أوراق بحثية

قانون الإيجار القديم

مقدمة:

بعد حالة من الخشية والترقب والتردد والعزوف أحيانا عن مناقشته، أو تأجيل النقاش فيه من حكومة الى اخرى، وافق مجلس النواب على قانون الإيجار القديم 2025 الذى دفعت به حكومة الدكتور مصطفى مدبولى الى البرلمان، وسط آمال بالتوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة، لمشكلة بدأت منذ عشرات السنين، ومخاوف من أزمات جديدة قد يتسبب بها القانون.

وينص القانون على إلغاء العقود القائمة بعد فترة انتقالية مدتها 7 سنوات للوحدات السكنية، و5 سنوات للوحدات التجارية والمكتبية، مع تطبيق زيادات تدريجية في القيمة الإيجارية وفق تصنيف العقارات إلى ثلاث فئات: متميزة، ومتوسطة، واقتصادية، بحد أدنى شهري قدره 1000 جنيه، و400 جنيه، و250 جنيهاً على الترتيب.

وتلتزم الحكومة، بموجب القانون، بتشكيل لجان خلال 6 أشهر لحصر وتصنيف العقارات، كما تقر زيادة سنوية بنسبة 15% على كافة العقود خلال الفترة الانتقالية. وتُجيز مواد القانون إخلاء الوحدات في حالات محددة، كالوحدات المغلقة لأكثر من عام، أو في حال امتلاك المستأجر لوحدة صالحة للاستخدام بذات الغرض.

أما العقارات التجارية والمكتبية والطبية فيكون إيجارها الجديد خمسة أمثال القيمة الحالية.

وقد أثار إقرار البرلمان لهذا القانون موجة كبيرة من الجدل المجتمعي، خاصةً في ظل التباين الحاد في المصالح بين الملاك والمستأجرين. حيث جاء القانون بعد عقود من المطالبات بتحرير العلاقة الإيجارية التي رُسخت بموجب قوانين استثنائية منذ أربعينيات القرن الماضي، مما أدى إلى أوضاع اعتبرها كثيرون مجحفة لحقوق المالك من جهة، وضمانًا اجتماعياً للمستأجرين محدودي الدخل من جهة أخرى.

وانطلاقا من الاهمية الكبرى لهذا القانون ،باعتباره واحدا من القوانين ذات البعد الانسانى والاجتماعى والاقتصادى، ينشر المنتدى الاستراتيجى للسياسات العامة ودراسات التنمية “دراية ” ورقة بحثية  شاملة وجامعة حول قانون الايجار القديم وتاريخة وأبعاده الاجتماعية والاقتصادية، و الأهداف الحقيقية التى دفعت الدولة الى التدخل بقوة عبر هذا التشريع، لتحرير العلاقة بين المالك والمستاجر، وانعكاس هذا الامر على الثروة العقارية فى مصر، وعلى  مشروعات الدولة فى مجال الاسكان والتنمية العمرانية والتطوير، وكذلك انعكاس هذا القانون على اسعار الشقق والايجارات، وعلى التضخم الاقتصادى الناشئ عن اقرار هذا القانون وتطبيقه فى مدة زمنية أقصاها 7 سنوات قادمة، وكذلك نبحث عن الاليات اللازمة لتطبيق هذا القانون، وخطط الدولة للتعامل مع ما يمكن ان ينتج عنه من مأساة اجتماعية وإنسانية، ناتجة عن طرد المستاجر بعد سبع سنوات وهى مدة انتهاء تلك العقود وفقا للتشريع الجديد، وهل الدولة قادرة على توفير سكن بديل لملايين تلك الاسر بسعر مناسب، يتماشى مع وضعية غالبية هؤلاء خاصة من كبار السن ومن الفقراء منهم،

وقد خلصت الورقة البحثية الى الاستنتاجات الاتية:- 

1- أن القانون تجاهل مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يجب أن يحكم التشريعات المرتبطة بالسكن والحق في المسكن .

2- المشكلة لا تكمن فقط في القوانين، بل في ضعف التخطيط العمراني والخلل في توزيع الثروة العقارية .

3- الدولة لم تحلّ أزمة السكن فعليًا حتى بعد تطبيق القانون المدني على العلاقات الإيجارية الجديدة منذ عام 1996.

4- القانون يُحمّل الدولة عبء توفير ملايين الوحدات السكنية البديلة فى مدة زمنية قصيرة.

5- القانون الجديد يفتقر إلى أدوات دقيقة لرصد الفئات المستحقة للدعم، ولتصنيف العقارات حسب حالتها ووضعها القانوني والاجتماعي، ما يهدد بتحوُّل القانون من محاولة تنظيم إلى مدخل لأزمة اجتماعية أوسع.

6- القانون يحرّر مئات الآلاف من الوحدات المجمّدة لكنه سوف يترك مأساة اجتماعية تقترب من ان تكون قنبلة موقوتة.

7- زيادة الإيجارات المرتقبة قد تعزّز احتمالات ارتفاع التضخّم وما يتركه من أثر على الاقتصاد والناس .

8- كذلك يرى المنتدى الاستراتيجى للسياسات العامة ودراسات التنمية أن القانون، لكي يكون عادلًا، لا بد أن يرتكز على قاعدة معلومات دقيقة.

9- وأن التطبيق العادل والسليم للقانون لابد وان يُدمَج في إطار إصلاح عمراني واجتماعي شامل، وليس فقط كأداة لتسوية العلاقة بين طرفين على الورق.

كما خلصت ورقة البحث  الى عدد من التوصيات اهمها:-

1- كان من الأجدى الاكتفاء فى المرحلة الحالية بمعالجة أثر الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا، أى زيادة القيمة الايجارية فقط بزيادة تستند الى مؤشرات ومرجعيات حقيقة وتأجيل اى افكار اخرى مثل الفترة الانتقالية الى البرلمان القادم.

2- اما وان القانون قد صدر فإنه يتوجب على الحكومة وصانع القرار  توفير بدائل سكنية آمنة للمستأجرين المتضررين بأسعار مناسبة لاوضاعهم الاجتماعية.

3- كذلك العمل على إطلاق مشروعات إسكان اجتماعي خاصة لكبار السن وذوي الدخل المحدود المتأثرين بتحرير العلاقة الإيجارية.

4- كذلك تخصيص دعم جزئي للإيجار الانتقالي في السنوات الأولى بعد تطبيق القانون.

5-وضع خريطة زمنية واضحة لتطبيق القانون من خلال تحديد فترات انتقالية عادلة (مثلاً 3–5 سنوات) تتيح للطرفين التكيف التدريجي.

6- نشر جداول زمنية عبر وسائل الإعلام لتوعية المواطنين بالحقوق والواجبات.

7- إنشاء لجان لحل النزاعات العقارية وتشكيل لجان محلية سريعة التحرك لحل المنازعات بين الملاك والمستأجرين دون اللجوء للمحاكم.

8- إتاحة قروض ميسّرة أو إعفاءات ضريبية لصغار الملاك لترميم العقارات وصيانتها بعد زيادة العوائد.

9- تحديث قواعد البيانات العقارية و بناء قاعدة بيانات دقيقة للملاك والمستأجرين، لتوجيه الدعم أو المعالجة بشكل عادل ومنهجي.

10- إطلاق حملات توعية إعلامية توضيح بنود القانون بلغة بسيطة للمواطنين عبر التلفزيون ومنصات التواصل، وذلك من أجل تصحيح المفاهيم المغلوطة حول “طرد المستأجرين” و”جشع الملاك.

……………….

 أولا: تطور التشريعات المنظمة للإيجار القديم منذ بداياتها وحتى اليوم

تُعد قضية الإيجار القديم في مصر من أكثر القضايا العقارية والاجتماعية تعقيدًا، نتيجة تراكمات تشريعية وتدخلات استثنائية بدأت منذ أوائل القرن العشرين. فقد أقر هذا النظام ووفّر سكنًا مستقرًا لملايين المواطنين، خاصة من محدودي الدخل، لكنه في المقابل ومع مرور سنوات طويلة وتثبيت الاجرة  أثار جدلًا واسعًا بسبب ما نتج عنه من تجميد للاستثمار العقاري ونزاعات بين الملاك والمستأجرين.

وقد مرت العلاقة بين المالك والمستأجر بمحطات متعددة وفصول مثيرة منذ عام مرحلة ما قبل ثورة يوليو 1952 وحتى اقرار هذا القانون فى يوليو 2025 الذى يحرر العلاقة بين المالك والمستأجر وجاءت كالتالى :-

البدايات:

1- الملكية (قبل 1952): كانت العلاقة بين المالك والمستأجر خاضعة للعرض والطلب، ولم يكن هناك تدخل حكومي كبير في تحديد قيم الإيجارات. إلا أن بعض القوانين التنظيمية ظهرت، خاصة في المدن الكبرى، بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، نتيجة ندرة المساكن وارتفاع أسعار الإيجارات.

2- ما بعد ثورة 1952:

مع قيام ثورة يوليو 1952، واتباع الدولة لسياسات اشتراكية، سعت السلطة الجديدة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سكن لذوي الدخل المحدود.

صدر قانون الإيجارات رقم 121 لسنة 1947، والذي كان من أوائل القوانين التي وضعت قيودًا على المالك، من خلال تثبيت القيمة الإيجارية ومنع الإخلاء التعسفي للمستأجر.

3- التشدد في العقود الإيجارية:

خلال فترات الستينيات والسبعينيات، ومع تزايد أزمة الإسكان، تم تجميد القيمة الإيجارية للوحدات السكنية القديمة، بحيث أصبحت الإيجارات رمزية مقارنة بقيمة العقار الحقيقية.

وسمح القانون بامتداد العلاقة الإيجارية مدى الحياة، بل وامتدادها للورثة من الدرجة الأولى بعد وفاة المستأجر الأصلي.

4- آثار القانون:

أدى هذا النظام إلى خلل كبير في سوق العقارات، حيث امتنع كثير من الملاك عن تأجير الوحدات أو صيانتها.

كما أن بعض المستأجرين حصلوا على مزايا غير عادلة، حيث استمروا في سكن وحدات في مناطق راقية بإيجارات زهيدة، رغم تحسن أوضاعهم الاقتصادية.

5- بداية التغيير:

في عام 1996، صدر قانون الإيجار الجديد رقم 4 لسنة 1996، والذي أنهى العمل بالنظام القديم للعقود الجديدة فقط، مع الإبقاء على العقود السابقة كما هي.

أي أن العقود بعد هذا التاريخ أصبحت محددة المدة وبقيمة إيجارية متغيرة تخضع لاتفاق الطرفين.

6- محاولات الإصلاح:

مع تصاعد الجدل حول القانون، بدأت الدعوات لإعادة النظر في الإيجار القديم، خاصة في ظل مطالبة الملاك بحقوقهم واستغلال العقارات بشكل أفضل.

وفي السنوات الأخيرة، بدأ البرلمان يناقش تعديلات جزئية، مثل تلك المتعلقة بالأماكن المؤجرة لغير غرض السكن (الأنشطة التجارية والمهنية)، وجرى تعديل قانون الإيجار القديم لغير السكن في 2019، بإعطاء مهلة 5 سنوات لتحرير العلاقة الإيجارية

إلى أن انتهى المطاف بإقرار مجلس النواب لقانون الايجار القديم والذى من شأنه تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر فى مدة زمنية أقصاها سبع سنوات

ثانيا: حجم الوحدات الخاضعة لقانون الإيجار القديم وعدد الأسر المستفيدة، ونسب الإيجار 

1- عدد الوحدات والأسر المستفيدة

إجمالي الوحدات الخاضعة للإيجار القديم (بما يشمل السكني وغير السكني) بلغ نحو 3,019,662 وحدة حسب تعداد 2017، وهو ما يعادل حوالي 7% من إجمالي الوحدات (وعددها 42.9 مليون وحدة)، من ضمنها 1,879,746 وحدة سكنية  .

يتركز 69% من هذه الوحدات في أربع محافظات:

القاهرة: 1,099,426

الجيزة: 562,135

الإسكندرية: 269,403

القليوبية: 150,961  .

عدد الأسر المستفيدة من الإيجار القديم يقارب 1,642,870 أسرة (أي نحو 6.5 ملايين فرد)، يمثلون 7% من إجمالي الأسر (23.45 مليون أسرة)  .

2- توزعها:

القاهرة: 670,857 أسرة

الجيزة: 308,091

الإسكندرية: 213,147

القليوبية: 150,961  .

تشكّل هذه الأربع محافظات نحو 82% من إجمالي الأسر المستفيدة وباقي النسب موزعة بارقام متفاوتة على باقى محافظات الجمهورية.

3- نسب الايجار

إيجار الوحدات السكنية والتجارية في ظل قانون الإيجار القديم (قبل الزيادة):

1. الوحدات السكنية:

-الإيجار الشهري لوحدة سكنية مساحتها 70 – 100 متر في أحياء شعبية أو وسط القاهرة (مثل شبرا، السيدة زينب، مصر القديمة…):

يتراوح من 5 إلى 30 جنيهًا شهريًا.

وفي بعض الحالات داخل القاهرة والجيزة، كانت القيمة أقل من 10 جنيهات شهريًا، خاصة للعقود القديمة الموقعة في الستينيات والسبعينيات. و توجد حالات كان الإيجار الشهري فيها لا يزيد عن 3 جنيهات.

2. الوحدات التجارية والإدارية (محلات ومكاتب):

كثير من المحال التجارية المستأجرة بنظام الإيجار القديم كانت تدفع من 20 إلى 200 جنيه شهريًا.

بعض المحلات الكبيرة في مناطق حيوية مثل وسط البلد تدفع أقل من 1% من القيمة السوقية الفعلية لإيجار مماثل في النظام الحديث (أي الجديد).

ثالثا: الآثار الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن ثبات الايجار فى قانون الايجار القديم على المالك والمستأجر:

أ‌- بالنسبة للمستأجر 

نظام الإيجار القديم أحد العوامل الأساسية التي تساهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لنحو 1,6 مليون أسرة منتفعة بهذا النظام، حيث يعتبر بشكل مباشر سكن ميسور التكلفة.

يمكن تحديد أهم ثلاث نقاط أجمع  عليها السكان كما يلي:

1- حماية الأسر محدودة الدخل والقدرة على تحمل التكاليف: حيث يضمن الإيجار القديم بقاء العديد من الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل في مساكنهم دون تحمل أعباء مالية كبيرة، خاصة مع ارتفاع تكلفة المعيشة وأسعار الإيجارات الجديدة، يُعد هذا النظام بمثابة شبكة أمان اقتصادية للمستأجرين، خاصةً للطبقات المتوسطة ومحدودي الدخل الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الإيجارات الجديدة المرتفعة والتي آلت إليهم هذه الوحدات بالوراثة.

2- أمن الحيازة واستقرار الأحياء والمجتمعات: بالنسبة للأسر المستأجرة فإن نظام الإيجار القديم يعد أحد عوامل المسكن الملائم، وضمان أمن الحيازة، ومنع التعرض للطرد بالطرق القانونية، وبالتالي الأمان الاقتصادي الثابت منذ سنوات، وأمن الحيازة، أدى الى حالة الاستقرار الاجتماعي، وتكوين مجتمعات محلية وعلاقات جيرية قوية، خاصة في الأحياء الشعبية، والتي تتركز فيها معظم العقارات الخاضعة لنظام الإيجار القديم.

3- سهولة الوصول إلى أماكن العمل والخدمات: الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي غالبا ما ينعكس على سهولة الوصول للخدمات، وبالنسبة لشاغلي العقارات الخاضعة لنظام الإيجار القديم، فإنهم غالبا ما تناسقت حياتهم مع الطريقة الأسرع للوصول الى الخدمات، والرحلة اليومية للذهاب الى العمل بأيسر الطرق المتاحة.

ب‌- بالنسبة للمالك

ـ نقاط الضعف في نظام الإيجار القديم وتأثيراته على الملاك والمباني: على الرغم من إيجابيات النظام في تعزيز الاستقرار، إلا أن هناك العديد من النقاط السلبية التي تحتاج إلى معالجة. يُعتبر نظام الإيجار القديم مشكلة اقتصادية بالنسبة للملاك الذين يرون أنهم غير منتفعين بممتلكاتهم، وأن الدولة هي من فرضت هذا العقد سابقا، وتنعكس نقاط الضعف هذا أيضا على حالة المباني وصيانتها، ويمكن إبراز أهم المشكلات في النقاط التالية:

1- مشكلة اقتصادية بالنسبة للملاك: تتمثل الأزمة الاقتصادية في الفجوة الكبيرة بين القيمة الإيجارية المحددة والثابتة منذ عشرات السنين بموجب قانون الإيجار القديم وقيمة السوق الحالية. أدى ثبات الأجرة السنوية منذ عقود إلى فقدان المالكين لعوائد عادلة على ممتلكاتهم، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار العقارات. هذا الوضع بالنسبة للملاك هو وضع غير عادل، حيث يمتلكون عقارات في مناطق حيوية واستراتيجية ذات قيمة مهدرة.

2- انتقال العقد بالوراثة: انتقال العقد بالوراثة إلى أبناء المستأجر الأول خلق مشكلة للملاك، حيث يصعب عليهم استرداد الوحدات السكنية التي ورثوها، ويبقى الانتفاع بها ثابتًا منذ عقود. من ناحية أخرى، يرى المستأجرون أن الوحدات ليست مجرد وحدات مستأجرة، بل تم دفع مقدم لها يعادل قيمتها وقت إنشائها. بالنسبة للمستأجرين، يشبه نظام الإيجار القديم القروض العقارية طويلة الأجل، حيث يتم دفع مبالغ ثابتة على مدى سنوات. كان التعاقد منذ البداية ينص على علاقة طويلة الأمد تشمل المستأجر وأسرته، كما أن قيمة النقود قد تغيرت مع مرور الوقت. عندما تم توقيع العقود، كانت أسعار العقارات وتكاليف البناء عالية، مما سمح للمطورين العقاريين بتحقيق أرباح كبيرة. لهذا، يشبه وضع المستأجرين في نظام الإيجار القديم وضع المستثمرين في القروض العقارية الحديثة.

3- تهالك المباني وسوء الصيانة وتخريبها: أدى ثبات القيمة الإيجارية الى تهالك المباني في بعض الحالات، نتيجة عدم التزام المالك بصيانة الخدمات العامة التي تكلفه أكبر من القيمة العائدة، في الوقت نفسه الذي لا يلتزم فيه بعض المستأجرين غير بالصيانة الداخلية للوحدة، الأمر الذي انعكس على حالة المبنى العامة. في بعض الحالات، سعى بعض ملاك العقارات إلى تسريع انهيار مبانيهم عمدًا لبيع الأراضي التي تقدر قيمتها بملايين الجنيهات، من خلال القيام بأعمال تخريب متعمدة، مثل الحفر داخل المبنى أو هدم أجزاء منه، أو استخدام مواد مثل الديكسبان التي تعمل على تفتيت الأسمنت دون إصدار أصوات.

رابعا : هل تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر   يحقق  العدالة الاقتصادية والاجتماعية؟

مشكلة الإيجارات القديمة في مصر ليست قانونية في الأساس بقدر ما هي مشكلة ذات بعد مجتمعي عميق.

هذا الملف المعقد جدا له امتدادات اجتماعية واقتصادية ونفسية .. ويمس منظومة العدالة الاجتماعية والحق في السكن .. كما يمس أيضًا حقوق الملكية الخاصة. لذا لا يجوز أبدًا النظر إليه بزاوية واحدة أو تبني وجهة نظر أحادية تركز على مصلحة طرف دون آخر .. سواء كانت مصلحة المالك أو المستأجر.

إقرار القوانين في المطلق له أهداف لا تقبل وجهات النظر وهي تنظيم العلاقات بين الاطراف، ولكن في ظل العدالة الاجتماعية التي لا يجب أن يغفلها المشرع؛ في ظل وجود قرابة 2 مليون وحدة يقطنها ما يزيد عن 20 مليون مواطن تخضع لقانون الإيجار القديم .. هذه الوحدات ليست كتلة واحدة متجانسة .. بل لها تصنيفات مختلف؛ على سبيل المثال:

– وحدات مغلقة وغير مستغلة.

– وحدات سكنية مأهولة بأسر بسيطة وفقيرة.

– وحدات تم توريثها لعدة أجيال.

– وحدات يمتلك قاطنيها عقارات أخرى.

– وحدات تجارية تحقق عوائد كبيرة لمستأجريها.

– وحدات إدارية مؤجرة بأسعار زهيدة للشركات؛ ونماذج اخرى كثيرة.

دراسة كل هذه التصنيفات بشكل دقيق كان يجب ان يظهر في نص القانون ولائحته التنفيذية، ولكن مع الاسف تعاملت الحكومة مع الملف بشكل افتقر الى المسئولية المجتمعية سواء في دراسته ومناقشته أو طريقة إخراجه، والنتيجة كانت قانونًا غير مرضٍ .. ولا يحقق التوازن المطلوب .. بل ربما يفتح أبوابًا جديدة لمشكلات اجتماعية واقتصادية أعمق..

خامسا: دور الحكومة فى وضع آليات تنفيذية عادلة لتطبيق القانون دون مخاطر مجتمعية 

انطلقت الحكومة الى تقديم مشروع قانون الايجار القديم للبرلمان، مدفوعة بحكم المحكمة الدستورية العليا، التى قضت في أحدث حكم لها في نوفمبر من العام 2024، بعدم دستورية الفقرة الاولى من كل من المادتين (1،2) من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الاحكام الخاصة بتأجير وبيع الاماكن، وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، والمتضمن عدم دستورية ثبات الأجرة السنوية للاماكن المرخص فى إقامتها لأغراض السكن، اعتبارا من تاريخ العمل بأحكام بالقانون رقم 136 لسنة 1981. وحددت المحكمة بداية نفاذ آثار حكمها في اليوم التالي لانتهاء دور الانعقاد التشريعي العادي الحالي، وقد اكد وزير الشئون النيابية والقانونية المستشار محمود فوزى أن المشروع المقدم من الحكومة، جاء نفاذآ لحكم الدستورية الأخير سالف الذكر ، واستعرض سيادته أهم الأحكام الواردة بالمشروع وأن هذا الطرح تبنى ضوابط  تتوخى تحقيق التوازن بين طرفي العلاقة الإيجارية،وصون الملكية وتحقيق العدالة الاجتماعية التى لا يناقض مفهومها  حق الملكية، بل يحرص على التوازن في الحقوق التي كفلها المشرع لأطراف العلاقة الايجارية .

وأشار المستشار محمود فوزي، إلى أن أهم ما جاء بالطرح المقدم من الحكومة تحرير العلاقة الإيجارية، بعد انقضاء فترة انتقالية، وزيادة الأجرة القانونية، وفرق المشروع بين الوحدات الكائنة في المدن أو المركز أو الأحياء، والوحدات الكائنة في القرى. زيادة الأجرة القانونية للأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعيين لغير غرض السكنى .

مع منح أولوية للمستأجرين الذي تنتهي عقود إيجارهم بموجب القانون للحصول وحدات سكنية أو تجارية أو إدارية، إيجارًا أو تمليكًا، في الوحدات المتاحة لدى الدولة .

من ناحيته أعلن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عن بشرى سارة للمستأجرين في ضوء التعديلات الأخيرة على قانون الإيجار القديم، حيث أكد أن الحكومة ستمنح حلولاً مبكرة قبل انتهاء فترة السبع سنوات المحددة بالقانون بوقت كبير، بهدف ضمان عدم تأثر المستأجرين الأصليين بشكل سلبي في المستقبل.

وأوضح مدبولي أن الحكومة تجاوبت مع مخاوف المستأجرين المتعلقة بتعديلات القانون، مشيراً إلى أن الدولة أعدت أربعة بدائل رئيسية لصالح المستأجرين الأصليين، من أجل حمايتهم من الإخلاء قبل نهاية الفترة الانتقالية المقررة. وتأتي هذه الخطوة في إطار التزام الدولة بالحفاظ على الاستقرار الأسري والاجتماعي للمواطنين المتضررين من القانون الجديد.

وبيّن رئيس الوزراء أن الدولة المصرية تمتلك خبرة كبيرة في مجال الإسكان، موضحًا أن الحكومة نجحت سابقاً في تنفيذ أكبر مشروعات للإسكان على مستوى العالم، واستطاعت معالجة ملف 300 ألف وحدة سكنية كانت تقع في مناطق غير آمنة. وأشار إلى أن منظومة العمل التي أديرت بها تلك المشروعات هي ما يدفع الحكومة لتأكيد قدرتها على التعامل مع تداعيات قانون الإيجار الجديد قبل انتهاء مهلة السبع سنوات.

الحكومة تكشف عن 4 بدائل مهمة لحماية المتضرريين:

أثارت التعديلات الأخيرة التي تم إدخالها على قانون الإيجار القديم موجة من الجدل والقلق لدى المستأجرين للوحدات السكنية، حيث أصبح يتوجب على المستأجر إخلاء الوحدة السكنية لصالح المالك بعد مرور سبع سنوات، مع زيادة تدريجية في القيمة الإيجارية خلال هذه الفترة بحسب الشروط التي حددها القانون الجديد. هذا القرار أدى إلى حالة من التخوّف لدى عدد كبير من المواطنين الذين سيجدون أنفسهم في حاجة للبحث عن سكن بديل في وقت قصير نسبيًا.

وفي ضوء هذه التغيرات، أعلنت الحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي عن سلسلة من الإجراءات لضمان عدم تضرر المستأجرين الأصليين من تطبيق القانون الجديد، مؤكدًا حرص الدولة على منع تعرض أي مستأجر للطرد التعسفي أو الوقوع في أزمة سكن مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة. وخلال مؤتمر صحفي عُقد مؤخرًا، شدد رئيس الوزراء على أن الحكومة لن تترك المستأجرين دون دعم وأنها تستعد منذ الآن لتقديم بدائل عملية تضمن لهم الاستقرار وهذه البدائل هى :- 

1- الحصول على شقق بنظام الإيجار لمدة محددة وبأسعار مناسبة، تُمكِّن المستأجر من الانتقال بسهولة لوحدة سكنية جديدة.

2- إتاحة وحدات سكنية ضمن منظومة الإيجار التمليكي، بحيث يدفع المستأجر أقساطًا شهرية قد تنتهي بتملكه للوحدة في نهاية المدة.

3- تخصيص شقق من خلال برامج التمويل العقاري، مما يتيح للمستفيدين تملك الوحدات بالتقسيط المريح على مدد زمنية طويلة ويُيسر عليهم تحقيق الاستقرار السكني.

4- تخصيص وحدات في بعض المشروعات السكنية المتميزة، والتي تقدم معايير جودة أعلى وخيارات متنوعة لتلبية مختلف احتياجات المواطنين.

خاتمة:

لا شك أن حدود تأثير القانون ليست اجتماعية أو سياسية فقط، بل إن أثره سينعكس على الاقتصاد المصري برمّته، وسيكون له تبعات على تكاليف المعيشة والتضخم من جهة، وعلى خطط العمران والتوسعات في السوق العقارية من جهة أخرى؛ ويمكن القول إن القانون الجديد يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الاقتصادية بين المالك والمستأجر، ويعالج تشوهات قديمة في سوق الإسكان المصري. غير أن تحقيق العدالة الاجتماعية يتطلب أكثر من قانون؛ بل يحتاج إلى رؤية شاملة توازن بين الحقوق الدستورية في السكن، والملكية، والعدالة الاجتماعية. نجاح القانون مرهون بآليات التنفيذ، ومدى جاهزية الدولة لدعم الفئات الهشة.

فأزمة الإيجارات تتقاطع مع قضايا جوهرية تتعلق بحق السكن، وحقوق الملكية، وضرورة الانتقال الهادئ دون أضرار كبيرة قد تلحق بالطرفين، وهو ما جعلها حقلًا دائمًا للصراع بين مفاهيم اجتماعية راسخة لدى البعض، ومنظور اقتصادي يَرى ضرورة تصحيح أوضاع مشوهة أفرزها تدخل تشريعي استثنائي في لحظة تاريخية سابقة.

 

  المراجع 

*محمد خطاب : قانون الايجار القديم .. قانون بلا عدالة أم أزمة بلا حل؟

محمد خطاب : قانون الايجار القديم .. قانون بلا عدالة أم أزمة بلا حل؟

*تحليل نظام الإيجار القديم وتأثيره على المالك والمستأجر

https://diwanalomran.com/%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9 _

*قانون  الإيجار القديم بين منطق الإصلاح وهواجس المجتمع

قانون الإيجار القديم بين منطق الإصلاح وهواجس المجتمع

*قانون «الإيجارات القديمة» في مصر.. نهاية أزمة أم بداية لأخرى جديدة؟

https://www.erembusiness.com/economy/qxd8owg

*المحكمة الدستورية العليا أصدرت 39 حكمًا فى شأن قوانين إيجار الأماكن

https://www.sis.gov.eg/Story/308007/%

*بدائل مهمة لحماية المتضررين من قانون الإيجار القديم

https://zahraa.mr/5571376/%

*مخاوف الطرد .. قانون الإيجار القديم في مصر ينتظر قرار الرئيس

https://www.dw.com/ar/%D9

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى