
الفقر ليس مجرد رقم فلطالما قسم العالم إلى أغنياء وفقراء بناء على مقياس بسيط: الدخل لكن هذه النظرة الأحادية بدأت بالتراجع لتحل محلها نظرة أكثر تعقيداً وشمولية، هذه النظرة تدرك أن الفقر ليس مجرد افتقار إلى المال، بل هو حرمان من الخيارات والفرص والقدرات الشخصية التي تتيح للإنسان عيش حياة كريمة يحقق فيها إمكاناته.
لقد تطور مفهوم الفقر من كونه مفهوماً مادياً بحتاً إلى مفهوم متعدد الأبعاد، ثم إلى مفهوم “فقر القدرة”، مما استدعى بالضرورة تغيراً جذرياً في أساليب مواجهته.
التطور التاريخي لمفهوم الفقر:
1. الفقر المادي (قلة الدخل): كان المفهوم التقليدي للفقر، بدأ من خمسينيات القرن الماضي وحتى أواخر السيتنيات، يركز على جانب الدخل والاستهلاك ويعتبر الفرد فقيراً إذا قل دخله عن حد معين (خط الفقر) ولا يمكنه من تلبية احتياجاته الأساسية من غذاء وكساء ومأوى. وكانت الحلول تركز على التحويلات النقدية ودعم السلع الأساسية.
2. الفقر متعدد الأبعاد: في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بزغ مفهوم جديد بقيادة الاقتصادي “أمارتيا سن”، الحائز على جائزة نوبل، الذي أكد أن الفقر هو حرمان من “القدرات” (Capabilities) الأساسية وليس فقط نقص الدخل. فالحرمان من الصحة الجيدة، أو التعليم الجيد، أو المياه النظيفة، أو المشاركة السياسية، هي أبعاد للفقر بحد ذاتها، بغض النظر عن مستوى الدخل. وأصبح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يصدر “دليل الفقر متعدد الأبعاد” ليقيس الفقر بهذه المعايير الأوسع.
3. فقر القدرة: هو التطور الطبيعي للمفهوم متعدد الأبعاد، حيث يركز على قدرة الفرد على تحويل الموارد المادية والمعنوية مثل المهارات والقدرات الشخصية والامكانات التي يمتلكها الشخص المتاحة (حتى وإن كانت محدودة) إلى “وظائف” (Functionings) قيمة، أي إلى إنجازات يحققها في حياته في حالة اكتشافها وتوظيفها في خطة لتحسين حياته هنا يبرز السبب الرئيسي لظهور هذا المفهوم: فقد لوحظ أن بعض الأفراد، رغم ضعف مواردهم المادية، يستطيعون تحقيق فارق كبير في حياتهم باستثمار قدراتهم الشخصية (كالمثابرة، الإبداع، المهارات الاجتماعية، المعرفة والمهن…الخ) رغم واقعهم المرير في براثن الفقر وفي المقابل، هناك أفراد يتمتعون بموارد مالية كافية ولكنهم يعجزون عن تحقيق أي إنجاز بسبب غياب هذه القدرات والمهارات الشخصية ومن هنا ظهر مفهوم فقر القدرة.
من المواجهة التقليدية إلى تمكين القدرات:
هذا التحول في الفهم استلزم تغيراً في إستراتيجية المواجهة فلم يعد حل مشكلة الفقر يقتصر على “إعطاء السمكة”، بل أصبح يركز على “تعليم الصيد” ثم “تمكين الصياد من امتلاك قاربا” ويتطلب هذا:
1. تطوير القدرات والإمكانيات: الاستثمار في البشر عبر تحسين جودة التعليم والرعاية الصحية، وتوفير التدريب المهني، وتعزيز المهارات الحياتية مثل التفكير النقدي وحل المشكلات.
2. التمكين: خلق بيئة تمكينية تسمح للفرد باستخدام قدراته بشكل فعَّال و يشمل هذا توفير البنية التحتية، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وضمان الحماية الاجتماعية، وخلق فرص اقتصادية حقيقية.
هنا يأتي الدور المحوري للتعليم بجميع أشكاله:
*التعليم الرسمي: يبني الأساس من المعارف والمهارات الأكاديمية فالدول التي انتقلت من الفقر إلى الازدهار مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة جعلت من الاستثمار في التعليم الجيد والشامل أولوية قومية لا تقل أهمية عن بناء المصانع.
*التعليم غير الرسمي: هو العامل الأكثر حيوية في بناء “القدرات الشخصية” ويشمل البرامج التدريبية، وورش العمل، والتعلم المهني، ومنصات التعلم عبر الإنترنت. ففي البرازيل مثلا، ساهمت برامج التدريب المهني الموجهة للشباب في الأحياء الفقيرة (مثل “برونتي”) في تأهيلهم لسوق العمل وتمكينهم اقتصادياً.
*التنمية الثقافية: تلعب الثقافة دوراً في تشكيل العقل الجمعي للمجتمع فالثقافة تشجع على الابتكار، والمخاطرة المحسوبة، وقيمة العمل، والتعلم المستمر (كما هو الحال في تجربة النمور الآسيوية) هي بيئة خصبة لتنمية القدرات وفي المقابل، تعالج ثقافة اليأس والاستسلام وتعزز من مواجهة فقر القدرة حتى مع وجود الموارد.
ولا شك ان ذلك المفهوم للفقر وهو فقر القدرة يتقاطع بشكل مباشر مع صميم خطة 2030 للتنمية المستدامة حيث لا يقتصر الهدف الأول (القضاء على الفقر) على القضاء على الفقر المدقع فحسب، بل يشمل تقليل عدد الفقراء وفقًا للتعريفات الوطنية متعددة الأبعاد وتحسين القدرات للأفراد لزيادة قدرتهم علي مواجهة ظاهرة الفقر، كما أن الهدف الرابع ( التعليم الجيد) والهدف الثامن (العمل اللائق ونمو الاقتصاد) هما الركيزتان الأساسيتان لبناء قدرات الأفراد وتمكينهم اقتصادياً فالنهج القائم على القدرات هو الخيط الذي يربط هذه الأهداف معاً لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة حقاً.
خاتمة:
الاستثمار في الإنسان هو الحل الجذري
تظهر تجارب دول مثل ماليزيا التي رفعت ملايين مواطنيها من براثن الفقر ليس فقط عبر النمو الاقتصادي بل عبر برامج مكثفة للتدريب وتمكين المجتمعات المحلية، أن النجاح الحقيقي والأكثر استدامة يكمن في الإنسان نفسه فلقد أصبح من الواضح أن معركة القضاء على الفقر هي معركة ضد “فقر القدرة” وليس فقط فقر الدخل لذلك، يجب أن تتحول سياسات مكافحة الفقر من النموذج الإغاثي إلى النموذج التمكيني، الذي يستثمر في صحة الإنسان وتعليمه ومهاراته، ويخلق له البيئة التي تمكنه من أن يكون هو المحرك الأساسي لتغيير واقعه وصنع فارق في حياته ومجتمعه. فقط عندما نمتلك الأدوات والقدرة على استخدامها، نستطيع حقاً بناء مستقبل خالٍ من الفقر بجميع أبعاده.



