خاصة وأنها لاتريد خسارة الجهود المذولة لترميم علاقتها مع الولايات المتحدة في ضوء الدور الذي لعبته في تهدئة الصراع الأخير مع الهند مما دفع باكستان لترشيح ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام.
فضلاً عن ضرورة الانتباه إلى أنه رغم الحدود المشتركة بين باكستان وطهران إلا أن العلاقات بينهما عادة مايشوبها التوتر بسبب وجود اتهامات متبادلة بوجود مهربين ونشاطات للجماعات الارهابية على الحدود ، وعليه فإن باكستان لن تخاطر يإرضاء طهران خاصة وأنه يُهمها كثيراً الحفاظ على علاقاتها بدول الخليج.
أما على صعيد دول الخليج فرداً على الضربات الأمريكية وجهت طهران ضربة لقاعدة العديد الجوية في قطر، وهي القاعدة الأمريكية الأكبر في المنطقة، إلا أن تلك الضربة لم توثر خاصة وأنه تم إخلاء القاعدة فضلاً عن إخطار طهران للدوحة وواشنطن بالضربة قبل وقوعها. ورغم إدانة دول الخليج وقطر للضربة أكدت طهران مراراً وتكراراً أنها لاتريد إلحاق أية أضرار بقطر “الصديقة والشقيقة” كما وصفتها.
أما على صعيد الحرب فمنذ البداية رفضت دول الخليج العدوان الإسرائيلي، وأكدت على أنها داعمة للسلام والاستقرار في المنطقة وحاولت إعادة إحياء المفاوضات الأمريكية الإيرانية حول الملف النووي.
يُذكر أن العداء التاريخي بين طهران والرياض قد خفت حدته عندما تم توقيع اتفاقية سعودية إيرانية برعاية صينية في العاصمة بكين في 10 مارس 2023 تم بمقتضاها تفعيل التعاون في مجالات” الأمن، الاقتصاد، التجارة، العلوم، الثقافة، والرياضة”.
وهذه التحركات الدبلوماسية لم تفتصر على المملكة وحدها بل شملت الامارات والبحرين حيث كانت التحركات بهدف تطبيع العلاقات مع طهران والتمسك بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. لذا فإن الأزمة الراهنة جاءت وسط حدوث تغيير جذري في الموقف الخليجي تجاه إيران، حيث لم تعد إيران دولة عدوة أو مصدر تهديد فعلي.
ومن هذا المنطلق برز الموقف الخليجي الموحد تجاه المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية العسكرية الراهنة. فجميع دول مجلس التعاون، والأمانة العامة للمجلس، أعلنت رسميًا رفضها القاطع للعدوان الإسرائيلي على سيادة وأراضي إيران، وسعت لتحقيق وقف إطلاق النار، والعودة إلى المسار التفاوضي الذي كان قائمًا برعاية خليجية، وأعلنت جميع دول الخليج منذ بداية الأزمة أنها لن تكون طرفًا في أي صراع مسلح، بشكل مباشر أو غير مباشر.
الموقف المصري من الأزمة:
تمثل الموقف المصري في رفض الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد إيران رفضاً قاطعًا لا لبس فيه، وحذّر كلٌّ من الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية بدر عبد العاطي، في اتصالات دبلوماسية أجرياها، من اتساع نطاق الصراع الذي يمكن أن يخرج عن السيطرة ويتطور إلى كارثة إقليمية. وحثّ كل المسؤولين على الوقف الفوري للعنف زالدعوة إلى حل النزاعات بالوسائل السلمية وعبر المفاوضات.
يُذكر أن مصر منذ عامين وهي تحاول بناء علاقات استراتيجية ودبلوماسية مع إيران رغم الخلاف الأيديولوجي والسياسي بينهما إزاء العديد من قضايا المنطقة، وهي خلافات ما زالت قائمة، منذ اندلاع الثورة الإيرانية في إيران عام 1979، وتعزز الخلاف بسبب معارضة إيران معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية في العام ذاته. ولطالما كان دعمها لجهاتٍ فاعلة غير حكومية، مثل “حزب الله” والحوثيين و”حماس”، وتراها مصر عوامل مزعزعة للاستقرار الإقليمي موضع خلاف رئيسي، ناهيك عن شعور القاهرة بالاستياء العميق لدور إيران في تدمير سوريا والعراق.
وفي ظل مساعي التقارب بين الجانبين، كانت إيران قد أعلنت قبل اندلاع الأزمة عن نيتها تغيير اسم أحد شوارع شمال العاصمة، الذي كان يحمل اسم قاتل الرئيس المصري الراحل أنور السادات – خالد الاسلامبولي – إلى حسن نصر الله، في خطوة رمزية لمعالجة أحد أبرز أسباب التوتر بين البلدين.
ومع تزايد الخلاف بين الإدارة الأمريكية والقاهرة ولاستعادة وضع سياسي أكثر قوة في الاقليم، حاولت القاهرة لعب دور في الملف النووي الإيراني من خلال استضافة لقاءات جمعت بين الوزير عراقجي ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في محاولة لتخفيف التوتر بشأن الملف النووي الإيراني. كما عرضت لعب دور الوسيط في الخلاف القائم حول البرنامج النووي، من دون أن تتجاوز، وبحذر محسوب، الدور التقليدي الذي تضطلع به سلطنة عُمان في هذا المجال.
الواقع أن موقع مصر المحوري والاستراتيجي جعلها أكثر عرضة للتأثيرات الجيوسياسية حولها ولأية أحداث في الاقليم، والواقع أن الآثارالناجمة عن هذه الأزمة منها ماسيكون على المدى القصير وأخرى على المديين المتوسط والطويل.
فعلى الصعيد الاقتصادي- وكسائر دول العالم – فقد تعاني مصر من ارتفاع معدلات التضخم وتراجع معدل السياحة كمصدر هام للنقد الجنبي داخل البلاد، في الوقت الذي تحاول فيه مصر الحفاظ على انتعاش القطاع الذي وصل إلى 15.3 مليار دولار عام 2024 ، بالإضافة إلى المخاوف من تأثر الملاحة في قناة السويس التي عانت على مدار عامين من تراجع تدفق السفن للنصف بغد هجمات الحوثيين، ولكنها بدأت تستعيد عافيتها بعد الهدنة الموقعة بين الحوثيين وواشنطن ـ الا أن الصراع الحالي وتجدد الاشتباك بين الحوثيين وإسرائيل قد يهدد المجرى الملاحي من جديد.
وبسبب ارتفاع أسعار الطاقة العالمي، فقد يتسع عجز الموازنة العامة إذا ما ارتفعت فوق سعر 82 دولاراً للبرميل، مما يعني التأثير على المبالغ المخصصة للخدمات والخطط التنموية.
وفي حال تجدد الأزمة فقد تتأثر شحنات الغاز القطرية لمصر وسط توقف إمدادت الغاز الإسرائيلية منذ حرب غزة مما قد يهدد بشح واردات الغاز. وفي حال استمرار تلك الأزمات أو تجددها فقد يعني ذلك ارتفاع معدلات الفقر التي وصلت اليوم لنحو 36% .
خامساً: تداعيات الحرب
-الواقع أن هذا الصراع قد أعاد رسم موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، وأطلق يد إسرائيل في الإقليم لمواجهة أي نفوذ او أية قوى ترى إسرائيل أنها تواجه أجندتها ومخططاتها، وهو ماقد ينذر بمواجهات مستقبلية أخرى في المنطقة مع قواها الإقليمية كتركيا ومصر.
خاصة وأن قوى المنطقة تنظر بعدم الارتياح لإسرائيل وتصرفاتها، في ظل محاولات الأخيرة محاصرة تلك القوى وانتهاج كافة السبل التي من شأنها زعزعة الاستقرار في المنطقة ومحاولة فرض رؤاها ولو كان بالقوة .
وهو ماقد يدفع للتساؤل هل تتحرك القوى الكبرى والحليفة لاسرائيل لتحجيم هذا التهور السياسي الذي قد يفضي بالمنطقة لنتائج لاتحمد عقباها؟.
بل إن ما فعلته إسرائيل من اغتيال للقيادات العسكرية الإيرانية والاختراق الاستخباراتي داخل طهران يدعو دول المنطقة للتحرك ومعالجة أي نقاط ضعف من شأنها أن تستغلها تل أبيب .
-أما على صعيد غزة المنكوبة، فقد تسبب الصراع الأخير في وقوع المزيد من الهجمات العنيفة عليها فبمبادرة من الطيارين الإسرائيلين، الذين قادوا طائرات للاستطلاع لاعتراض صواريخ ومسيرات في الحرب مع إيران، قاموا بتزويد طائراتهم بصواريخ أرض- جو وكان على كل طائرة تنفيذ مهمة استطلاع لفترة زمنية محددة مسبقاً، وفي نهاية المهمة، كان الطيارون يتوجهون إلى منطقة القتال في غزة بعدما اقترحوا إسقاط فائض الذخيرة المتبقي على أهداف في غزة لمساعدة القوات البرية التي كانت تُجري مناورات في شمال قطاع غزة ومنطقة خان يونس، وبعدما قوبل الاقتراح بترحيب من القيادة العسكرية الإسرائيلية تحولت المبادرة لعملية روتينية مستمرة طيلةالـ12 يوماً.
-وعلى الصعيد الاقتصادي العالمي، فلايمكن التعافل عن أن الصراع قد حدث في واحدة من أهم المناطق وأكثرها حيوية على الصعيد العالمي بما تمتلكه من موارد وممرات مائية هامة، فضلاً عن كونها شريان الحياة للطاقة العالمية حيث يمر جزء كبير من إمدادات النفط والغاز عبر ممرات مائية حيوية مثل مضيق هرمز. وبالتالي، فإن أي تعطيل لهذه الإمدادات، سواء عبر هجمات مباشرة على منشآت النفط، أو تهديدات لحركة الملاحة، سيؤدي حتماً إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط والغاز، وبالفعل ارتفع السعر بنحو9% متجاوزاً سعر البرميل في 5 أشهر ليُسجل نحو 78 دولاراً للبرميل.
لا سيما وأن إيران نفسها تعد لاعباً مهماً في سوق الطاقة العالمية، حيث تنتج نحو 3 % من النفط، و7 % من الغاز على مستوى العالم. وتصدر حوالي 1.5 مليون برميل يوميًا، وتُعد الصين المستورد الرئيسي (80%)، تليها تركيا.وهذا الارتفاع سيتبعه ارتفاع في أسعار السلع الخدمات مما يعني الدخول في موجة تضخمية جديدة وإجراءات من البنوك المركزية العالمية للحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة لفترات أطول لكبح التضخم، وهو مايعني تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
أما على الصعيد التجاري فلايمكن التعافل عن مدى اعتماد سلاسل الإمداد العالمية على الممرات البحرية العامة في المنطقة، خاصة وأن أي اضطراب سيودي لآثار مضاعفة فمثلاً، يُعدّ مضيق هرمز نقطة اختناق حيوية يمر عبرها نحو 20 % من النفط الخام العالمي. وأي تهديد بإغلاق هذا المضيق، أو حتى تهديدات السفن فيه سوف تجبر شركات الشحن على تغيير مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح في إفريقيا. هذا التحويل ليس مجرد تغيير بسيط، بل يعني زيادة هائلة في أوقات الشحن وتكاليفه، مما يؤخر وصول البضائع، ويرفع أسعارها على المستهلك النهائي. كما أن ارتفاع أقساط التأمين على الشحن يزيد من الأعباء المالية على الشركات، مما ينعكس على التكاليف الإجمالية.
كما أن هذه التحويلات تفرض تحديات لوجيستية ضخمة على الموانئ وشبكات التوزيع العالمية، مما قد يؤدي إلى نقص في بعض السلع، وتأخير في تسليم المكونات الأساسية للصناعات، مما يعطل سلاسل الإنتاج العالمية.
وبعد نشوب الصراع ارتفعت أسعار شحن ناقلات النفط من الخليج العربي إلى الصين ارتفعت بنسبة 24 %.
ومن القطاعات المتأثرة كذلك قطاعات الأسواق المالية التي عانت من التقلبات الحادة وانحفاض أسعار الأسهم مما دفع رؤوس الأموال الأجنبية للهروب من المنطقة وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر.
هذه العوامل جميعها قد تدفع بالاقتصاد العالمي لفترت أطول من الركود الاقتصادي خاصة وأنه لايزال يحاول الخروج من الأزمات الخانقة التي بدأت منذ العام 2020. كما ستؤدي تلك الاضطرابات إلى زيادة الانفاق العسكري والدخول في سباق تسلح وهو ماسيؤثر على ميزانيات الدول وعلى خططها التنموية.
كما دفع الصراع شركات الطيران العالمية لاتخاذ إجراءات عاجلة لحماية ركابها وطواقمها بعد إغلاق المجالات الجوية لعدد من دول المنطقة، ممًا أجبرها على تحويل مسارات رحلاتها، أو إلغائها، ما أدى إلى ارتباك كبير للمسافرين، وتأثير مباشر على قطاع السياحة والسفر الذي كان يتعافى بصعوبة. هذا الأمر أدى إلى زيادة التكاليف التشغيلية بسبب المسارات الأطول التي تتطلب زيادة استهلاك الوقود، وهو ما قد ينعكس على أسعار التذاكر، ويضع ضغطاً مالياً إضافياً على الشركات، خاصة تلك التي تعاني أصلاً من تحديات اقتصادية.
المراجع
**10محطات رسمت تاريخ الصراع الإيراني-الإسرائيلي
Israel-Iran: A Fragile Ceasefire and the Shape of Regional Power**
**إسرائيل وإيران.. أبرز محطات المواجهة منذ 2019 حتى 2025
https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1802992
**هل ما يحدث بين إسرائيل وإيران “حرب” فعلاً؟ ومتى نطلق هذه التسمية؟
https://www.bbc.com/arabic/articles/c9q080n99d4o
**بمشاركة ترامب ونجل نتنياهو.. كيف وقعت إيران في “الخدعة الكبرى”؟
https://alqaheranews.net/news/131213
**كل ما تحتاج معرفته بشأن البرنامج النووي الإيراني
https://www.skynewsarabia.com/world/1803128
**What To Know About Iran’s Nuclear Program After Israel’s Strikes
https://time.com/7294133/iran-israel-nuclear-program-attack/
**تقرير: الضربات الأمريكية لم تدمر قدرات إيران النووية
https://arabic.rt.com/world/1686545
**ضبابية حول مصير اليورانيوم الإيراني
https://alriyadh.com/2139686
**داخل إيران.. اختراق استخباراتي إسرائيلي يكشف مفاجآت
https://www.skynewsarabia.com/world/1806715-%
**رسائل مجهولة ومبالغ مغرية..كيف حاولت إيران إختراق إسرائيل؟
https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1807162
**بعد التحذير الروسي.. كشف حالة محطة بوشهر النووية الإيرانية
**الضربة الأميركية في إيران والرسالة تقرأ بالصين
https://www.ajnet.me/politics/2025/7/1/%
**التموضع الأوروبي الحذر إزاء حرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل
https://www.majalla.com/node/326339/%
**الأدوار والمواقف العالمية من الحرب الإسرائيلية–الإيرانية: الدلالات والآفاق
**حرب لا تريدها دول الخليج ولا تؤيدها
https://www.ajnet.me/opinions/2025/6/19
**كيف يهدّد الصراع الإسرائيلي – الإيراني الاقتصاد العالمي؟
Airspace, Oil Prices, All-Out War: 5 Major Impacts Of Iran-Israel Conflict
**خلال حرب إيران.. “مبادرة إسرائيلية” حولت غزة لجحيم




