المركز الاعلامىمقالات

انتهى الدرسُ يا عرب ..!

بقلم د. صلاح هاشم

حين اجتاح المغول بغداد سنة 656هـ، انكسرت المدينة العظيمة وانهارت معها النفوس قبل الأسوار. في إشارة بالغة لحالة الانكسار النفسي التي عادةً ما تسبق انكسار الأوطان. وفي هذا السياق، حدثنا ابن كثير في كتابه الشهير ” البداية والنهاية” أن الرجل من أهل بغداد كان يمر به أحد جنود التتار فيقول له ” التتري” : قف لا تبرح حتى أعود فأقتلك؛ فيقف الرجل محسورًا مذعورًا ينتظر عودة قاتله فلا يبرح حتى يأتيه التتري فيقتله دون مقاومة منه أو محاولة للهرب.
وفي كتاب ” الكامل في التاريخ ” يؤكد ” ابن الأثير ” المشهد نفسه ، وإنما بصورة أشد، فيقول إن جندياً واحدًا من التتار كان يدخل الزقاق المزدحم بالناس، فيقتلهم واحدًا بعد الآخر، حتى يفرغ منهم جميعًا، لا يرفع في وجهه أحدهم يدًا ولا سلاحًا، لما استولى على القلوب من خوف وفزع.
هذه المشاهد المفزعة ربما لا تكون حرفية في تفاصيلها، لكنها بلا شك تصوّر عمق الانهيار النفسي الذي أصاب الناس، وكيف أصبح الخوف أشد فتكًا من السيوف..!
لقد أراد المؤرخون بهذه الصور أن يقولوا إن الهزيمة تبدأ في الداخل، في النفوس التي تستسلم، قبل أن تقع في الميدان. ومن هنا تأتي العبرة: أن المجتمعات التي تفقد إرادتها وتستسلم لليأس تُهزم بلا معركة، وأن حفظ الكرامة والوعي والثقة بالنفس هو السلاح الأول في وجه أي غزو خارجي ..
أعتقد أن العالم حين أفلست أدواته في تحقيق السلام بالشرق الأوسط ، قرر أن يحرض الشرق على تدمير نفسه ذاتياً، فحينَ يُفلِسُ القوي ; عادة ما يبدأ في تدمير ذاته .. والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحتاج من عاقل سوى أن ينظر حوله ليشاهد عن كثب ما يجري من مأساة في اليمن وسوريا وليبيا والسودان .. فلا يزال الغرب يًعد الطُعُوم للعرب، ولا يزال العرب يبلعونها دون تردد ..!
البداية كانت في ٢٠١١ تحت شعارات خادعة أسموها ” ثورات الربيع العربي ” التي تحولت في أقل من عشرات سنوات إلى نكبات عربية ، سقطت بسببها دولٌ ونجت أخرى ، ولا تزال المحاولات مستمرة ..! الخطر الأكبر لا يأتي أبداً من الخارج، الخطورة الكبرى تأتي دوماً من الداخل، متمثلة في العملاء والخونة وتجار الدين والقيم وسماسرة الأوطان وشماشرجية الصفقات الإعلامية والثقافية المشبوهة ..فمهما بلغت قوة الخارج فهى ضعيفة جداً أمام اتحاد الشعوب ولُحمَة الصفوف وقوة الإرادة ففي الاتحاد قوة ..
لن يغلب الأمة العربية غالب ما دامت تعتصم بحبل الله ولا تفرقها أوهام الزعامة وشهوة الهيمنة ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) . الغرب ليسوا شياطين خالصين ولا العرب ملائكة مبجلين .. جميعنا بشر ، نحب الحياة ونقدر السلام ونعشق التفوق ..جميعنا ضعفاء أمام البقاء على قيد الحياة والحياة في سلام .. وهنا يكمن الحل. ظاهرياً لسنا في غابة وعملياً يمكن أن نكون أسوأ، إذا حكم العالم قانون القوة ” البقاء للأقوى ” أو حل محله ” البقاء للأسوأ ” .. فجميعنا ضعفاء وسر القوة يكمن دوماً في الإيمان بالله والإرادة الصلبة والعمل بإخلاص ووحدة الصفوف..
أيها السادة الأشقاء أصحاب القضية الحقيقيين ” فعلياً” والمتنصليين من المسئولية ” عملياً”، إذا لم تتحدوا وتعتصموا وتصطفوا خلف مصر؛ فلن ينجو منكم أحد .. قبلتكم واحدة وعدوكم واحد ومصيركم مشترك ..والرهان على الأمريكان غباء تتبعه ندامة ..!
ان اختراق الجو القطري وتفجير مدينة الدوحة في وضح النهار في ظل وجود قواعد عسكرية أمريكية واتفاقيات دفاع مشترك بين البلدين، هو اعتداء على أمريكا ذاتها، مالم تكن حكومة الكيان اللقيط قد أخذت تصريحاً بالضرب وإن لم تكن امريكاً شريكاً أساسياً في المعركة ..!
لن اتساءل اين ذهبت بطاريات الباتريوت القطرية ، وسلاح الجو الحديث ، لن أتساءل أين ذهبت بطاريات الدفاع الجوي الامريكي التي تحمي اجواء قطر ، ولن أتساءل أين بطاريات الدفاع التركي التي تتواجد في قطر ، ولن أتساءل عن الرشاوي القطرية والمليارات القطرية في جيب ترامب الذي وقع على قصف أراضيها ، ولكني سوف أتساءل عن القاعدة الجوية التي انطلقت منها الطائرات الإسرائيلية او الأجواء العربية التي مرّت من خلالها، وهي تعرف ان الأمر لن يتعدى الشجب والاستنكار والاحتفاظ بحق الرد .
ما زالت الأحداث تنبؤنا بان القادم على العرب صعبٌ للغاية، وأن الحرب على غزة ليست نهاية المطاف. ففي اليوم الذي تنتهي فيه الحرب على غزة ، ربما تبدأ فيه الحرب على الضفة الغربية ..!
إن إعلان ملء سد النهضة وتفجيرات الدوحة دليل قاطع على غياب القانون الدولى وهيمنة قانون الغابة وتكريس مبدأ البقاء للأسوأ ..! إذن لا مجال للشجب والإدانة، ولا وقت للتفاوض وسياسة الحبل الطويل .. ولا أي ربح من المداهنة والمهادنة والاستكانة .. القوة والدفاع العربي المشترك ..هما السبيل الوحيد لدرء همجية الكيان وفوضوية الدول الداعمة ..انتهى الدرس يا عرب ..!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى