عبرت.. فستعبر دائما: ملحمة أكتوبر ونبض الأمل في عروق المصريين
بقلم د. محمد ممدوح

ها هو أكتوبر يعود إلينا مرة أخرى، حاملاً في ثناياه عبق النصر وعبقرية الإرادة ليس مجرد ذكرى عابرة على صفحات التقويم، بل هو نبض يتجدد في شرايين الأمة، وشعلة تضيء دروب الأمل في لحظات الظلام ففي هذا العام 2025، نحتفي بالذكرى الثانية والخمسين لملحمة العبور العظيم 6 اكتوبر 1973، التي تظل نبراسا يهتدي به كل مصري مؤمناً بأن المستحيل ليست في قاموس هذا الشعب ، وأن التحديات، مهما عظمت، هي محطات عبور وليست نهاية المطاف.
جاءت ملحمة أكتوبر 1973 لترسم بأحرف من نور دروساً في البطولة والتضحية والإيمان لم تكن معركة عسكرية فحسب، بل كانت معجزة نفسية أعادت تشكيل الوعي المصري والعربي، وردت الاعتبار للعرب والمصرين بعد أن شلت إرادته كانت بطولة الجندي الذي اقتحم أعظم حصون منيعة بإيمانه، وبطولة الطيار الذي حطم أسطورة التفوق الجوي للعدو بشجاعته، وبطولة المهندس الذي حول مياه القناة والساتر الترابي إلى حليف في معركة التحرير لقد أثبت المصريون في ذلك اليوم المجيد أنهم أحفاد بناة الأهرامات، وأن روح “أحمس” الذي طرد الغزاة، و”سعد زغلول” الذي قاد الثورة ضد المحتل ، و”صلاح الدين” الذي حرر القدس، ما تزال تسري في دماء الأجيال إنها البطولة المتجددة عبر العصور، التي تظهر في أبهى صورها حين تشتد المخاطر والتحديات.
واليوم، ونحن نعيش في بحر مضطرب، حيث تموج منطقة الشرق الأوسط بالأزمات والتحديات، وتشتعل حدود مصر من كل جانب، تأتي ذكرى أكتوبر لتعطينا جرعة أمل قوية إنها تذكرنا بأن هذا الشعب الذي استطاع أن يحقق المعجزة العسكرية في أصعب الظروف، قادر بعزيمته وإصراره على عبور تحديات الحاضر لقد شهدت السنوات الماضية، رغم كل الصعاب، معجزات أخرى في بناء الوطن.
ففي مجال الطاقة، تحولنا من عجز مظلم إلى فائض مضيء، وأصبحت مصر تتصدر خريطة الطاقة في المنطقة وشبكة الطرق العملاقة التي تربط أرجاء البلاد، مثل الطريق الدائري ومشروع محور روض الفرج، فهي ليست مجرد أسفلت وإسمنت، بل هي شرايين حياة تنقل الأمل والتنمية.
ويأتي تطوير الموانىء، مثل شرق بورسعيد والعين السخنة، ليجعل مصر على خارطة الخدمات الوجستيا عالميا. وقناة السويس، شريان الخير والعزة، شهدت قفزة تاريخية بمشروع التفريعة الجديدة وتطوير الملاحة، لتؤكد أن إرادة المصريين قادرة على تحريك الجبال وامتدت يد البناء لتصل إلى زيادة الرقعة الزراعية، وتحديث شبكات الري، وإيصال مياه النيل العذب إلى أرض سيناء الحبيبة، في مشروع هو استكمال لملحمة العبور، لتحويل الصحراء إلى جنة خضراء كل هذه الإنجازات هي شهادات حية على أن “عبور المستحيل” ليس شعارا نرفعه في أكتوبر فقط، بل هو منهج حياة نعيشه كل يوم.
ولم يتوقف العطاء عند هذا الحد، فالجيش المصري العظيم، حصن الأمة وسيفها المسلول، يستمر في تحديث وتطوير ترسانته ليظل رقماً صعباً في معادلة المنطقة.
نعم، لا ننكر أن هناك أوضاعاً داخلية ما تزال تشكل تحدياً وتلقي بظلالها على حياتنا اليومية فغلاء الأسعار، والبطالة، والتضخم، هي معارك نعيشها في حياتنا، وتسبب ضغوطاً حقيقية على كاهل كل أسرة مصرية ولكن، كما واجه أجدادنا الفراعنة شح النيل وبنوا الحضارة، وكما واجه أبطال أكتوبر خط بارليف وهدموه، فإن هذا الشعب الصامد قادر بعون الله ثم بتماسكه وإرادته، وبالخطط الوطنية الطموحة، على عبور هذه التحديات أيضا ولاشك إن التماسك بين الشعب وجيشه هو السلاح الأقوى، وهو الضمانة الحقيقية لاستكمال مسيرة البناء وتحقيق أهداف الجمهورية الجديدة.
وبينما نحتفي بذكرى النصر، فإننا لا ننظر إلى الماضي لنعيش على أمجاده فقط، بل نستلهم منه الطاقة للمستقبل إن رسالة أكتوبر الدائمة لكل مصري ومصرية هي:
أنتم قادرون …قادرون على البناء كما كنتم قادرين على القتال، قادرون على الإبداع كما كنتم قادرين على التضحية، وقادرون على صنع الغد المشرق كما صنعتم مجد الأمس فكل تحية إجلال وإكبار للشعب المصري العظيم، وكل تحية تقدير ووفاء للجيش المصري الباسل، ورجال الأجهزة الأمنية، حماة حصون الوطن دمتم يا مصر شامخة، وعاشت مصر حرة أبية، ودام نصر أكتوبر شاهدا على أن إرادة الشعوب أقوى من كل الصعاب.


