
نحتفل هذه الأيام بالذكرى الثانية والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، تلك الملحمة التاريخية التي توحّد فيها الجهد العربي واكتمل فيها الدعم للجبهتين المصرية والسورية، فعاد الاعتبار والكرامة للأمة العربية، وانتصر القرار العربي والإرادة المصرية على إسرائيل، ذلك الكيان اللقيط الذي زُرع عنوة في جسد الأمة العربية كقاعدة عسكرية متقدمة للغرب في المنطقة.
غير أن احتفالنا هذا العام يأتي في وقت تمر فيه الأمة العربية بمتغيرات جسيمة، بدأت شرارتها الكبرى مع عملية “طوفان الأقصى” وما تبعها من عدوان إسرائيلي همجي على قطاع غزة، حوّله خلال عامين كاملين إلى ركام وأشلاء، واستهدف الحجر والشجر والإنسان والحيوان، الصغير والكبير. إنها حرب وُصفت بأنها أقذر حرب عرفها التاريخ الإنساني الحديث، انتهكت فيها كل القوانين الدولية وسُحقت فيها كرامة الإنسانية، بينما وقف العالم عاجزًا أمام هذه العربدة الإسرائيلية التي خلّفت أكثر من ربع مليون ضحية بين قتيل وجريح، وأتت على أكثر من 85% من بنية قطاع غزة التحتية من مياه وكهرباء وصرف صحي ومدارس ومستشفيات ومراكز خدمية، وتحول نحو مليوني إنسان إلى مشردين تائهين لا يعرفون إلى أين يذهبون هم ونساؤهم وأطفالهم وعجائزهم، حتى المرضى لم يسلموا من العدوان، إذ باتت المستشفيات هدفًا مشروعًا لجيش الاحتلال في تحدٍ سافر لكل القوانين والأعراف والمبادئ الإنسانية.
يأتي الاحتفال بالذكرى الـ52 لنصر أكتوبر المجيد وسط تحديات جسيمة تحيط بمصر والأمة العربية، إذ تسعى إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية، بكل ما أوتيتا من قوة إلى فرض مشروع التهجير وتصفية القضية الفلسطينية عبر عدوان وحصار اقتصادي على ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة، لدفعهم نحو الجنوب تمهيدًا لإجبارهم على الرحيل إلى سيناء، في محاولة للقضاء على حلم الدولة الفلسطينية وتحويل غزة إلى “ريفييرا ترامب”، حيث ينفذ مشروعاته العقارية ويحقق أحلام نتنياهو بالخلاص من غزة وأهلها.
لكن مصر، تقف بكل قوة وشجاعة لتعلنها صراحة:
“لا للتهجير، لا لتصفية القضية الفلسطينية”.
موقف تاريخي يسجل بأحرف من نور، أفشل مخططات نتنياهو وترامب لفرض التهجير، بينما تكثّف مصر جهودها لوقف العدوان وإدخال المساعدات وتثبيت الفلسطينيين على أرضهم من خلال بناء مراكز الإيواء والمخيمات داخل القطاع. وتنطلق الجرافات المصرية لتسوية الأراضي وإزالة الركام وشق الطرق وتوصيل المرافق وتهيئة مناطق للإعاشة والإغاثة.
وتتحرك مصر بدافع وطني وعربي أصيل في كل المحافل وعلى جميع الأصعدة لحشد التأييد الدولي لإعلان الدولة الفلسطينية، وهو ما تُوّج بنجاح كبير بعد اعتراف عدد من الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية، في مقدمتها المملكة المتحدة، وفرنسا، وكندا، وأستراليا، وغيرها من الدول الفاعلة على الساحة الدولية، في انتصار دبلوماسي عظيم للقضية الفلسطينية التي باتت اليوم تملأ السمع والبصر، يتفاعل معها كل الشرفاء في العالم الذين يدعمون الفلسطينيين ويدينون جرائم إسرائيل المستمرة بلا هوادة منذ عامين.
يوماً بعد يوم، تنزوي إسرائيل وتحاصرها اللعنات من كل الاتجاهات، والعالم الحر يلفظها وشعوبه تلعنها، بينما تكسب القضية الفلسطينية مزيدًا من الدعم والتعاطف وتُعزل إسرائيل سياسيًا وأخلاقيًا.
أما الولايات المتحدة في عهد ترامب، الداعم الأوحد تقريبًا لجرائم نتنياهو وعصابته الحاكمة في تل أبيب، فلم تجد أمام هذا المدّ الدولي الجارف المتعاطف مع فلسطين إلا أن تبحث عن طوق نجاة لإنقاذ إسرائيل، ومعها إنقاذ سمعتها المتدهورة بسبب دعمها المطلق لتلك الجرائم.
يعلن ترامب عن مبادرة للسلام في غزة تتضمن 20 بندًا أطلق عليها “مبادرة ترامب للسلام”، تحشد لها واشنطن دعمًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا، وتصل إلى صياغات أولية يمكن أن تشكّل بداية لحل سياسي يشمل وقف الحرب، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، ووقف التهجير، ومنع إسرائيل من ضمّ الضفة الغربية، وتهيئة الأجواء لعملية سلام تقوم على حل الدولتين.
وتفاجئ حماس العالم بموافقتها على الخطة رغم ما تتضمنه من بنود تنزع عنها السلاح والسلطة في غزة، مفضلةً القبول لإنقاذ أرواح المدنيين ووقف شلال الدم المستمر. هذه الموافقة أصابت نتنياهو بالصدمة، إذ كان يتمنى رفضها ليستمر في جرائمه وعدوانه، لكن قبول حماس قطع عليه الطريق وردّ كرة اللهب إلى صدره، خاصة بعد أن أعلن ترامب بنفسه على منصته الرسمية ترحيبه برد حماس، قائلاً إن “حماس تريد السلام، وعلى إسرائيل وقف قصف غزة فورًا”.
تتحرك مصر بسرعة بالتنسيق مع المجموعة العربية والإسلامية للتفاعل مع المبادرة وصياغة إطار سياسي يفضي إلى حل الدولتين، وتعلن القاهرة استضافتها لاجتماعات رفيعة المستوى تضم وفدًا أمريكيًا برئاسة مستشار الرئيس وصهره كوشنر، ووفدًا إسرائيليًا برئاسة وزير شؤون الأسرى ورئيس الشاباك، ووفدًا قطريًا، وذلك في السادس من أكتوبر التاريخ الذي يحمل في طياته رمزية عظيمة ورسائل مؤلمة للدولة التي ظنت يومًا أنها لا تُقهر، فهُزمت وقُهرت في مثل هذا اليوم عام 1973 على أيدي خير أجناد الأرض.


