المنظمات الأهلية الخضراء: توجه عالمي استراتيجي حاضر للمنظمات الأهلية
بقلم د. محمد ممدوح

في ظل التحديات المناخية المتسارعة التي باتت تهدد الأمن الإنساني والتنموي على مستوى العالم، لم يعد تبني الممارسات المستدامة خياراً ثانويا، بل أصبح ضرورة حتمية وفرض عين على جميع القطاعات، بما فيها قطاع المنظمات الأهلي.
وانطلاقاً من هذا الإدراك، يأتي إطلاق “مواصفة المنظمات الأهلية الخضراء” كأول إطار معياري عربي من نوعه، ليمثل علامة فارقة في مسيرة استدامة العمل الاهلي هذه المبادرة، التي أطلقها المركز العربي لاستدامة العمل الأهلي بالتعاون مع المعهد القومي للحوكمة والتنمية المستدامة (الذراع التدريبي لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية) وبرعاية عدد من المنظمات الدولية والمحلية، تهدف المواصفة إلى تمكين المنظمات الأهليةالعربية من أن تكون شريكاً فاعلاً في مواجهة أزمة المناخ، من خلال تحويل الاستدامة البيئية من مجرد شعار إلى نسيج مؤسسي كامل بالمنظمة.
ما هي المنظمة الأهلية الخضراء؟
المنظمة الأهلية الخضراء (أو منظمة المجتمع المدني الخضراء) هي منظمات لديه ثقافة و توجه وممارسة تجاه البيئة ولا يقتصر دورها على تنفيذ مشروعات بيئية منعزلة، بل تعمل المنظمة على تبني وترسيخ المبادئ والمعايير البيئية والاستدامة في نسيجها الداخلي بشكل مؤسسي كامل، إلى جانب برامجها ومشروعاته الخارجية الموجهة لخدمة المجتمع والتنمية.. إنها تحول البيئة من “مجال عمل” إلى “قيمة أساسية” و”إطار عمل” استراتيجي يحكم كل ما تقوم به، من أصغر القرارات الإدارية إلى أكبر المشروعات المجتمعية.
الركائز الأساسية للتحول الأخضر: إطار متكامل للدمج
يتمثل التحول الشامل للمنظمة إلى منظمة خضراء في دمج المعايير البيئية عبر أربعة مستويات رئيسية متكاملة:
- الدمج على المستوى المؤسسي:
- السياسات والهيكل والثقافة: يمثل هذا المستوى حجر الأساس الذي يضمن استدامة الممارسات الخضراء بغض النظر عن تغيير القيادات أو المشروعات.
- الرؤية والرسالة: إدماج الالتزام بالاستدامة البيئية وحماية البيئة كجزء أساسي وصريح في الوثائق التأسيسية للمنظمة.
- السياسات الداخلية الخضراء:
أ) سياسة الشراء الأخضر: تفضيل شراء المنتجات الصديقة للبيئة (أوراق معاد تدويرها، حبر صديق للبيئة، منتجات تنظيف غير ضارة).
ب) سياسة إدارة النفايات: تطبيق نظام فصل للنفايات (ورق، بلاستيك، عضوي) والتعاون مع شركاء لإعادة التدوير.
ج) سياسة السفر والمواصلات: تشجيع استخدام المواصلات العامة وتقليل السفر غير الضروري لخفض البصمة الكربونية. - الهيكل التنظيمي: إنشاء “لجنة للاستدامة” أو تعيين “منسق للشؤون البيئية” لضمان تطبيق المعايير الخضراء ومتابعتها.
- الثقافة التنظيمية: تنظيم ورش عمل وتدريبات مستمرة لرفع الوعي البيئي بين فرق العمل والمتطوعين، وجعل الممارسات الخضراء سلوكاً يومياً.
2) الدمج في البنية التحتية وتشغيل المقر: ترجمة السياسات إلى واقع ملموس هو تجسيد عملي للسياسات في المكان الذي تعمل فيه المنظمة.
أ.كفاءة الطاقة: استخدام إضاءة موفرة (LED)، وتركيب ألواح شمسية، وضبط أنظمة التبريد والتسخين بشكل optimum.
ب.إدارة المياه: تركيب صنابير ومصارف موفرة للمياه، واستغلال مياه الأمطار وإعادة استخدام المياه الرمادية حيثما أمكن.
ج-التصميم المستدام: الاستفادة من الإضاءة والتهوية الطبيعية، واستخدام مواد بناء وتشطيب منخفضة الانبعاثات.
د.الحد من البصمة الكربونية الرقمية: تقليل الاعتماد على الطباعة، واستخدام خدمات رقمية مستدامة، وحذف البيانات غير الضرورية.
3) الدمج في إدارة المشروعات والبرامج: تطبيق “العدسة الخضراء” تطبيق معايير الاستدامة على دورة حياة المشروع بالكامل، بغض النظر عن مجاله (تعليم، صحة، تمكين اقتصادي).
أ.مرحلة التخطيط: إجراء “تقييم الأثر البيئي” أولي لأي مشروع ووضع مؤشرات أداء بيئية (KPIs) واضحة.
ب.مرحلة التنفيذ: اختيار موردين خضراء، وتصميم أنشطة تقلل من إنتاج النفايات، وإدماج رسائل توعوية بيئية ضمن أهداف المشروع.
ج.مرحلة التقييم: قياس وتقييم الأداء البيئي للمشروع إلى جانب أدائه التنموي، وإدراج ذلك في التقارير المقدمة للممولين والمجتمع.
د.الدمج في استراتيجية التنمية المجتمعية: توسيع نطاق التأثير هنا تبرز هوية المنظمة الخضراء الحقيقية وتأثيرها على أرض الواقع.
هـ.تمكين المجتمعات: تصميم مشروعات بمشاركة المجتمع لزيادة قدرته على مواجهة آثار التغير المناخي (كالجفاف والفيضانات) وليس فقط تقديم حلول إغاثية مؤقتة.
و.دعم الاقتصاد الأخضر: خلق فرص عمل من خلال دعم المشروعات الصغيرة الصديقة للبيئة كالزراعة العضوية والسياحة البيئية.
ز.المناصرة والحوكمة: Advocacy وضغط صانعي القرار لتبني سياسات عامة تدعم البيئة والاستدامة.
ح-بناء الشراكات الخضراء: تشكيل تحالفات مع منظمات محلية ودولية لتبادل المعرفة وتعظيم الأثر.
وختاما:
اذا المنظمة الأهلية الخضراء ليست منظمة “تعمل في المجال البيئي” فحسب، بل هي منظمة “تفكر وتتنفس وتعمل” بطريقة خضراء مستدامة من داخلها إلى خارجها إنها تتحول من كونها منفذة لمشروعات إلى أن تكون نموذجاً مؤسسياً يحتذى به في الممارسة المسؤولة، مما يعزز مصداقيتها ويضاعف من تأثيرها الإيجابي الشامل على المجتمع والبيئة معاً. إطلاق “المواصفة العربية للمنظمات الأهلية الخضراء” يمثل بداية طريق طموح للقطاع الأهلي العربي ليكون في صدارة الاستجابة للتحديات المناخية، مساهماً فعّالاً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.



