المركز الاعلامىمقالات

الثقافة بين الاستمرارية والاغتراب: عدالة القيم وشرط البقاء الاجتماعي

بقلم أ. عماد خالد رحمة

تُعد الثقافة إطارًا حيويًا يوجّه السلوك الإنساني ويُنظّم الحياة الجماعية، فهي ليست مجرد زخرفة فكرية أو رفاهية تعليمية، بل منظومة من الرموز والقيم والممارسات التي تشكّل وعي الإنسان وهويته. إلا أنّ الثقافة، حين تُغلق على نفسها وتتجاهل حاجات المجتمع الكبرى، وتترك أفراده غير راضين، تفقد شرعيتها الأخلاقية والاجتماعية، وتصبح عرضة للتمرد الجماعي والاغتراب.
كما أشار أنطونيو غرامشي: “الثقافة ليست ترفًا، بل هي تنظيم للحياة واستيعاب للوجود” (Gramsci, 1971). وعليه، تصبح دراسة شروط استمرارية الثقافة مسألة مركزية لفهم العلاقة بين الإنسان والمجتمع والنظام القيمي الذي يحتضنه.
-أولا: الثقافة كضمانة للاستقرار الاجتماعي
تعمل الثقافة كحلقة وصل بين الفرد والمجتمع، فهي تبني هوية مشتركة وتخلق إحساسًا بالانتماء. الدراسات السوسيولوجية تؤكد أنّ الثقافة الشاملة تدعم العدالة، وتغذّي الروح، وتستجيب للغريزة الإنسانية في البحث عن المعنى، فتقوي النسيج الاجتماعي وتمنح المجتمعات القدرة على الاستمرارية.
على النقيض، الثقافة التي تُغلق على نخبة صغيرة أو تُهمش الأغلبية تتحول إلى أداة استبعاد وقمع. ميشيل فوكو يرى أن كل نظام ثقافي يمتلك آليات لإنتاج السلطة وإعادة إنتاجها عبر المعرفة، ما يوضح كيف يمكن للثقافة أن تُستَخدم لأغراض السيطرة بدل التحرير.
ثانيا: الاغتراب الثقافي وفقدان الشرعية
الاغتراب الثقافي يحدث عندما تنفصل الثقافة عن الاحتياجات الملموسة للمجتمع، ويشعر الأفراد بأن قيمها لا تمثلهم ولا تلبي رغباتهم الأساسية. كما لاحظ كارل ماركس: “الإنسان يحدد وعيه بحسب ظروف وجوده”، وما لم تُلبَّ هذه الظروف، تتحول الثقافة إلى غلاف فارغ، لا يستحق الاستمرار.
الاغتراب يتجلى في ظاهرة التمرد الجماعي، والهروب من الرموز التي يفترض أن تغذي الهوية، وفي زيادة السخط الاجتماعي على المؤسسات الثقافية والتعليمية. الإنسان غير الراضٍي عن ثقافته يبحث عن بدائل، سواء عبر الابتكار الفردي أو الحركات الجماعية المضادة.
-ثالثا: معايير استمرارية الثقافة
لضمان بقاء الثقافة، يجب أن تلبي ثلاثة شروط رئيسية:
1. العدالة والكرامة الإنسانية: فالثقافة التي تغفل تمكين الإنسان من العيش الكريم تفقد مصداقيتها.
2. الشمولية والتمثيل: يجب أن تشمل الثقافة مختلف طبقات المجتمع، ولا تكون حكراً على نخبة محددة.
3. القدرة على التكيف والتجديد: الثقافة القابلة للتجدد تستطيع مواجهة تحديات العصر والتغيرات الاجتماعية والسياسية، بينما الثقافة الجامدة تتحول إلى عقبة أمام التطور.
هنا يبرز صدى أفكار هانا أرندت، التي أكدت أنّ الثقافة الحية تحافظ على الحوار بين الأجيال وتضمن مشاركة الإنسان في صياغة عالمه .
-رابعا: الثقافة أداة مواجهة التمرد والاغتراب
عندما تُدار الثقافة وفق هذه المعايير، تصبح أداة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومواجهة الاغتراب. إدراك الروابط بين الثقافة والعدالة يمكّن المجتمع من تحويل السخط إلى مشاركة بنّاءة.
نيتشه أشار إلى أنّ “الروح لا تزدهر في بيئة تخلو من الصدق مع نفسها” (Nietzsche, 1886)، وبالتالي الثقافة التي تحترم حاجات الإنسان وتستجيب لتطلعاته تمنحه معنىً وتكسر دورة التمرد، فتصبح ممارسة مستمرة للحياة، لا مجرد إرث جامد.
-خاتمة:
الثقافة ليست مجرد منظومة رمزية، بل مرآة الواقع الاجتماعي وروح الأمة. إن ترك المجتمع غير راضٍ ودفع أفراده إلى التمرد يكشف فشل الثقافة في أداء وظيفتها الأساسية، ويجعل استمرارها مستحيلاً. الشرط الأول لوجود الثقافة هو العدالة، الكرامة، الشمولية، والقدرة على التجدد، وإلا فإنها تصبح قشرة فارغة تغطي فراغًا عميقًا، وتتحول من صانعة للتاريخ إلى عبءٍ عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى