مقالات

القانون الدولي الإنساني بين الحياة والموت

بقلم د. رامي الناظر

في صباح السابع من أكتوبر، انفجرت الأوضاع في قطاع غزة ودخل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مرحلة غير مسبوقة من العنف والدمار. ومع تصاعد الهجمات واتساع نطاق الضربات، طُرحت تساؤلات جوهرية عن فاعلية القانون الدولي الإنساني، وحدود نفوذه في ظل حرب تُبث على الهواء مباشرة ويذهب ضحيتها الآلاف، معظمهم من المدنيين.
القانون الدولي الإنساني، ويُعرف أيضًا بقانون النزاعات المسلحة، هو مجموعة من القواعد التي تسعى إلى الحد من آثار النزاع المسلح لأسباب إنسانية، وذلك من خلال:
– حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال.
– تنظيم الوسائل والأساليب المستخدمة في الحرب.
ويستند إلى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية. وفقًا لاتفاقيات جنيف، يحظر على أي طرف في النزاع , استهداف المدنيين أو استخدامهم كدروع بشرية , مهاجمة المنشآت الطبية أو فرق الإغاثة, استخدام الحصار كأسلوب تجويع جماعي, منع الإخلاء الآمن أو إعاقة دخول المساعدات.
كل هذه البنود تم خرقها بشكل موثق ومتكرر خلال العملية العسكرية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر.
بعد هذا اليوم شهد قطاع غزة حملة عسكرية عنيفة غير مسبوقة شنتها إسرائيل على القطاع ومنذ الساعات الأولى، ظهرت مؤشرات واضحة على تجاوزات خطيرة للقانون الدولي الإنساني:
قصف الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين, استهداف المستشفيات والمدارس, قطع الكهرباء والماء والاتصالات,منع إدخال المساعدات الإنسانية, قصف ممرات الإخلاء بعد إعلانها “آمنة”.
منذ بدء الهجوم وحتى الآن:
– قُتل أكثر من 60000 شخص، أكثر من 55% منهم من النساء والأطفال, طبقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تم قصف أكثر من 300 منشأة طبية وتعليمية, توقفت معظم المستشفيات عن العمل بسبب الحصار أو التدمير, عانى أكثر من 2 مليون شخص من العطش والجوع والتشرد.
هذه الوقائع لم تكن مجرد انتهاكات، بل ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقًا لمنظمات دولية مستقلة.
هل فشل القانون أم تم إفشاله؟
القانون الدولي الإنساني لا يملك قوة تنفيذية ذاتية، بل يعتمد على:احترام الدول الموقعة بالاضافه الى الرقابة الدولية من الأمم المتحدة و المحكمة الجنائية الدولية و الضغط الدبلوماسي والشعبي.
لكن في حالة إسرائيل، يُلاحظ:
– غياب المساءلة بسبب دعم سياسي وعسكري من قوى عظمى, شلل مؤسسات العدالة الدوليةوأخيرا ازدواجية المعايير في التعامل مع انتهاكات مشابهة في مناطق أخرى.
أحداث السابع من أكتوبر ليست فقط اختبارًا للضمير العالمي، بل اختبارًا جوهريًا لوجود القانون الدولي الإنساني. فإذا عجز هذا القانون عن حماية الأطفال تحت الأنقاض، والمدنيين في بيوتهم، والطواقم الطبية في عملهم، فمتى يُفعل؟

لقد وضعت الدول القوية مصير القانون الإنساني بين الحياة والموت. فإما أن يُبعث من جديد عبر تطبيق العدالة على الجميع دون استثناء، أو يُدفن تحت ركام غزة ومعه آخر ما تبقى من شرعية أخلاقية للنظام الدولي.
لا يكفي أن توجد قوانين جميلة على الورق، بل يجب أن تكون هناك قوة تُفعّل هذه القوانين وتحمي مبادئها. القانون الدولي الإنساني، مهما سُمِّي بـ”القانون”، يظل بلا قيمة ما لم يُفرض، وما لم تكن هناك آليات ردع حقيقية تمنع تكرار الجرائم قبل وقوعها، لا فقط محاسبة الجناة بعدها.

فـ”العقاب”، رغم أهميته، لا يعيد الموتى، ولا يمحو جريمة إبادة جماعية، ولا يشفي جراح طفلٍ فقد أهله وبيته.لذلك، يجب أن يتطور دور مجلس الأمن والأمم المتحدة من مجرّد الإدانة إلى تفعيل قوانين ردع فاعلة تُطبق على الجميع دون استثناء.

ان قوانين الردع تشمل, آليات تُستخدم لمنع وقوع الجرائم والانتهاكات قبل حدوثها بالاضافه الى العقوبات الاقتصادية، والحظر السياسي، والتدخل الإنساني السريع، وتجميد عضوية دول تنتهك القانون و تعتمد على العدالة الوقائية، وليس فقط العقوبات اللاحقة.

لكن قوانين الردع اليوم، كما هي في ميثاق الأمم المتحدة، تُستخدم بانتقائية، وتخضع لحق “الفيتو” ومصالح الدول الكبرى، مما يُفقدها قيمتها الأخلاقية.

الإنسان هو محور الكون, الإنسان ليس مجرد رقم في الإحصائيات، بل هو مركز الوجود.
من دون الإنسان، تتوقف الحياة، وتتجمد الحضارات، وتفقد القوانين معناها. فإذا لم تُصغ القوانين لحمايته، فأي معنى يبقى للقانون؟
وإذا لم يتغير هذا النظام، فسوف تستمر الحروب، ويستمر الإفلات من العقاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى