
سيتوقّف التاريخ كثيرًا وكثيرًا أمام هذا المشهد، الذي قام على هندسته وإخراجه ببراعة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما استدعى كبار قادة القارّة الأوروبيّة: فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، وفنلندا، وأوكرانيا، ورئيسة المفوضيّة الأوروبيّة، وأمين عام حلف الناتو. فقد هرع الجميع على عجل إلى البيت الأبيض عقب لقاء القمّة بين ترامب وبوتين في ولاية ألاسكا الأمريكيّة.
جلس الجميع أمام سيّد البيت الأبيض، بل وسيّدهم أيضًا، فالصورة التي نقلها البيت الأبيض ترسّخ لذلك؛ فهي تُظهر القادة الأوروبيّين وهم متحلّقون أمام ترامب داخل مكتبه البيضاوي، وكأنّهم موظفون جاؤوا لتقديم تقارير عملهم الشهري إلى رئيس مجلس الإدارة، لا قادة لكبرى دول أوروبا. تلك القارّة التي كانت دولها يومًا ما قوىً استعماريّة تسيطر على نصف دول العالم، بمن فيهم أمريكا نفسها. لقد بدا المشهد وكأنّهم تلاميذ أمام ناظر المدرسة.
لقد أراد ترامب أن يفرض لغة الجسد على البروتوكول، وحوّل القادة الأوروبيّين إلى “كومبارس” في عرض مسرحي فاضح ومُذلّ، تغلّبت فيه كوميديا الموقف السوداء على التراجيديا الأزليّة التي تعيشها أوكرانيا وأوروبا على وقع الهجوم العسكري الروسي المستمر منذ عام 2022.
فالمشهد صُنع بإتقان واحتراف، وأُريد له أن يكون هكذا؛ فأوروبا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكيّة الآن ليست ندًّا أو شريكًا، بل تابعًا ذليلًا يتلقّى أوامر سيّده في البيت الأبيض، حتى ولو تعارضت هذه الأوامر مع الحدّ الأدنى من متطلّبات الأمن القومي للقارّة العجوز. ترامب أراد القول لكبار القادة الأوروبيّين: ما أريكم إلّا ما أرى، وما أهديكم إلّا سبيل الرشاد.
هذا المشهد يرسّخ لسرديّة جديدة مفادها أنّ عصر الشراكة والرعاية والحماية الأمريكيّة لأوروبا قد ولّى، وأنّ الرفاهيّة التي عاشتها شعوب القارّة الأوروبيّة في العقود الماضية لن تستمر. فعلى أوروبا أن تتحمّل عبء الدفاع عن مصالحها وأن تتصدّى للمخاطر التي تحيط بها بعيدًا عن درع الولايات المتحدة الأمريكيّة وسيفها. عليها أن تتدبّر أمرها أمام خطر الدبّ الروسي، الذي يدكّ بوّابتها الشرقيّة أوكرانيا بلا هوادة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
جلس الجميع في حضرة الطاووس المتكبّر دونالد ترامب، جلسوا يستمعون له بإنصات، لعلّه يُسمعهم ما تطمئن له قلوبهم تجاه صفقته مع بوتين في ألاسكا، والتي استمرّت لثلث ساعات؛ وهي مدّة اجتماع استثنائي وغير تقليدي جمع الرئيسين ترامب وبوتين في ولاية ألاسكا الأمريكيّة، وهي أرض روسيّة باعتها روسيا القيصريّة عام 1867 بموجب اتفاقيّة عُرفت باسم صفقة ألاسكا، وقد قُدّرت قيمتها حينها بـ 7.2 مليون دولار ذهبي. ولعلّ اختيار هذا المكان نوعٌ من الرمزيّة للتعاون والشراكة الممتدة بين البلدين بعيدًا عن أجواء الحرب الباردة التي غلّفت العلاقة بينهما لعقود وما زالت.
قمة ألاسكا هذه وصفها ترامب وبوتين بأنّها بنّاءة ومثمرة، لكن لم ينتج عنها اتفاق واضح يُنهي الحرب في أوكرانيا. غير أنّ اللقاء دشّن تفاهمات يمكن البناء عليها لإبرام اتفاق سلام دائم بين كييف وموسكو.
لكن هناك مطالب روسيّة لوقف الحرب تتمثّل في أن تتنازل كييف بالكامل عن منطقتي دونيتسك (تحت السيطرة الروسيّة بنسبة 70%) ولوغانسك (تحت السيطرة الروسيّة بنسبة 100%) شرق البلاد، مقابل تعهّد روسي بتجميد خطوط القتال في منطقتي خيرسون (75% لروسيا) وزابورجيا (60% لروسيا). كذلك يسعى بوتين إلى اعتراف الولايات المتحدة بضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا عام 2014. لكن الأمريكيّين لم يعلنوا ما إذا كان هذا الاعتراف من واشنطن فقط أم من باقي الدول الغربيّة أيضًا. ومن ضمن المطالب الروسيّة حرمان أوكرانيا من الانضمام إلى حلف الناتو، وفي المقابل ستمنحها روسيا بعض الضمانات الأمنيّة اللازمة.
لقد ذهب القادة الأوروبيّون إلى واشنطن على عجل بأهداف ثلاثة: تتمثّل في دعم ومساندة زيلينسكي أمام فجاجة وغطرسة دونالد ترامب، ثم مواجهة مطالب بوتين التي وصفوها بالمتطرّفة بعد قمّة ألاسكا، ثم شكل الضمانات الأمنيّة الغربيّة التي يمكن تقديمها لكييف. فقادة الدول الأوروبيّة مرعوبون من خطّة التسوية التي طرحها بوتين على ترامب؛ لأنّهم يعلمون تمامًا أنّ ترامب رجل صفقات، لا يتوقّف كثيرًا أمام اعتبارات الأمن القومي والمخاطر الجيوسياسيّة التي يمثّلها قضم روسيا لأراضي أوكرانيا.
وفقًا للعرض الروسي، تبادل الأراضي لا يعني تبادل أرض روسيّة مقابل أرض أوكرانيّة، بل يعني أراضي أوكرانيّة تسيطر عليها روسيا مقابل أراضٍ أوكرانيّة تتقاسم السيطرة عليها روسيا وأوكرانيا. هذا هو مفهوم بوتين للتسوية مع أوكرانيا: حصوله على الأقاليم الأوكرانيّة الأربعة في الشرق، والاعتراف بشرعيّة ضمّ شبه جزيرة القرم، وحياد أوكرانيا وابتعادها عن الناتو، لتظلّ منطقة عازلة بين روسيا والناتو.
لذلك خرج ترامب ليعلن على الملأ: لا عضويّة لأوكرانيا في الناتو، ولا مجال لعودة القرم. لكنه تجنّب الحديث بشكل علني عن تبادل الأراضي. غير أنّ خريطة أوكرانيا التي أحضرها إلى البيت الأبيض، والتي أوقف أمامها زيلينسكي ليشاهد مناطق سيطرة الجيش الروسي على أقاليم بلاده في الشرق والجنوب، تُشي بأنّ ترامب يحاول الضغط على زيلينسكي للقبول بمبدأ تبادل الأراضي لوقف الحرب.
كابوس أوروبا يتمثّل في قبول أوكرانيا، تحت الضغط الأمريكي، بالتسوية التي بموجبها يتم اقتطاع أراضٍ في شرق وجنوب أوكرانيا وضمّها إلى روسيا. فهذا السيناريو بمثابة مكافأة لبوتين على غزوه للأراضي الأوكرانيّة، وهو ما يعني الخضوع لروسيا والقبول باحتلال 20% من الأراضي الأوكرانيّة، الأمر الذي قد يُغري بوتين بتكرار المغامرة بعد عام أو عشرة أعوام، فتقوم روسيا بغزو دولة أوروبيّة ثانية.
ومن هنا تطالب أوروبا ترامب بالضمانات الأمنيّة حتى لا تتكرّر المأساة مرة أخرى. هذه الضمانات من وجهة النظر الأوروبيّة ضمانات حاكمة، يجب أن تتعهّد بها الولايات المتحدة الأمريكيّة وتكون ضامنة لها. لكن ترامب يراوغ في هذه المسألة؛ فهو يريد أن ينأى ببلاده بعيدًا.
ترامب يريد أن تكون أوروبا ضامنة لأمن أوكرانيا وأمنها الشخصي. وهو مكسب براغماتي من الطراز الأوّل، بموجبه ستبيع أمريكا السلاح بكثافة منقطعة النظير لأوكرانيا وأوروبا من أجل تعزيز قواتها في مواجهة خطر الدبّ الروسي الداهم على حدودها الشرقيّة.



