مقالات

دعوة للنقاش… لماذا يحتاج معرض الكتاب إلى قيادة مستقلة ؟

بقلم أ. محمد لطفي

في أعقاب استقالة الدكتور أحمد بهي الدين العساسي، من رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، تطفو على السطح مرة أخرى أسئلة مؤسسية جوهرية طالما تم تأجيلها.

أبرز هذه الأسئلة: لماذا يظل منصب رئيس هيئة الكتاب مرتبطًا حتميًا برئاسة معرض القاهرة الدولي للكتاب؟ أليس في فصل هذين المنصبين مصلحة للطرفين، وللحدث الثقافي الأهم في المنطقة؟

منطق الربط بين المنصبين مفهوم تاريخيًا؛ فالهيئة هي العمود الفقري للنشر في مصر، وكان من الطبيعي أن تكون المنوط بها تنظيم أكبر حدث للكتاب.

ولكن المعرض قد تجاوز بكثير كونه مجرد نشاط دوري للهيئة، لقد أصبح تظاهرة ضخمة، معقدة التنظيم، ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وإعلامية هائلة، تتطلب قيادة متفرغة وذات رؤية خاصة، تعمل على مدار العام لا فقط في الأشهر التي تسبق انعقاده.

ولسنا هنا أمام فراغ. فلدينا نموذج محلي ناجح يُحتذى به، عندما قرر الدكتور خالد عبدالجليل، رئيس المركز القومي للسينما الأسبق، فصل رئاسة مهرجان الإسماعيلية للفيلم القصير عن منصبه، ليتولاها الناقد الكبير عصام زكريا، مما منح المهرجان دفعًا إبداعيًا وإداريًا ملحوظًا. حيث لاحظ أن بعض رؤساء المركز الذين تولوه في الفترة البينية بين رئاسته للمركز كان جل همهم هو المهرجان فقط وكأنه النشاط الوحيد للمركز وأهملوا باقي مسؤوليات وأنشطة المركز. هذه السابقة المحلية تثبت أن الفكرة ليست مستوردة أو مستحيلة، بل هي مجربة ومثمرة.

ولكن.. ماذا عن الإدارة والعاملين؟
هنا يأتي الاعتراض المشروع: كيف يمكن لشخصية ثقافية مستقلة أن تدير “كتيبة” من موظفي الهيئة المنظمين للمعرض، الذين يتبعون إداريًا لرئيسها فقط؟
وهو اعتراض وجيه، لكن الحل لا يكمن في رفض الفكرة، بل في صياغة نموذج عملي لها، والفصل المطلوب ليس فصلاً جامدًا يقطع كل الصلات، بل هو “فصل إداري وقيادي” مع استمرار التبعية المؤسسية.

يمكننا أن نتخيل الأمر على غرار نموذج دار الأوبرا المصرية، حيث يختار رئيس الدار شخصية موسيقية مرموقة لرئاسة مهرجان الموسيقى العربية. هذا الرئيس المستقل يقدم رؤيته وخطته، ويشكل فريق عمل (من داخل الدار وخارجها)، ويكون مسؤولًا أمام رئيس الدار عن النتائج الفنية والمالية.

لكن كيف يمكن أن يبدو النموذج المقترح بهيئة الكتاب؟

1. رئيس الهيئة (الرئيس التنفيذي للمؤسسة): يتفرغ لملف النشر الشائك، ومكافحة القرصنة، ودعم المبدعين، وتنظيم سوق الكتاب، وتطوير استراتيجيات الثقافة على المدى البعيد، وهو في نفس الوقت المشرف العام على المعرض والضامن لتوفير الموارد البشرية والمادية اللازمة له (يختار رئيس المعرض ويدعمه ويوجهه ويراقب أدائه).
2. رئيس المعرض (مدير تنفيذي للحدث): تختاره الهيئة (أو تعلن عنه) من بين الشخصيات الثقافية ذات الخبرة والإدارة والوزن الإقليمي والدولي، ومهمته تتمثل في:
– وضع الرؤية الثقافية والفنية للمعرض (ضيف الشرف، المحور الرئيسي، شخصية المعرض).
– اختيار وإدارة فريق التنسيق الفني والندوات.
– الترويج للمعرض محليًا وعالميًا وجذب الناشرين الدوليين.
– الإشراف على الجانب التنظيمي واللوجستي (بالتعاون مع فريق الهيئة).
– يكون مسؤولًا مباشرة أمام رئيس الهيئة عن نجاح الحدث وتنفيذ الميزانية المحددة.

بهذه الصيغة، نحقق عدة أهداف في وقت واحد: نطلق طاقة رئيس الهيئة للتركيز على معارك التطوير المؤسسي، ونمنح المعرض طاقة إبداعية وإدارية متفرغة ومتخصصة، مع الحفاظ على الإطار المؤسسي الموحد وعدم إرباك هيكل العاملين.

النموذج المصري الناجح في السينما ليس الوحيد، بل العالم من حولنا يقدم أمثلة حية على نجاح فصل إدارة المعارض الكبرى عن الهيئات الحكومية:

1. معرض فرانكفورت للكتاب (ألمانيا): وهو أكبر معرض كتاب في العالم، لا يديره رئيس اتحاد الناشرين الألمان، بل تديره شركة مستقلة متخصصة (Frankfurter Buchmesse GmbH). هذه الشركة تتولى شؤون المعرض بالكامل، من الدعوة للضيوف إلى التنظيم اللوجستي والتسويق العالمي، مما يسمح لها بالتركيز الكامل على نجاح الحدث كمنصة أعمال عالمية، بينما تتفرغ الهيئات الرسمية للشؤون التشريعية والتنموية.

2. معرض نيودلهي العالمي للكتاب (الهند): يُعد أحد أكبر المعارض في آسيا. إدارته لا تقع على عاتق هيئة حكومية مباشرة، بل يتم تنظيمها بالتعاون مع اتحاد الناشرين في الهند (Federation of Indian Publishers) ومجموعة من المنظمات الثقافية المتخصصة. هذا النموذج القائم على الشراكة يضمن الخبرة العملية للسوق ويبعد البيروقراطية عن عملية التنظيم المباشر.

3. معرض لندن للكتاب؛ على عكس الصورة النمطية، لا تديره وزارة الثقافة. المعرض هو في الأساس حدث تجاري تديره مجموعة RX المعروفة سابقا بـ”ريد إكسبو” (Reed Exhibitions)، وهي منظمة دولية متخصصة في تنظيم المعارض والمؤتمرات. هذا يضمن كفاءة إدارية وتسويقية عالية، مستمدة من خبرة السوق وليس من التعليمات الإدارية.

خلاصة القول؛ الفصل بين المنصبين ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة عصرية لمواكبة حجم التحديات، فرئيس هيئة الكتاب يحتاج أن يركز على الاستراتيجيات الكبرى: دعم النشر، ومكافحة القرصنة، وتشجيع الترجمة، وتنمية القراءة. بينما يحتاج معرض الكتاب إلى مدير تنفيذي (أو رئيس مجلس إدارة) يكون منصباً مستقلاً، يكون همه الأول والأخير هو تطوير الحدث، جذب الناشرين العالميين، تحسين تجربة الزائر، ورفع المستوى الثقافي والفكري للندوات والفعاليات.

بهذه الخطوة، نضمن عدم تشتيت الجهود، ونستفيد من الكفاءات المتخصصة، ونرسي دعائم احترافية تليق بمكانة معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يجب أن يكون منارة ثقافية بمعايير عالمية، وليس مجرد نشاط إضافي في أجندة مسؤول مشغول.

فاللحظة التاريخية التي تمر بها مصر، والتطلعات لتعزيز مكانتها الثقافية، تتطلب جرأة في إعادة النظر في النماذج التقليدية، لأن فصل منصب رئاسة المعرض عن رئاسة الهيئة ليس مجرد تغيير إداري، بل هو استثمار في مستقبل الثقافة، وضمان لاستمرار توهج معرض القاهرة الدولي للكتاب كمنارة إشعاع حقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى