أوراق بحثية

سلاح حزب الله في قلب العاصفة ولبنان على مفترق طرق

مقدمة

يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق خطير، حيث تتكشف يوماً بعد يوم معالم معركة سياسية وأمنية داخلية وخارجية، حول واحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخه الحديث، وهو الدعوة إلى نزع سلاح حزب الله.

تأتي هذه الدعوة في ظل ضغوط أمريكية وغربية، مدفوعة بخطة إسرائيلية، ومدعومة بتوجه بعض القوى السنية العربية في المنطقة. ولأول مرة منذ انتهاء الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن الماضي، يجد لبنان نفسه على شفا منعطف خطير قد يزج بالبلاد في أتون حرب أهلية جديدة، خاصة بعد أن أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أنه “لا عودة إلى الوراء” وأن حصر السلاح بيد الدولة بات أمراً واجب النفاذ.

أمام هذا التوجه دخلت الأزمة اللبنانية مرحلة جديدة من التعقيد، إذ يرفض حزب الله أي حديث عن نزع سلاحه، فيما يضع نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني وحليف الحزب، خطوطاً حمراء أمام أي محاولة لفرض ذلك بالقوة، داعياً إلى مناقشة الأمر في إطار استراتيجية دفاعية هادئة.

بالتوازي، تتصاعد الضغوط الأمريكية عبر المبعوث توماس باراك، الذي شدد على ضرورة تنفيذ القرار القاضي بحصر السلاح بيد الدولة، وربطه بخطوات إسرائيلية متناسبة للانسحاب من الأراضي اللبنانية. وقد حمل باراك خريطة طريق أمريكية مفصلة من ست صفحات، أطلق عليها اسم “ورقة باراك”، تضمنت مطالب واضحة بنزع سلاح حزب الله والفصائل المسلحة في لبنان بشكل كامل قبل نهاية عام 2025.

وأمام هذه الضغوط الأمريكية – الإسرائيلية، المدعومة بقوى إقليمية خليجية، وجدت الدولة اللبنانية نفسها مضطرة للتوجه نحو قرار حصر السلاح بيدها. وقد تبنت الحكومة اللبنانية هذا القرار في جلستها خلال أغسطس الماضي، وكلفت الجيش بوضع خطة عملية لتطبيقه على الأرض قبل نهاية العام.

ولتقديم تحليلات معمقة حول هذه الأزمة، يُصدر المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية “دراية” ورقة بحثية يتم خلالها مناقشة بداية تأسيس حزب الله وصولاً للوضع الراهن وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، وموقف حزب الله من قرار نزع السلاح، فصلاً عن الإجابة عن تساؤلات متعلقة بقدرة الدولة اللبنانية على فرض هذا التوجه وتطبيقه على الأرض دون الانزلاق إلى حرب أهلية مفتوحة بين القوى المسلحة. 

هذا وقد توصلت الورقة إلى عدد من النتائج والتوصيات على النحو التالي:

  • لبنان يعيش أخطر مراحله، مهدداً باقتتال داخلي وعدوان خارجي.
  • القدرات الحالية للجيش اللبناني لا تمكنه من سد الفراغ الجيوسياسي والاستراتيجي الذي قد ينجم عن نزع سلاح حزب الله، ومن هنا فقد تقتضي المصلحة الوطنية ضرورة دمج مقاتلي وأسلحة حزب الله داخل الجيش اللبناني بما يعزز من قدرات الجيش.
  • سلاح حزب الله وُلد من رحم مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وظل درعاً للبنان منذ الثمانينيات وحتى اليوم.
  • رغم أن سلاح حزب الله لم يُستخدم ضد الداخل، إلا أن غالبية القوى السياسية اللبنانية تؤيد حصر السلاح بيد الدولة.
  • ورقة باراك تأتي استكمالاً للاستراتيجية الإسرائيلية، خاصة بعد تعهد نتنياهو، عقب أحداث “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، بتغيير وجه الشرق الأوسط.
  • رغم خسائره الكبيرة واغتيال كبار قادته وعلى رأسهم حسن نصر الله، فإن حزب الله لن يخضع بسهولة لاستراتيجية “نزع السلاح”.
  • ترسانة الحزب تضررت كثيراً، لكنها ما زالت قادرة على إيلام إسرائيل حال اندلاع مواجهة جديدة.
  • إيران ما زالت حاضرة بقوة في المشهد اللبناني وفي قرار حزب الله.
  • هناك توجه لبعض القوى الخليجية لدعم حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية مقابل حوافز اقتصادية وخطط لإعمار الجنوب.
  • نزع سلاح حزب الله جزء من ترتيبات إقليمية ودولية تقودها الولايات المتحدة والغرب.
  • حزب الله لن يُجبر على نزع سلاحه بالقوة.

أولاً: بدايات تأسيس حزب الله مطلع الثمانينيات

مع الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982، تشكلت قوة مقاومة من الطائفة الشيعية في الجنوب، واختلفت هذه القوى مع حركة “أمل” التي كانت تهيمن على المشهد الشيعي آنذاك. فانشقت مجموعة وأطلقت على نفسها اسم “الأمل الإسلامية”، وحصلت على دعم عسكري وتنظيمي كبير من الحرس الثوري الإيراني في سهل البقاع.

لاحقاً، غيّرت هذه المجموعة اسمها إلى “حزب الله”، وبدأت بشن هجمات ضد الجيش الإسرائيلي وحلفائه، جيش لبنان الجنوبي. ويُعتقد أنها كانت وراء تفجيري السفارة الأمريكية في بيروت ومقر قوات المارينز عام 1983، اللذين أوديا بحياة 258 أمريكياً و58 فرنسياً، ما أدى إلى انسحاب قوات حفظ السلام الغربية من لبنان.

في عام 1985 أعلن الحزب عن تأسيسه رسمياً عبر “الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين”، التي حدد فيها أهدافه بالقضاء على إسرائيل، وتمكين الشعب من تقرير مصيره بحرية، واختيار نظام الحكم الذي يريده، مع تأكيد التزامه بولاية الفقيه.

بعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، نص الاتفاق على نزع سلاح الميليشيات. لكن حزب الله رفض الامتثال، مقدماً نفسه كـ”قوة مقاومة إسلامية” ضد الاحتلال الإسرائيلي، فتم السماح له بالاحتفاظ بسلاحه تحت شعار “المقاومة”.

وبعد أن فرض الجيش السوري التهدئة ووقف الاقتتال في لبنان عام 1990، واصل حزب الله حرب العصابات في جنوب لبنان ضد القوات الإسرائيلية، كما دشن وجوده في الحياة السياسية اللبنانية. وفي عام 1992، استطاع حزب الله المشاركة في الانتخابات العامة في البلاد لأول مرة.

وبعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، نُسب الفضل إلى حزب الله في طرد القوات الإسرائيلية. ومجدداً، قاوم الحزب الضغوط المطالبة بنزع سلاحه، واستمر وجوده العسكري في جنوب لبنان بدعوى استمرار الوجود الإسرائيلي في مزارع شبعا وغيرها من المناطق المتنازع عليها.

وفي عام 2006، شن مسلحو حزب الله هجوماً عبر الحدود مع إسرائيل، أدى إلى مقتل ثمانية جنود إسرائيليين، وخطف اثنين آخرين، الأمر الذي أجج حرباً واسعة النطاق مع رد من جانب الجيش الإسرائيلي.

وقصفت الطائرات الإسرائيلية مواقع حزب الله في جنوب لبنان وجنوب بيروت، في حين أطلق حزب الله أربعة آلاف صاروخ تجاه إسرائيل. وقُتل أكثر من 1100 لبناني في هذه الحرب التي استمرت لمدة 34 يوماً، وكان أغلبهم من المدنيين، بحسب تقديرات منظمات حقوقية دولية. وبلغت الخسائر على الجانب الإسرائيلي 119 جندياً و45 مدنياً.

وتمكَّن حزب الله من الصمود في تلك الحرب، وتحقيق الانتصار بانسحاب إسرائيل من المواقع التي احتلّتها خلال الحرب في الجنوب اللبناني. واستمرّ الحزب في تطوير وتعزيز ترسانته من الأسلحة، وتجنيد المزيد من المقاتلين، بيد أنّ المنطقة الحدودية مع إسرائيل لم تشهد تصعيداً عسكرياً كبيراً، خاصة في ظل وجود دوريات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والجيش اللبناني.

إلى أن وقعت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وبدأت إسرائيل حربها ضد غزة، حيث تبنّى الحزب استراتيجية دعم ومساندة المقاومة فيما عُرف بـ وحدة الساحات، وذلك عبر قصف شمال إسرائيل بالصواريخ والمدفعية. وقد ظلّ هذا التصعيد مدروساً بين إسرائيل وحزب الله، إلى أن وقعت عمليات تفجير “البيجر” وما ترتّب عليها من اغتيال عدد كبير من قادة الحزب، ثم تلاها اغتيال الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله، فتوسّعت رقعة الحرب واندلعت مواجهة كبرى بين الحزب وإسرائيل.

وقد أطلق حزب الله على هذه المواجهة اسم عملية أولي البأس، فيما أسمتها إسرائيل السهام الشمالية، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين في 27 نوفمبر 2024 برعاية أمريكية.

ثانياً – اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل 2024 يؤسّس لمرحلة جديدة

خرج حزب الله من المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، والتي استمرّت لما يقرب من عام كامل، في وضعية غير مريحة، إذ نجحت إسرائيل في اغتيال كبار قادته على مدار تلك المواجهة، وفي مقدّمتهم الأمين العام الشيخ حسن نصر الله، بما يحمله من رمزية وثقل وحضور وتاريخ طويل في الصمود والمقاومة ضد إسرائيل. لقد شكّلت هذه الضربة قسمةً حقيقية لظهر الحزب معنويّاً وأمنيّاً وعسكريّاً وسياسيّاً، إذ غاب القائد والسيّد، وترك وراءه حزباً فقد أعظم قادته وأكثرهم حضوراً وحنكة وجماهيرية، ليس في لبنان وحده بل في محيطه العربي والإسلامي.

 

وبعد هذا التراجع، ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، بدأ الحزب بلملمة سلاحه والانسحاب إلى ما وراء نهر الليطاني، وفقاً لمقتضيات الاتفاق والمعطيات الجديدة التي باتت هي الحاكمة على أرض الواقع.

  دوافع قبول حزب الله الاتفاق

تتمثل دوافع قبول حزب الله اتفاقَ وقف إطلاق النار وفقا للشروط التى نص عليها الاتفاق  والتي كان يرفضها الحزب قبل ذلك ، والموافقة على فصل مسار الحرب في لبنان عن مسارها في غزة، في الخسائر الكبيرة التي تكبّدها خاصة في الشهور الأخيرة، وتحديدًا منذ أن اغتالت إسرائيل القائد العسكري للحزب فؤاد شكر في غارة جوية شنّتها على الضاحية الجنوبية لبيروت، في 30 يوليو 2024. ووجهت له ضربات مؤلمة بدأت بتفجير أجهزة البيجر واللاسلكي (توكي ووكي)، يومَي 17 و18 سبتمبر، ثم اغتيال قادة وحدة الرضوان في غارة جوية شنّتها في 20 من الشهر نفسه، قبل أن تطلق العنان لغارات جوية واسعة بلغت ذروتها باغتيال الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، في الضاحية الجنوبية، يوم 27 من الشهر نفسه، ثم تصفية القسم الأعظم من قيادات الصف الأول السياسية والعسكرية، وقطاع واسع من كوادره، وتدمير قسم كبير من ترسانة صواريخه الدقيقة البعيدة والمتوسطة المدى، فضلًا عن استهداف شبكة خدماته المالية والصحية والاجتماعية، والقصف الهمجي الذي شمل حاضنته الاجتماعية، بما في ذلك تدمير قرى بأكملها في جنوب لبنان، وأكثر من 400 بناية سكنية في الضاحية الجنوبية، وصولًا إلى البقاع، حيث يتركز أيضًا جزء مهمّ من بيئة الحزب الاجتماعية. دفع كل ذلك حزب الله، الذي صار وجوده مهددًا ليس فقط بصفته قوة عسكرية لها امتدادات ونشاطات إقليمية، بل أيضًا ضمن المعادلة الداخلية اللبنانية باعتباره التنظيم السياسي والعسكري الأبرز، إلى القبول بوقف إطلاق النار وفق الشروط التي فُرضت عليه.

ومن الخطأ الفادح الاستنتاج أن نتائج هذه الحرب تؤذن بنهاية حزب الله. لقد ضعف الحزب في السياق الإقليمي، وفي سياق المواجهة مع إسرائيل وتراجعت هيبته في لبنان نفسه، ولكنه ما زال قوة سياسية منظمة ومسلحة ذات قواعد شعبية يجدر أن يحسب لها حساب في الحياة السياسية اللبنانية، وقد ظهر ذلك في تشييع أمينه العام السابق حسن نصر الله، وفي مناسبات أخرى.

هذا ويواجه الحزب تحديات كبرى متعلقة بإعادة الإعمار ومعالجة آثار الحرب على جمهوره وكوادره، وإعادة الاعتبار لنفسه. وهذه مهمات عينية سيكون عليه أن يثبت استمراريته من خلالها، ولا تجيب عنها إعلانات الانتصار. لقد صمد الحزب واسترجع أنفاسه في قتال الأسابيع الأخيرة على نحو خاص، ولكنه لم ينتصر في هذه الحرب بأي تفسير للانتصار.

ثالثا – ماذا تبقى من سلاح حزب الله

في ظل هذا الحراك، يبرز سؤال عما تبقى لدى حزب الله من ترسانة بعد الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان والتي كبدت الحزب خسائر فادحة في قيادات الصف الأول لا سيما الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وكذلك بالعتاد، حيث استطاع الجيش الإسرائيلي استهداف الكثير من مخازن السلاح في جنوب لبنان حتى خلال الـ8 أشهر الماضية التي اعقبت اتفاق وقف إطلاق النار.

ترسانة حزب الله

قبل الحرب كان يمتلك حزب الله بحسب التقديرات نحو 150–200 ألف صاروخ وطائرات مسيرة.

وبحسب تقارير إسرائيلية خسر حزب الله بعد الحرب 80% من ترسانته الصاروخية وكذلك من طائراته المسيرة التي استخدمها بكثافة خلال الحرب مع إسرائيل.

وأشارت إلى أن ما تبقى لدى حزب الله اليوم، صواريخ قصيرة ومتوسطة، ومسيّرات، وأسلحة خفيفة.

ونقلت فرانس برس على لسان خبراء عسكريين تأكيدهم أن ترسانة الحزب تلقت خسائر فادحة جراء الحرب، إضافة إلى تفكيك أكثر من 500 موقع عسكري للحزب في جنوب لبنان على يد الجيش.

وما يزيد من تعقيد الموقف أمام حزب الله، تضاؤل إمكانية إعادة التسليح بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وتلقي طهران ضربة موجعة من قبل واشنطن وتل أبيب، وهو ما يساهم إلى حد كبير في تجفيف منابع تسليح الميليشيا.

وأما عن عدد جنود الحزب  فتشير التقديرات إلى امتلاكها أكثر من 100 ألف عنصر قبل الحرب الأخيرة، إلا أن الأرقام الرسمية تشير إلى مقتل أكثر من 4000 شخص خلال الحرب مع إسرائيل، أغلبهم من عناصر حزب الله ومن قيادات الصف الأول.

رابعا – هل يلجأ الجيش اللبناني للقوة لنزع سلاح “حزب الله”

أعاد قرار الحكومة اللبنانية بتكليف الجيش إعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة فتح أحد أعقد الملفات التي تراكمت منذ انتهاء الحرب الأهلية، وهو سلاح حزب الله.

هذا السلاح، الذي وُلد في رحم الاحتلال الإسرائيلي للجنوب في ثمانينيات القرن الماضي، وتحوّل لاحقا إلى قوة إقليمية تتجاوز حدود لبنان، يجد نفسه اليوم أمام امتحان غير مسبوق. فالقرار الحكومي جاء في سياق ضغوط أميركية متصاعدة، وحسابات إسرائيلية ترى اللحظة مناسبة للتخلص من خطر الحزب، ومواقف إيرانية تعتبر أن أي نقاش حول نزع السلاح هو استهداف مباشر لمعادلة الردع التي بنَتها طهران على مدى عقود.

حزب الله: رفض القرار والتهديد بالحرب الأهلية

منذ اللحظة الأولى لصدور قرار مجلس الوزراء بحصر السلاح بيد الدولة، سارع حزب الله إلى إعلان رفضه القاطع له، واعتبر أن القرار “غير ميثاقي” لأنه اتُّخذ دون توافق وطني، فيما انسحب وزراء حزب الله وحركة أمل من الجلسة الحكومية التي ناقشت نزع السلاح. وبهذا المعنى، رفض الحزب الاعتراف بشرعية القرار من أساسه، وصرح في بيان رسمي بأنه سيتعامل معه كأنه غير موجود. وساق على لسان أمينه العام نعيم قاسم عدة دوافع لرفض القرار، وهي تدور حول أربعة محاور رئيسية:

المحور الوطني الأمني: أصر الحزب على أن سلاحه هو الذي دفع إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان في عام 2000، ومنع جيش الاحتلال في عام 2024 من احتلال الجنوب بالكامل فضلا عن الوصول إلى بيروت. وشدد على أن إسرائيل لم تنسحب بعد وقف إطلاق النار الأخير بالكامل من الأراضي اللبنانية، فما زالت تحتل خمس تلال حاكمة بالجنوب، فيما غاراتها الجوية مستمرة، وبالتالي فإن الحديث عن تسليم السلاح في ظل هذا الواقع يُعدّ استسلاما مجانيا لإسرائيل.

المحور الطائفي الهوياتي: يعكس خطاب قادة الحزب -من نعيم قاسم إلى نواب كتلة “الوفاء”- قناعة متجذرة بأن السلاح يُمثِّل ضمانة وجودية للطائفة الشيعية. وفي هذا السياق، تتكرّر في أحاديثهم عبارة “التسليم يعني الانتحار” أو “تسليم الشرف”، لتقديم السلاح بوصفه حدّا فاصلا بين حياة الطائفة وموتها. مع استدلالهم بما حدث للعلويين في منطقة الساحل بسوريا، وللدروز في السويداء. ومن خلال هذا الخطاب، يحاول الحزب تحويل النقاش من كونه ملفا سياسيا عسكريا إلى كونه مسألة وجود وبقاء للطائفة الشيعية.

 

المحور الإقليمي الإستراتيجي: يشدد الحزب على أن الأوضاع في سوريا غير مستقرة، وأن المنطقة قد تدخل في فوضى لا تُبقي ولا تذر، كما يتخوف من إشارات المبعوث توم باراك بإلحاق لبنان بسوريا الجديدة. كذلك يدرك الحزب أن أي تفكيك لترسانته سيُضعف إيران في معادلة الردع الإقليمي، ويعتبر أن الضغط يندرج ضمن توجه عام بنزع سلاح الجماعات والمكونات المحسوبة على طهران، فالحشد الشعبي يتعرض لضغوط لإعادة هيكلته ودمجه داخل بنية القوات المسلحة العراقية، فيما تعمل إسرائيل على قضم مساحات واسعة من الجنوب السوري، وفرض معادلة إخلاء المنطقة الممتدة من جنوب دمشق إلى الجولان من أي سلاح ثقيل.

محور التشكيك في الضمانات الأميركية: يعتبر حزب الله أن أي تعويل على واشنطن هو وهم، لذا يقول نعيم قاسم: “مَن يراهن على الضمانات الأميركية واهم، فهذه الضمانات لا تُعطي أمانا للبنان ولا تحميه من العدوان، بل تُقدَّم فقط لحماية إسرائيل ومصالحها. نحن لا نثق بوعود أميركا، ولا نقبل أن نرهن مستقبل لبنان بضمانات أثبتت الوقائع أنها مجرّد حبر على ورق”.

وأشار قاسم إلى اقتصار تعهد باراك في مواجهة أي خروقات إسرائيلية بالحصول على إدانة من مجلس الأمن. وبهذا التشكيك يسعى الحزب إلى تعزيز شرعية رفضه للقرار الحكومي وتبرير تمسّكه بالسلاح باعتباره الضمانة الوحيدة لأمن لبنان، وخارجيا، توجيه رسالة بأن الضغوط الأميركية تستدرج لبنان لتسليم أوراق قوته بما يمهد لإضعافه في مواجهة الطموحات التوسعية الإسرائيلية.

 

خاتمة

الحكومة اللبنانية ومفترق الطرق

تقف الحكومة اللبنانية، بتركيبتها التكنوقراطية برئاسة نواف سلام، وقيادة الرئيس جوزيف عون، أمام منعطف جوهري: إما الامتثال للمطالب الأميركية والإقليمية شرطا لوقف اعتداءات إسرائيل والحصول على دعم من صندوق النقد والبنك الدولي ومن أطراف عربية، أو المخاطرة بالبقاء في عزلة مالية ودبلوماسية قد تعجّل بانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة.

وبجوار تلك الثنائية تبرز حسابات سياسية داخلية لا تقل أهمية، فالنخبة السياسية التي تتصدر المشهد الحكومي أرادت أن ترسل رسالة إلى الشارع اللبناني الغاضب من تردي الأوضاع بأنها تسعى لفرض هيبة الدولة، ورسالة ثانية إلى القوى المسيحية والسنية المناهضة لحزب الله بأنها غير خاضعة لفيتو الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل.

ولذلك حرص نواف سلام على استخدام خطاب سيادي مرتفع السقف خلال لقائه مع علي لاريجاني، أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، سعيا لتأكيد أن القرار اللبناني بات خارج دائرة الوصاية الإيرانية. لكن الحكومة تدرك في الوقت ذاته أن أي محاولة لفرض نزع سلاح الحزب بالقوة قد يقود إلى حرب أهلية. ومن هنا جاء تكليفها للجيش بصياغة خطة نزع السلاح، بما يفتح الباب للتفاوض مع الحزب وحركة أمل على الجدول الزمني والآليات.

………………………………………………

المراجع

 

اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله: الدوافع والتحديات

https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/hezbollah-israel-ceasefire-drivers-and-challenges.aspx

تفاصيل اتفاق وقف القتال بين إسرائيل وحزب الله بعد حرب 2024

https://www.ajnet.me/encyclopedia/2024/11/27/%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86

 

كيف نشأ حزب الله اللبناني وما كان دور حسن نصر الله فيه؟

https://www.bbc.com/arabic/articles/c4gq448lydeo

 

نزع سلاح حزب الله ابرز المواقف الداخلية والدولية

https://www.eremnews.com/news/arab-world/eg3qdqq

 

الورقة الأمريكية: كل ما يجب معرفته عن خطة نزع سلاح حزب الله

https://www.bbc.com/arabic/articles/c627zld10y0o

 

حصر السلاح بيد الدولة.. قرار حكومة لبنان يواجه تحديات عدة

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1817161-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%94%D9%85%D8%A7%D9%85-%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%B1%D9%82-%D8%B7%D8%B1%D9%82-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%81%D8%A9

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى