غير مصنف

الخليج تحت المظلة الأمريكية: دروس العدوان على قطر وحدود الحماية

مقدمة
جاءت ضربة إسرائيل الغادرة على الدوحة دولة الوساطة كالصاعقة؛ فقطر لم يشفع لها كل ما قدمته وتقدمه من أدوار وظيفية مرسومة بمنتهى الدقة والعناية والحسم من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تجاه ملفات غاية في الأهمية الجيوسياسية. لم يشفع لها أيضًا علاقاتها الحميمية مع قادة إسرائيل منذ التسعينيات من القرن الماضي وحتى الآن، فكانت الدوحة على موعد مع هجمات إسرائيلية مباغتة أصابت الجميع بالصدمة والدهشة، قبل أن تصيب فيلّا سكنية كان يجتمع فيها نخبة الصف الأول من قادة حماس، في مقدمتهم خليل الحيّة رئيس المكتب السياسي للحركة في الخارج، حيث كانوا في اجتماع عاجل لمناقشة الرد السريع على مبادرة الرئيس الأمريكي ترامب لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين لدى الحركة في القطاع المنكوب.
الغارة المباغتة نجا منها غالبية قادة حماس، إلا قلةً ممن كانوا في مرمى الصواريخ الإسرائيلية، حيث استشهد خمسة فلسطينيين وقطري واحد، وهم: هُمام نجل كبير مفاوضي الحركة خليل الحيّة، ومدير مكتبه جهاد لبّاد، إضافةً إلى مرافقيه أحمد مملوك وعبد الله عبد الواحد ومؤمن حسّون.
كما قُتل الوكيل عريف القطري بدر سعد محمد الحميدي الدوسري، وهو أول قطري، بل وخليجي، تقتله إسرائيل في تحول صادم ومربك، كاشفٍ لوجه إسرائيل ومن ورائها أمريكا ونواياها الحقيقية تجاه الحليف قبل العدو.
نفذت إسرائيل هجومها على قطر بمقاتلات حربية انطلقت من قواعدها في الأراضي المحتلة، وقطعت آلاف الكيلومترات فوق المجالات الجوية السورية والأردنية والسعودية والعراقية، من دون أن تكشفها رادارات أو أجهزة الدفاع الجوي في تلك الدول. وقد تزودت بالوقود من طائرات بريطانية أقلعت من قاعدة العديد في قطر، في مفارقة أخرى تزيد من عمق الأزمة وحجم الصدمة.
قاعدة العديد الأمريكية في قطر، وهي واحدة من أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة والمقامة على الأراضي القطرية، لم تحرك ساكنًا لصد هذا الهجوم، بل سهّلت ودعمت العملية الإسرائيلية على الأراضي القطرية. وهو تحول مزلزل، صادم وكاشف: كيف للقواعد الأمريكية التي وُجدت للدفاع والحماية مقابل مليارات الدولارات أن تتحول إلى “مخلب قط” يهدد أمن واستقرار دول المنطقة؟
إن المشهد وتداعياته يكشفان عن انقلاب جيواستراتيجي في خريطة التحالفات بالمنطقة.
لمناقشة تلك التفاصيل والتداعيات يصدر المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية “دراية” ورقة بحثية، يتم خلالها رصد أبعاد الفعل الإسرائيلي ودوافعه الخفية، وانعكاساته على مفهوم أمن الخليج ومستقبل القواعد الأمريكية وتواجدها، واستراتيجية الحماية والرعاية الأمريكية للدول الخليجية، وما يمكن أن يحدثه هذا العدوان من تأثيرات على خطط وخيارات وتحالفات الدول الخليجية مع القوى الكبرى والفاعلة في المنطقة والعالم.

وقد خلصت هذه الورقة البحثية إلى عدد من النتائج والتوصيات، من أبرزها:
1- أن الضربة الإسرائيلية على قطر جاءت بعلم الولايات المتحدة الأمريكية وموافقتها، حتى وإن حاولت إدارة ترامب تبني رواية مغايرة لذلك.
2- أن الغارة أظهرت حجم تغلغل سياسات اليمين المتطرف في إسرائيل بقيادة نتنياهو على قناعات وقرارات إدارة ترامب.
3- أن الهجوم على الدوحة يعكس الطبيعة العدوانية للنوايا الإسرائيلية تجاه مختلف الدول العربية.
4- أن هذه العملية كشفت هشاشة “الاتفاقيات الإبراهيمية” التي أبرمتها بعض دول الخليج مع تل أبيب.
5- أن استهداف مقر إقامة قادة حماس المفاوضين أوضح بجلاء رفض إسرائيل لخيار التسوية السلمية.
6- أن قتل المفاوض واستهداف الوسيط برعاية أمريكية يقوّضان فرص التسوية ويفتحان الباب واسعاً أمام حالة من الفوضى.
7- أن الغارة الإسرائيلية على قطر أثارت موجة عارمة من الغضب في الدول العربية والإسلامية.
8- أن هذا الهجوم زعزع ثقة دول الخليج في المظلة الأمريكية كضامن لأمنها.
9- أن العملية أثارت تساؤلات جوهرية حول جدوى القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج.
10- أن الهجوم دفع دول الخليج إلى التفكير في البحث عن مظلات ردع بديلة بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
……………….

أولا- نظرة تاريخية على أمن الخليج ومدى ارتباطه بالقواعد العسكرية الامريكية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحولت منطقة الخليج العربي إلى مسرحٍ مفتوح لصراعات النفوذ بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. فالمنطقة ليست مجرد تجمع لدول تطل على “مياه دافئة”، وإنما تختزن أكثر من نصف احتياطي النفط العالمي وتتحكم في أهم الممرات البحرية الاستراتيجية، ما جعلها قلب الأمن القومي الأمريكي ومركز اهتمامه السياسي والعسكري.

القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لم تُبنَ فقط لحماية النفط أو خطوط الملاحة، بل جاءت كأداة لإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط. إنها بمثابة ذراع استراتيجية ممتدة من واشنطن إلى قلب المنطقة، تحكم حركة التجارة وتفرض وصايتها الأمنية على الدول المضيفة.
جذور الظاهرة.. من الحرب الباردة إلى “الحرب على الإرهاب”

الوجود الأمريكي في الخليج لم يكن طارئًا، بل تبلور منذ خمسينيات القرن الماضي، مع إدراك واشنطن أن بقاء أوروبا واليابان والصين مرتبط بتدفق نفط الخليج.
“لقد أدركت الولايات المتحدة أن من يسيطر على الخليج يسيطر فعليًا على النظام الدولي بأسره. لذلك تحولت المنطقة إلى ما يشبه الامتداد الطبيعي للأمن القومي الأمريكي، تمامًا كما كان البحر الكاريبي امتدادًا لنفوذها في القرن التاسع عشر.”
بعد أحداث 11 سبتمبر، اتخذت القواعد العسكرية بعدًا جديدًا، إذ تحولت من مجرد مواقع لوجستية إلى مراكز عمليات رئيسية في “الحرب على الإرهاب”. ومن أبوغريب في العراق إلى غوانتانامو في كوبا، ارتبط اسم القواعد الأمريكية بانتهاكات حقوق الإنسان، ما أثار موجات غضب عالمية وشكوكًا حول شرعية هذا الانتشار.

**خريطة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج:

تحتفظ واشنطن بانتشار واسع يمتد عبر البحرين وقطر والكويت والسعودية والإمارات وعُمان، حيث تتنوع الأدوار بين مقرات قيادية (مثل الأسطول الخامس في البحرين)، ومستودعات لوجستية (مثل السيلية في قطر)، وقواعد جوية استراتيجية (مثل العديد والظفرة ومصيرة).
هذه القواعد ليست مجرد نقاط ارتكاز عسكرية، بل منظومة متكاملة تُدار بذكاء أمريكي. إنها تشكل شبكة أمان تحمي مصالح واشنطن الاقتصادية والسياسية، لكنها في الوقت نفسه تُبقي دول الخليج في دائرة اعتماد أمني كامل على الولايات المتحدة.”

**القواعد العسكرية الامريكية فى الخليج حماية أم ابتزاز؟

واشنطن تبرر وجودها العسكري في الخليج بذريعة حماية حرية الملاحة وضمان استقرار أسواق الطاقة. لكن
“الحقيقة تقول أن هذه القواعد تحولت إلى وسيلة ضغط وابتزاز سياسي واقتصادي. الدولة المضيفة قد تجد نفسها رهينة وجود هذه القوات، فهي مكبلة باتفاقيات طويلة الأمد، وفي الوقت ذاته معرضة لأن تصبح هدفًا مباشرًا في حال نشوب صراع مع إيران أو قوى أخرى.”
وقد تجلى ذلك مؤخرًا في استهداف إيران لقاعدة العديد في قطر خلال حرب “طوفان الأقصى 2025″، رغم العلاقات الدبلوماسية الودية بين طهران والدوحة، ثم الغارة الاسرائيلية على قطر مؤخرا وهو ما يثبت أن “القواعد الأجنبية ليست ضمانًا للأمن بقدر ما هي بوابة لاستدعاء المخاطر.”
غير أنّ “المأساة” تكمن في أنّ دول الخليج لا تملك بديلاً فعّالاً عن الضمانة الأميركية، فيما لا تزال المبادرات الدفاعية المحلية قيد التنفيذ كما أنّ الاعتماد على الولايات المتحدة متجذر بعمق “ومن الصعب التخلص منه”.

ثانيا – بعد الهجوم الاسرائيلى على قطر هل تتحول مظلة حماية الخليج من أمريكا إلى وجهات أخرى

رغم ما يشوب التحالف بين الولايات المتحدة وبعض دول الخليج أحياناً من توتر هنا وهناك، تظل العلاقة بين الطرفين قوية وراسخة في مواجهة أي تقلبات إقليمية. لكن، بعد القصف الإسرائيلي الذي استهدف اجتماعاً لقادة حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، أطلت الكثير من التساؤلات برأسها عن مستقبل العلاقات بين واشنطن ودول الخليج في مجملها، وكذلك عن الطرق التي قد تسلكها قطر للرد على هجوم أودى بحياة بضعة أشخاص، بينهم نجل خليل الحية أحد قادة حماس، وكذلك أحد أفراد الأمن القطري.
المتابع لتطورات الاوضاع وما أحدثته الضربة الاسرائيلية لقطر فى تاريخ التعاون الاستراتيجى بين الولايات المتحدة الامريكية ودول الخليج ، يرى أن التحالف الأمريكي الخليجي “يمر بمرحلة تاريخية حرجة لم يمر بها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية” وأن الأزمات في الشرق الأوسط أثبتت أن الولايات المتحدة “ليست حليفاً أمنياً موثوقاً ولا يمكن الاعتماد عليه في الوقت الصعب” خاصة في ظل سياسة “أمريكا أولاً” التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب. ويرى أن دول الخليج قد تلجأ للمزيد من سياسات التحوط “باستخدام تنافس القوى العظمى للتقارب مع روسيا وإيران” والدفع باتجاه نظام عالمي متعدد الأقطاب “لا يعتمد فقط على “الهيمنة الأمريكية “.
لكن ماهى البدائل الفعلية والواقعية التى يمكن أن توفر منظومة أمن جماعي خليجي دون التخلي المطلق عن التحالف الأمريكي .

**السعودية تقرر التوقيع على اتفاقية للدفاع المشترك بينها وباكستان
سريعًا، وكردّ فعل عملي وحاسم على حالة السلبية والتراخي، بل والتواطؤ الأمريكي تجاه أمن الخليج، أعلنت المملكة العربية السعودية توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان. ويُعد هذا التطور النوعي واللافت تتويجًا لعلاقات مميزة وممتدة بين الرياض وإسلام آباد، وليس وليد اللحظة الراهنة. فقد كانت السعودية على مدى عقود داعمًا رئيسيًا لباكستان، خاصة على الصعيد الاقتصادي، كما لعبت دورًا محوريًا في مساندة برنامجها النووي منذ بداياته وحتى نجاح إسلام آباد في امتلاك القنبلة النووية عام 1998، والتي عُرفت آنذاك بـ”القنبلة النووية الإسلامية”. واليوم، يأتي توقيع الاتفاقية ليجسد ردّ الجميل، ويؤكد على أن أي اعتداء على أحد طرفيها سيُعتبر اعتداءً مباشرًا على الطرفين معًا، بما يعزز من معادلات الردع ويعيد رسم التوازنات الأمنية في المنطقة.
عبارة قصيرة كتبها وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان في ساعة متأخرة من الليل اختزلت تاريخًا طويلًا من العلاقات السعودية الباكستانية، فبعد توقيع الاتفاقية الدفاعية الاستراتيجية مع باكستان، كتب الأمير خالد بن سلمان على منصة إكس: “السعودية وباكستان في صفٍ واحدٍ ضد المعتدي.. دائمًا وأبدًا”.
لم تكن هذه مجرد كلمات، بل مفاتيح فهم لحدث يتجاوز كونه اتفاقًا رسميًا، ليصبح رمزًا حضاريًا وتاريخيًا. إنها ليست اتفاقية دفاع فقط، بل إعلان عن مصيرٍ مشترك، يقوم على صداقة اجتازت تصاريف الزمن.
الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي المشترك بين باكستان والسعودية نص على” أن أي اعتداء على أحد البلدين يُعد اعتداءً على كليهما”، أي أن تهديد حدود أحدهما يُنظر إليه كخطر على كيان الآخر.
وكالة رويترز وصفت هذا الاتفاق بأنه امتداد مؤسسي لعقود من العلاقات الدفاعية، مؤكدة أنه لم يأتِ كرد فعل على واقعة بعينها، بل ثمرة مشاورات عميقة وطويلة. وفي الوقت الذي تعمق فيه السعودية علاقاتها الاستراتيجية مع باكستان، فإنها في ذات الوقت تحافظ على علاقات اقتصادية قوية مع الهند، في خطوة تعكس مرونة دبلوماسيتها.
واشنطن بوست وأسوشييتد برس أشارتا إلى البيان المشترك الذي شدد على أن أي عدوان على أحد الطرفين يُعتبر عدوانًا على كليهما، مؤكدين أن هذا يأتي في إطار توسيع التعاون الدفاعي.
أما فايننشال تايمز، فرأت في الاتفاق مؤشرًا على توجه دول الخليج نحو إدارة أمنها الإقليمي ذاتيًا بعيدًا عن الاعتماد على قوة واحدة، وأشارت إلى أن السعودية عملت لأكثر من عام على هذا الإطار، متمسكة في ذات الوقت بسياسة عدم انتشار الأسلحة النووية.
بلومبرغ وصفت الاتفاق بأنه خطوة إلى مستوى جديد من التعاون الدفاعي، إذ لم يعد الهجوم على بلدٍ واحد فقط، بل على تحالف بأكمله، والرد كذلك سيكون مشتركًا، وهذا المعنى ردده الإعلام الباكستاني الرسمي أيضًا، حيث وصفت إذاعة باكستان الاتفاق بأنه علامة فارقة في تاريخ العلاقات الدفاعية الثنائية.
أما صحيفة دون الباكستانية، فقد أبرزت الحدث على صفحتها الأولى، موضحة أن رئيس الوزراء شهباز شريف وولي العهد الأمير محمد بن سلمان وضعا إطارًا يجعل مبدأ (الاعتداء على أحدهما هو اعتداء على كليهما) ذا طابع قانوني، وفي تحليلات باكستانية أخرى رأى الخبراء أن هذه الخطوة ليست مفاجئة بل تطور طبيعي لتعاون عسكري طويل، نتج عنه تدريبات ومناورات مشتركة.
وفي الإعلام السعودي، لم يُقدم الاتفاق كخبر عابر، بل كرمز. فقد غطت القنوات الاخبارية السعودية الحدث بإبراز مشاهد أضواء خضراء وبيضاء على أبراج الرياض، مع تأكيد في البيان الرسمي أن التوقيع تم في ختام الزيارة، بما يحمل رسالة جدية: السعودية وباكستان سيكتبان معًا قصة أمنٍ مشترك.
الواقع أن هذا الاتفاق ليس مجرد صفحة جديدة، بل فصل جديد في كتاب التاريخ. فصلٌ تُنسج فيه خطوط الدفاع بين السعودية وباكستان كخيوط مصيرٍ مشترك، وعندما يقول وزير الدفاع السعودي: “إننا في صف واحد”، فإنها ليست عبارة إنشائية، بل عهدٌ قانوني وأخلاقي وإداري، عهد بدأ يُكتب بالحبر، ويوشك أن ينفذ بالفعل.
ثالثا – هل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان هى اولى خطوات الناتو الاسلامى
عقب العدوان الاسرائيلى على قطر استضافت الدوحة قمة عربية إسلامية طارئة دعت اليها للرد على هذا العدوان وتوحيد جهود العالم الإسلامي والعربي لمواجهة العربدة الاسرائيلية التى تتسع رقعتها يوما بعد يوم فى المنطقة العربية من غزة والضفة الغربية الى اليمن ومن سوريا الى لبنان ثم الى قطر، غير مهتمة بأى قوانين او قواعد دولية وهو الامر الذى حذر منه القادة المجتمعون من أن إسرائيل تسعى الى فرض الهيمنة بقوة السلاح لاحداث فوضى عارمة بالمنطقة، وفى مواجهة ذلك تعالت الأصوات بإعادة إحياء المبادرة التى دعا اليها الرئيس السيسى فى عام 2015 بإنشاء قوة عربية مشتركة لمواجهة التحديات حيث يسعى الرئيس عبد الفتاح السيسي لاستعادة دعم الموقف العربي لإطلاق قوة عربية مشتركة على غرار حلف شمال الأطلسي (ناتو)، تكون قادرة على التحرك لحماية أي دولة عربية تتعرّض لاعتداء وفي هذا الإطار، تعمل مصر، عبر أذرعها العسكرية، على صياغة مقترحات لآلية عمل القوة تتيح استخدامها عند مقتضى الضرورة، وتشكيلها بما يتناسب مع التعداد السكاني للدول العربية وقواتها المسلحة، مع مراعاة التوازنات الإقليمية والسياسية في التشكيل، سواء بالنسبة إلى إشراك عسكريين من دول مثل المغرب والجزائر، أو تقاسم مناصب القيادة؛ إذ تريد القاهرة الاحتفاظ بالقيادة الأولى مقابل منح المنصب الثاني للسعودية أو لإحدى دول الخليج»، وفقاً للمسؤوللين.
وبينما تقترح مصر إشراك نحو 20 ألف مقاتل من جيشها في القوة العسكرية المشتركة، فهي تسعى إلى الاستفادة من هذا المقترح في تسريع وتيرة تطوير وتزويد جيشها بأحدث الأسلحة، مع افتراض أن يكون قائد القوة رئيس أركان الجيش المصري أو ضابطاً برتبة فريق (أعلى الرتب العسكرية في الجيش المصري).
وتتواصل المشاورات العربية بشأن هذا التشكيل، خصوصاً مع السعودية التي ستكون في المرتبة الثانية من حيث عدد القوات المشاركة في القوة في حال تشكّلها.
وفي الوقت نفسه، يتشارك الدبلوماسيون المعنيون بصياغة إطار هذه القوة، الاعتقاد بوجوب تجنّب أن يتحوّل تشكيلها إلى إعلان حرب عربية على إسرائيل، قد تتخذ منه بعض الدول ذريعةً للانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع تل أبيب.
غير أن ثمة عوائق تنفيذية لا تزال أمام المقترح في حال تشكيل هذه القوة، أبرزها توقيت تدخّلها وآلية تفعيلها.
وقد جاءت اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية وحديث وزير الدفاع الباكيتان خواجة محمد آصف حول أهمية إنشاء قوة إسلامية لمواجهة التحديات لتؤكد على أن ثمة اتصالات وتنسيقات تجرى فى الكواليس بين مصر وباكستان والسعودية وتركيا لبلورة مظلة أمنية دفاعية رادعة قد تأخد في البداية شكل تحالفات ثنائية كما حدث بين السعودية وباكستان ثم تتوالى هذه الاتفاقيات للوصول الى شكل تحالف إسلامي عربي لمواجهة التحديات.

خاتمة:
لاشك أن العملية العسكرية التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة في التاسع من سبتمبر 2025 شكّلت نقطة تحوّل كبرى وجوهرية في تاريخ أمن الخليج والأمن الجماعي العربي. فقد تزعزعت ثقة الدول الخليجية في الولايات المتحدة الأمريكية، وبات يُنظر إلى الوجود الأمريكي في المنطقة باعتباره مصدرًا للخطر أكثر منه مظلة للحماية والدفاع عن مصالح تلك الدول. وللمرة الأولى منذ عقود أصبح الوجود الأمريكي مهدَّدًا وغير مرحّب به، ليس فقط على مستوى الرأي العام، بل حتى في أروقة صُنّاع القرار، وإن لم يُعلن ذلك بشكل صريح.
الهجوم الإسرائيلي على قطر خلق مناخًا من المخاوف العميقة، ودفع الجميع إلى البحث عن مظلات أمنية بديلة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الاتفاق السريع الذي جرى التوقيع عليه بين المملكة العربية السعودية وباكستان، والذي يضع للمرة الأولى السعودية تحت مظلة الردع النووي الباكستاني. يُعد هذا التطور الجيوستراتيجي بالغ الأهمية رسالة شديدة الصرامة من الرياض إلى واشنطن، مفادها أن أمن الخليج خط أحمر لا يمكن تركه عرضة للعبث أو الابتزاز من قبل إسرائيل أو غيرها.

…………

المراجع
القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج العربي.. أداة هيمنة أم مظلة أمنية
https://www.asianewslb.com/?page=article&id=186079
مصر تسعى لإطلاق قوة عربية مشتركة على غرار حلف الناتو
https://www.maannews.net/news/2146918.html

بعد استهداف قطر.. هل باتت مظلة الأمن الأميركية حبرا على ورق؟
https://www.ajnet.me/politics/2025/9/10/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D8%B3%D8

هل يلقي الهجوم الإسرائيلي على قطر بظلاله على التحالف الأمريكي الخليجي؟
https://www.bbc.com/arabic/articles/c1edzg460elo
القواعد الأمريكية في الخليج: ماذا نعرف عنها؟
https://www.bbc.com/arabic/articles/cj4vndrdyqgo
بعد هجوم الدوحة.. هل تسعى إسرائيل لإحداث فوضى إقليمية؟
https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1820370-%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى