مقالات

الثقافة روح الأمة: من التراث الثقافي إلى التنمية المستدامة

بقلم د. محمد ممدوح

الثقافة بمفهومها الواسع – بما تتضمنه من فنون وتراث مادي وغير مادي وفلكلور – هي وعاء الهوية وروح الأمة وذاكرتها الجمعية. فهي ليست مجرد مظاهر إبداعية، بل خط الدفاع الأول ضد الذوبان في العولمة الثقافية، ونسق اجتماعي يربط أفراد المجتمع ويحفظ قيمه وأخلاقه. ومن هنا تتحول الثقافة من فكرة مجردة إلى قضية أمن اجتماعي، إذ تمثل إحدى ركائز الاستقرار وترسيخ السلام داخل المجتمع، كما تساهم تنمية الحياة الثقافية في تعزيز الانتماء والحد من حدة الصراعات الطبقية والدينية، خاصة في المجتمعات المتنوعة ثقافيًا مثل مصر.

وترتبط الثقافة ارتباطًا وثيقًا بالتنمية المستدامة؛ فدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا أدركت أن الثقافة ليست عبئًا على التنمية، بل رافدًا اقتصاديًا وسياحيًا، فحولت تراثها الشعبي إلى صناعات إبداعية أسهمت في تعزيز حضورها العالمي.

أما في الحالة المصرية، فنحن أمام مفارقة واضحة: تمتلك مصر أحد أغنى المخزونات الثقافية والتراثية عالميًا، إضافة إلى بنية تحتية ضخمة من مسارح ومتاحف ودور أوبرا، ومع ذلك يشهد المشهد الثقافي تراجعًا ملحوظًا.

ويمكن تفسير هذا التراجع بعدة عوامل، منها: المركزية المفرطة التي تهمش الأقاليم، غياب الرؤية الابتكارية المواكبة للعصر الرقمي واهتمامات الشباب، الفجوة بين المنتج الثقافي الرسمي والتراث الشعبي المحلي، فضلًا عن ضعف الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية.

هذا الوضع دفع العديد من المهتمين بالشأن الثقافي إلى الدعوة لتأسيس مشروع نهضوي للثقافة المصرية، مشروع شامل تشارك فيه كل الجهات المختصة ويساهم في بناء الشخصية المصرية. يقوم هذا المشروع على عدد من الأسس، أهمها:

1. اللامركزية الثقافية: إنشاء بيوت للثقافة في كل قرية ومدينة تقدم أنشطة نابعة من تراثها المحلي وتعزز الهوية والانتماء.
2. استثمار الفنون السبع – العمارة، النحت، الرسم، الموسيقى، الأدب، المسرح، السينما – في بناء شخصية وطنية مبدعة.
3. توظيف التنوع الثقافي المصري ككنز لإنتاج إبداعي يعكس “الوحدة في إطار التنوع”.
4. الدمج بين التراث والرقمنة عبر متاحف افتراضية وأرشفة رقمية للتراث الشفهي والمادي وإنتاج محتوى إبداعي حديث.
5. تمكين الشباب ومنحهم الأدوات ليكونوا سفراء لثقافتهم محليًا وعالميًا، سواء عبر المبادرات المجتمعية أو المنصات الرقمية.

إن مشروع النهضة الثقافية ليس ترفًا، بل هو استثمار في الإنسان، والبنية الحقيقية لأي تقدم. فإذا كانت الثقافة هي روح الأمة، فإن استثمارها هو ما يمنحها القدرة على الاستمرار والخلود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى