شهدت ظاهرة الإرهاب، في السنوات الأخير انتشاراً دولياً واسعاً، وحظيت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب أسيا بالنصيب الأكبر من العمليات الإرهابية السوداء. ووفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي فقد بلغت الخسائر الاقتصادية للإرهاب عام 2014م 52.9 مليار دولار، بينما بلغت تكلفة الحروب والإرهاب معاً حوالي 13.6 تريليون دولار عام 2015م.
ولعل هذا ما دفع الدولة المصرية إلى الاهتمام بالأمن الفكري باعتباره ركيزة أساسية لتأمين الدولة والمجتمع ضد الإرهاب ومسبباته الداخلية والخارجية، وتهيئة الظروف المناسبة اقتصادياً واجتماعياً لتحقيق الأهداف والغايات لخطة التنمية المستدامة 2030م. إذ أن الأمن الفكري يضمن تنقية عقول الشباب من الفكر المتطرف ويحصن الشباب ضد كافة عمليات الاستقطاب والتجنيد والعمالة للعدو، كما يحصنهم ضد كل ما قد يُشكل خطراً على نظام الدولة وأمنها. ويجيش قدراتهم وعزائمهم لتحقيق التنمية والاستقرار.
ومما يزيد الأمر خطورة تزايد ما يُسمى بـــ “حروب الجيل الرابع”، والتي يُعد الإرهاب الفكري أول أدواتها . والتي تجعل من الأهمية بمكان الإنفاق على الخطط والإجراءات التي تتخذها الدولة لتحقيق الأمن الفكري ومكافحة الإرهاب، خاصة لفئة الشباب نظراً لأن هذه الفئة تحديداً تمثل أرضا ً خصباً لبناء الفكر والمعتقد .
ولا يمكن بحال تناول مفهوم الأمن الفكري أو التفكير في وضع استراتيجية قومية او خطة عمل أو حتى نشاط دون الاتفاق على المفاهيم المتعلقة بالإرهاب والأمن الفكري.. فكما قال الفيلسوف الفرنسي ” فولتير ” : إذا أردت أن تتحدث معي فعليك بتحديد مصطلحاتك. ولعل هذا ما يدعونا إلى مناقشة ستة مفاهيم أساسية نراها لازمة وضرورية عند التفكير في العمل في مجال مكافحة التطرف وإرهاب والفكر التكفيري. والتي سوف نعرضها فيما يلي:
اولاً- التعصب: هو اتجاه سلبى يتبناه أعضاء جماعة معينة مستمد من معاييرها القائمة، ويوجه نحو جماعة أخرى. وتعتبر الاتجاهات التعصبية بمثابة ميل انفعالي ربما يؤدى بصاحبه إلى أن يفكر ويدرك ويسلك طرقا وأساليباً تتفق مع حكم بالتفضيل، وفى الغالب بعدم التفضيل بشخص أخر أو جماعة خارجية، أو موضوع يتصل بجماعة أخرى, ويحدث هذا الحكم مسبقاً؛ لوجود دليل منطقي مناسب، أو دون أي دليل وهو غير قابل للتغير بسهولة بعد توافر الدلائل العارضة التي تشير إلى عدم صحته؛ لأنه ينطوي على نسق من القوالب النمطية, وإذا وصل التعصب إلى درجة معينة من الحدة يصبح عاملاً من عوامل الفوضى والانفلات وتقويض وحدة المجتمع ويهدد كيانه, كما تحدث الاتجاهات التعصبية نتيجة للانحراف عن كل من العقلانية والعدالة والمشاعر الإنسانية الرقيقة، وهذه المعايير الثلاثة تتضمن نسق قيم الأفراد ويسهل الاحتكام إليها عند التعبير عن مختلف الجوانب السياسية والدينية والتربوية.
ثانياً- الجمود: ويشير إلى المقاومة الكلية للإنسان لتغيير معتقداته، كما يشير إلى مجموعة المظاهر السلوكية والمعرفية المتعلقة بالأفكار والمعتقدات المنتظمة في نسق ذهني مغلق نسبياً، ومن أهم خصائصه أنه طريقة منغلقة على التفكير، ترتبط بأي أيديولوجية بصرف النظر عن مضمونها، ونظرة تسلطية في الحياة، وعدم تحمل الأشخاص الذين يختلفون أو يعارضون المعتقدات الخاصة بأصحابها وتسامح الأشخاص الذين يعتقدون معتقدات متشابهة.
ويتسم الشخص الجامد بأنه متمسك وملتزم ومعتنق أو يدافع عن بعض الأنساق العامة أو الفرعية من المعتقدات في الدين أو السياسة العامة أو العلم. أي أن مرجع سلوكه هو النسق الكلى للأفكار أكثر منه فكرة واحدة، ويقال عنه أنه شخص جامد الذهن أو منغلق ذهنياً.
ثالثاً- التصلب: ونعنى بالتصلب العجز النسبي عن تغيير الشخص لسلوكه أو اتجاهه، وعندما تتطلب الظروف الموضوعية ذلك، والتمسك بطرائق غير ملائمة للسلوك والشعور، ويمثل مقاومة اللجوء إلى أنواع جديدة من الاستجابات التكيفية، ويشير التصلب إلى مقاومة التغير لمعتقد فردى أو مجموعة من المعتقدات أو العادات أو إلى وجود بعض الميول القهرية أو الوسواسية النوعية داخل الفرد.
رابعاً- الفكر التكفيري: تتوقف معرفة حقيقة التكفير على معرفة معنى الكفر. يشير الكفر لغة: (الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد وهو الستر والتغطية). وعند ابن منظور: الكفر لغة مأخوذ من الستر والتغطية، تقول العرب: كفر درعه بالثوب أي ستره، ويقال للزارع كافر، لأنه يستر البذر– في التراب – عند حرثه، ويسمى الليل كافرا لستره ما يكون فيه، كما يقال للبحر كافر، لأنه إذا طمى غطى بعض أجزاء اليابسة، والكفر – أيضا – ضد الإيمان.
ويعتبر التكفير منهجاً و مذهباً و اتجاهاً لازم ظهور الإسلام و كان يقوى و يضعف تبعا لتطورات الأحداث في جغرافيا الإسلام. رغم أن مجهودات كبيرة بذلت في التاريخ الإسلامي من أجل نزع الفتيل فتاوى القتل. و”الفكر التكفيري” هو الفكر الذي يسمح لصاحبه الـمسلـم بـ “تكفير” مسلـم، استناداً إلى نصوص، أو اجتهادات، أو تفسيرات وتأويلات، دينية (إسلامية). على أنَّ مكمن الخطر الأعظم ليس هُنا، وإنَّما في ما يترتَّب على “التكفير” مِنْ عواقب وتبعات، فـ “التكفير” يستلزم “العقاب الأرضي البشري” قَبْلَ “العقاب السماوي الإلهي”. إنَّه، بحسب منطق “الـمُكَفِّرين”، يقود ويجب أنْ يقود إلى عقاب “الـمُكَفَّر”. و”القَتْل” هوعادة، “العقاب”. ومن ثم فإن مصطلح ” تكفيري ” بات يطلق على كل مسلم يتهم مسلمًا آخر بالردة.
وحُجَج “التكفير” وحيثياته يمكن أنْ تُفضي، بفضل اتِّساعها وغزارتها وتنوعها، إلى حرب قَتْلٍ وتدمير وحشية إجرامية تخوضها قِلَّة قليلة مِنَ “الـمسلـمين الـمُكَفِّرين” ضد الغالبية العظمى مِنَ “الـمسلـمين الـمُكَفَّرين”. وعادة ما يُكفر التكفيريون كل من أرتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب عنها ، وكذلك يكفرون – حسب أكارهم وقناعاتهم المتطرفة – الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل ، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل ، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك ، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم ولم يقبله، أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم . أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد يحل قتله.
وبناءً على ما تقدم فإن “التجريم” يجب أنْ يكون أوسع وأشمل، فالاختلاف الديني، أو العقائدي والفكري، يجب ألا يكون سبباً للقَتْل والاضطهاد والإيذاء (الجسدي وغير الجسدي) ولغير ذلك مِنْ جرائم الاعتداء على حقِّ الإنسان في الاختلاف، عقيدةً وفكراً، وفي إظهار هذا الاختلاف والتعبير عنه، وفي الدعوة إليه، مع نَبْذ كل أساليب العنف والإكراه.
خامساً-التطرف: ويشير التطرف إلى ارتفاع مستوى التوتر لدى الفرد أو الجماعة نتيجة للشعور بعدم الطمأنينة؛ مما يؤدى إلى التوتر وعدم تحمل الغموض الذى يؤدى في النهاية إلى تطرف الاستجابة. ويعنى التطرف بمعناه العام” مجاوزة حد الاعتدال بالغلو والتشدد في أي شيء أو فكرة أو رأى أو معتقد. وقد يكون التطرف نسيج فكر معين أو خليط معتقد معين أو اتجاه جماعة خاصة. فإذا بمعتنق الفكر مُغالياً وصاحب المعتقد متشدداً و عضو الجماعة متطرفاً. ولا يمكن أن يتخلى أحدهم عن مغالاته أو تشدده أو تطرفه إلا إذا نوقش بحرية، وتم مجادلة المعتقد بالتي هي أحسن، وقد يكون التطرف عملاً فردياً عفوياً، أو تطرفه عصبة عشوائية.. وربما يكون رد فعل بعض من الناس على بعض الأوضاع والظروف.
ويعتبر التطرف محاولة للهروب من الواقع غير المقنع للإنسان الذى يفقد التكيف مع المجتمع، وقد يكون العامل وراء ذلك هو اضطراب الشخصية، وقد يرجع ذلك إلى خلل في تقبل المجتمع للفرد أو عدم إشباع احتياجاته, وإذا اعتبرنا التطرف نتاجاً فكرياً فأنه من المنطق أن يكون له أبعاداً سلبية وإيجابية, ويعد البعد السلبي للتطرف ظاهرة مرضية اجتماعية، وتعمل على تدمير المجتمعات، لما ينجم عنه من أثار تخريبية، أخطرها التطرف الديني تجاه النظم السياسية, وتحقق ظاهرة التطرف وجودها وتأثيرها إذا كانت القضية التي يناضل من أجلها المتطرف تعيش في وجدان الأمة، وهى ظاهرة تشير إلى عدم الاستقرار الفردي أو الجماعي، وهى مقياس لمدى توتر الشخصية في البيئة الاجتماعية, وتشير كذلك إلى وجود ثمة خلل قائم فى منظومة القيم التربوية فى المجتمع.
سادساً- الإرهاب: لغة من ” رهاب” وهو اسم مصدر أَرْهَبَ مجموع أعمال العنف التي تقوم بها منظّمة أو أفراد قصد الإخلال بأمن الدَّولة وتحقيق أهداف سياسيَّة أو خاصَّة أو محاولة قلب نظام الحكم..ويشير قاموس ويبستر إلى الإرهاب Terrorism بأنه: الاستخدام المنهجي للإرهاب، خاصة كوسيلة للإكراه، وقاموس أكسفورد يُعرفه، بأنه: الاستخدام غير القانوني للعنف والترهيب، وخاصة ضد المدنيين، في السعي لتحقيق أهداف سياسية، وهو “العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان أو دينه ودمه وعمله وعقله وماله وعرضه، ويشمل صنوف التخويف، والأذى و التهديد والقتل بغير حق، وإخافة السبيل وقطع الطريق، وكل أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذ المشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس وترويعهم بإيذائهم وتعريض حياتهم وحريتهم وأمنهم وأحوالهم للخطر .



