
لم يكن العرض العسكري الصيني حدثًا تقليديًا بالمعنى المتعارف عليه، بل شكّل تدشينًا لمرحلة جديدة تحمل في طياتها ما بعدها، وتختلف جذريًا عمّا قبلها. إنه إعلان عن بروز “الإمبراطورية الصينية الجديدة” بوصفها قائدًا لمحور شرقي صاعد، يضم روسيا وكوريا الشمالية، في تحالف استراتيجي يتشكل في أعقاب تراجع عصر الهيمنة الأمريكية.
لقد جاء العرض ليؤكد للعالم بداية عهد جديد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى، وتتعدد فيه مراكز القطبية الدولية على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية
فبحضور زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون والرئيس الروسي بوتين، ترأس الرئيس الصيني شي جينبنغ عرضاً عسكرياً ضخماً في بكين بمناسبة إحياء مرور 80 عاما على استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية. العرض العسكري الذي يعد الرابع من نوعه منذ استلام شي جينبينغ للحكم لم يكن مجرد عرض احتفالي للقوات والأسلحة، بل كان عملية تواصل استراتيجية مُحكمة، تجمع بين الرسائل العسكرية، والدبلوماسية وأيضا التاريخية.
فقد كشف الجيش الصيني عن الثالوث النووي لأول مرة، واستعرض شي صواريخ نووية عابرة للقارات، وصواريخ أسرع من الصوت، وصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، وطائرات مسيّرة شبحية، وقاذفات استراتيجية، وصواريخ قادرة عن الوصول إلى قواعد أميركية في جزيرة جوام بغرب المحيط الهادئ، وتلقب هذه الصواريخ بـ”قاتلة جوام”، وكذلك، صواريخ قادرة على استهداف وإغراق حاملات طائرات.
وشمل الثالوث النووي صاروخ JingLei-1 الجوي طويل المدى، وصاروخ JuLang-3 الباليستي العابر للقارات الذي يطلق من الغواصات، وصاروخ DongFeng-61 الباليستي العابر للقارات البرّي، وصاروخ جديد من نوع DongFeng-31 الباليستي العابر للقارات البرّي.
ووصفت وكالة “شينخوا” الرسمية الصينية هذه الأسلحة الاستراتيجية بـ”الورقة الرابحة” للصين والتي تضمن “حماية سيادة البلاد وكرامة الأمة”.
هذا العرض العسكري غير التقليدي، الذي حضره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، استفز المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد غرّد رئيسها دونالد ترامب على منصته “تروث سوشيال”، موجّهًا حديثه إلى الرئيس الصيني قائلاً: ‘إن عليه أن يتذكر حجم التضحيات التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية حتى تتمكن الصين من نيل حريتها من غزاة أجانب غير ودودين، في إشارة إلى الغزو الياباني للصين”.
وأضاف ترامب” أن الولايات المتحدة، التي ساعدت الصين في الماضي على التخلص من الاحتلال، لن تسمح اليوم بأن تتحول بكين إلى قوة تهدد الاستقرار العالمي أو تحاول فرض هيمنة جديدة بالتعاون مع قوى يعتبرها الغرب “معادية”
وأضاف: “لقد لقي العديد من الأميركيين حتفهم في سعي الصين نحو النصر والمجد.. آمل أن يُكرموا وتخلد ذكراهم لشجاعتهم وتضحياتهم.. أتمنى للرئيس شي جينبينغ والشعب الصيني العظيم يوماً عظيماً ودائماً من الاحتفال”.
وتابع: “أرجو أن تبلغوا أطيب تحياتي لفلاديمير بوتين (الرئيس الروسي)، وكيم جونج أون (زعيم كوريا الشمالية)، بينما تتآمرون ضد الولايات المتحدة الأميركية”.
هذا التصريح عكس حالة الارتباك والقلق داخل المعسكر الغربي إزاء ما وصفوه بـ”التحالف الشرقي الجديد”، الذي أخذ يتبلور بوضوح بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية. فقد اعتبرت وسائل الإعلام الغربية أن العرض العسكري لم يكن مجرد استعراض قوة، بل رسالة استراتيجية موجهة إلى العالم بأسره، ومؤشرًا على بداية عهد دولي متعدد الأقطاب، يتراجع فيه النفوذ الأمريكي لصالح قوى صاعدة تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى العالمية. وفي المقابل، شددت دوائر صنع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية على ضرورة تعزيز التنسيق العسكري والسياسي لمواجهة ما أسموه “التحدي الشرقي” المتنامي.
أما مسؤولة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، فقد وصفت مشاركة قادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية في العرض الذي أُقيم في بكين بأنها تجسيد لتحالف المستبدين. وقالت كالاس “إن هذا التحالف يسعى إلى تحدي النظام الدولي القائم على القوانين، والعمل على إنشاء نظام عالمي جديد”.
لم تُخطئ كايا كالاس في قراءتها، فقد عبّرت عن واقع ما يحدث: تحالف جديد يدشّن لمرحلة مختلفة، وهو ما عبّر عنه الرئيس الصيني في كلمته خلال العرض العسكري، حين أكد أن المخططات الجيوسياسية لا يمكن أن تتجسد على أرض الواقع في عالم لا يعرف سوى القوة، ما لم تتوافر الوسيلة التي تضمن النجاح.
الصين ـ كما قال بينغ ـ تريد نظامًا عالميًا جديدًا بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، ولتحقيق ذلك فهي بحاجة إلى إظهار القدرات التي تمكّنها من بلوغ أهدافها. غير أن الجمع بين الخطاب السياسي وعرض القوة العسكرية في آنٍ واحد يحمل دلالات عديدة في ديناميكية النظام الدولي.
فقد جمع الرئيس شي زعماء من 26 دولة، على رأسهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون. حضر ممثل واحد من دول حلف الناتو، هو رئيس وزراء سلوفاكيا روبيرت فيكو. بكلام آخر، يدلّ هذا الجمع، في شكل واضح، على بداية تكوّن ميزان قوى جديد للعالم في مواجهة الغرب.
في العرض العسكريّ، أظهرت الصين أنها لم تعد تلك الدولة التي تقلّد تكنولوجيا الغرب فقط. بل أصبحت دولة مبتكرة للتكنولوجيا. أصبحت دولة مع جيش هو الأضخم في العالم عدداً، مع قدرة على تصنيع السلاح الملائم لحروب القرن الواحد والعشرين، وفي كل المجالات، بما في ذلك إنتاج واستعمال الذكاء الاصطناعي، في السلم كما في الحرب، في حال وقعت الحرب. ولأن الصورة مهمة للصين، فإنها تبني اليوم مركزاً للقيادة العسكرية خارج العاصمة بكين يوصف بأنه أكبر من مقر البنتاغون بـ10 مرات.
لم يكن العرض العسكري الصيني الأخير مجرد استعراض للقوة أو استعراض روتيني كما اعتادت الجيوش الكبرى أن تفعل، بل جاء محمّلًا بدلالات استراتيجية تتجاوز حدود الصين الإقليمية، لتصل إلى عمق النظام الدولي برمّته. فالمشهد الذي تابعته عواصم العالم لم يكن مجرد استعراض لصواريخ عابرة للقارات أو طائرات مقاتلة متطورة، وإنما كان رسالة سياسية واضحة تقول: إن بكين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل باتت لاعبًا محوريًا في صياغة معادلات القوة العالمية.
هذا العرض العسكري يمكن اعتباره إعلانًا عن ولادة “الإمبراطورية الصينية الجديدة” في ثوبها الحديث، قيادةً لتحالف شرقي آخذ في التشكل، يضم روسيا وكوريا الشمالية، ويستند إلى مرتكزات عسكرية واقتصادية وأيديولوجية مشتركة. وهو تحالف يقدَّم كبديل أو كوازن أمام المنظومة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ومن هنا، لم يكن العرض العسكري الصيني مجرد حدث محلي، بل محطة فارقة في مسار التحولات الدولية الكبرى.
لقد خرجت بكين عبر هذا المشهد لتعلن أن مرحلة “أحادية القطبية” التي سادت منذ تسعينيات القرن الماضي قد بدأت في التراجع، وأن العالم يدخل فعليًا طورًا جديدًا من التعددية القطبية، حيث تتوزع مراكز النفوذ بين قوى عسكرية واقتصادية صاعدة. فالصين لم تعد تقبل بدور “المصنع العالمي” تحت المظلة الأمريكية، بل تسعى لتكون قطبًا مستقلًا يقود، إلى جانب حلفائه، إعادة تشكيل النظام الدولي عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا.



