
بمداد من دماء أكثر من ثمانين ألف شهيد، وبآلام ودموع وحسرة أكثر من مليوني فلسطيني داخل قطاع غزة، وبجراح أكثر من مئتي ألف مصاب، كُتِب الفصل الأول من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة على أرض السلام “شرم الشيخ”، وفي أرض الفيروز “سيناء”، وفي عاصمة القرار “القاهرة”؛ القاهرة التي قهرت المخططات الإسرائيلية وأفشلت حلم التهجير إلى الأبد، كما قهرت من قبل جيشًا زعم أنه لا يُقهر، فذُلَّ على أيدي خير أجناد الأرض قبل نحو اثنين وخمسين عامًا.
في ذكرى انتصارات أكتوبر، احتضنت مصر – رمز القوة والحكمة والصبر في المنطقة – أصعب المفاوضات السياسية وأشدها تعقيدًا وتفخيخًا، بعد جولات عديدة وطويلة استمرت على مدار عامين منذ اندلاع “طوفان الأقصى” وحتى الآن.
لكن هذه المرة كانت الجولة الحاسمة، الليلة التي يُفرَق فيها كل أمرٍ حكيم، حين تُوِّجت الجهود بالإعلان عن التوصل إلى المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، ضمن مبادرة الرئيس ترامب للسلام تجاه غزة.
لقد أخذت مصر زمام المبادرة التي أطلقها ترامب، وبنت عليها، وحشدت لها كل ما أوتيت من قوةٍ وخبرةٍ ودرايةٍ وثقلٍ سياسي وحضاري في المنطقة وعبر التاريخ.
وكان اختيار يوم السادس من أكتوبر لانعقاد أولى جولات المفاوضات في شرم الشيخ اختيارًا ذا دلالاتٍ عميقةٍ لا تخلو من رسائل في اتجاهاتٍ عدة؛ فهذا اليوم هو يوم النصر الذي حققته مصر على إسرائيل في حرب أكتوبر المجيدة، وهذا المكان هو الأرض التي استعادتها مصر من الاحتلال الإسرائيلي بعد أن هزمته في معركة الكرامة.
المنتصر هو من يضع شروط التفاوض، وتلك القاعدة تُطبَّق من جديد؛ فإسرائيل، رغم انتصارها الوهمي الذي تروّج له في غزة بعد أن حوّلتها إلى أشلاء، هي في حقيقة الأمر مهزومة ومأزومة داخليًا ومحاصَرة خارجيًا.
خسائرها العسكرية والاقتصادية والسياسية والنفسية باتت لا تُحتمل، فهي تنزف يوميًا في أطول حرب استنزاف تخوضها منذ نشأتها، وتحتاج اليوم قبل الغد إلى لملمة جراحها وقف نزيفها اليومي، ووضع حدٍّ لحالة العزلة التي فُرضت عليها، يكفيك أن تشاهد عشرات، بل مئات المظاهرات التي لا تتوقف في العواصم الغربية؛ أقرب حلفائها باتوا يلعنونها. وبعد أن كانت في أعين الغرب واحةَ الديمقراطية في محيطٍ مستبدٍّ ومتخلّف، أصبحت رمزًا للقتل والإجرام وانتهاك القوانين والأعراف الدولية والإنسانية.
إذًا، هي بحاجة إلى طوق نجاة يوقف كل ذلك، وقد منحها هذا الطوق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الساعي إلى تخليد اسمه في التاريخ من بوابة غزة، طمعًا في جائزة نوبل للسلام التي يفتش عنها ترامب الآن تحت أنقاض غزة المهدّمة والمشرّدة والمضرّجة بدماء أهلها، على مدار عامين كاملين من أقذر حرب عرفها التاريخ الحديث.
هي إذًا فرصة لا تتكرر، تحقق هدفين برمية واحدة: وقف نزيف وخسائر وعزلة “ربيبتِه” إسرائيل، وتحقيق مجدٍ شخصي يخلّد اسمه باعتباره صانع السلام الذي أوقف أشرس حرب عرفتها المنطقة ضد المدنيين في التاريخ، ومن خلالها يحافظ على نفوذ بلاده في المنطقة العربية، حيث الثروات والصفقات، وهو تاجر يهوى هذه اللعبة ويقدّسها ويجيدها ويحصد من ورائها المليارات.
وما بين الرغبة الترامبية في تخليد الاسم، والرغبة النتنياهية في وقف الخسائر بعد الفشل في تحقيق أهداف الحرب الملعونة منذ يومها الأول، جاءت المبادرة التي تلقّفتها مصر، ومن ورائها دعم عربي وإسلامي، للبناء عليها وتحويلها إلى جسر عبور للفلسطينيين بعيدًا عن شلال الدم المتدفق منذ عامين؛ جسرٍ يعبرون به من الخوف إلى الأمن داخل أرضهم.
لقد وقفت مصر بكل قوة وصلابة في مواجهة خطط التهجير وتفريغ القطاع من أهله والقضاء على حلم الدولة الفلسطينية. تصدّت مصر بحكمة وعقلانية وصبر استراتيجي لا يملكه أحد سواها، إذ تمتلك القوة الرشيدة والموروث التاريخي والحضاري الذي تستدعيه وقت الأزمات لتستند إليه في مواجهة التحديات الكبرى.
وتحوّلت شرم الشيخ إلى قبلةٍ سياسية يؤمّها الجميع حاملين أوراقهم؛ لا وقت إذًا لمفاوضات الصغار، فالكبار وحدهم حضروا. أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية ظلّ رئيسها ومستشاره رفيع المستوى ومبعوثه الخاص في الملفات الاستراتيجية الكبرى ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأمريكي ومهندس مشروعاته الاقتصادية وصفقاته التجارية جاريد كوشنر.
كما أرسلت إسرائيل وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، أحد المقربين من نتنياهو، والمخوّل بصلاحيات واسعة في اتخاذ القرارات المصيرية.
وحضر وفد حركة حماس برئاسة خليل الحية إلى شرم الشيخ، حيث خرج وتجول بكل أريحية، وأجرى لقاءً تلفزيونيًا في وضح النهار دون خوف أو قلق من أي استهداف إسرائيلي محتمل، وكيف لا وهو في حضن مصر وضيافتها؛ لا أحد يستطيع المساس به أو الاقتراب منه.
كما أرسلت قطر رئيس وزرائها ووزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبد الرحمن، وشاركت تركيا برئيس جهاز مخابراتها إبراهيم قالن.
الجميع حضر في ضيافة الدولة المصرية بكل أجهزتها المعنية، ولا أحد يغادر هذا المكان قبل التوصل إلى اتفاق. وقد كان، فالكل ألقى بأوراقه على الطاولة، ومصر حرّكت الجميع، تعرف متى تهاجم، ومتى تدافع، ومتى تصمت لتحقيق الهدف والاستراتيجية التي تحفظ بها حقوق الشعب الفلسطيني، وتضمن معها وقف شلال الدم والحصار والتجويع، وإعادة إعمار القطاع المنكوب تمهيدًا لبناء الدولة الفلسطينية.
وقبيل ختام المشهد، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته بمناسبة تخريج دفعة جديدة من أكاديمية الشرطة، عن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزيارة شرم الشيخ، لحضور مراسم توقيع الاتفاق بين إسرائيل وحماس حول خطة السلام في غزة.
وهي دعوة ذكية في توقيت بالغ الحساسية، تلامس وتداعب شخصية ترامب وميوله ورغباته الجامحة في أخذ اللقطة في حدث كهذا لا يتكرر كثيرًا. دعوة السيسي لها أبعاد ودلالات تتخطى لقطة ترامب التي يلهث وراءها بشغف، فهي ضمانة جديدة تُعطي الاتفاق ثقلًا كبيرًا، فحضور الرئيس الأمريكي هذا التوقيع يعني أن الكل ملتزم به، بمن فيهم إسرائيل. هذا الحضور يعني أن قوة السلام تسبق القوة العسكرية، وأن الحرب مهما بلغت شدتها لا يمكن أن تحقق أهدافها، وأن لغة القوة التي تتحدث بها إسرائيل لا يمكن أن تضمن لها الأمن، وأن مصر لا تقبل بتصفية القضية الفلسطينية مهما بلغ حجم الضغوط والتحديات، وأنها قادرة على فرض رؤيتها للتسوية العادلة في المنطقة.
تنجح مصر في إنجاز اتفاق المرحلة الأولى من مبادرة ترامب، بموجبه يتم وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي من مناطق داخل المدن، وإعادة انتشارها خارج الكتل السكانية، وإطلاق سراح الرهائن الأحياء والأموات منهم دون مراسم. بعدها تخرج المظاهرات العارمة في قطاع غزة ابتهاجًا بإعلان وقف إطلاق النار. لقد جاءت اللحظة التي انتظرها الملايين في مصر والعالم، جاءت اللحظة التي رنا وتطلع إليها ما يزيد على مليوني فلسطيني داخل قطاع غزة المنكوب، الذين دفعوا أثمانًا بالغة فوق طاقة البشر.
لقد حانت لحظة الحق، يا كل أبٍ وأمٍ ثكلى، ويا كل طفلٍ وطفلةٍ فقدا أباهما أو أمهما أو أخاهما، حقٌّ لكم أن تفرحوا، لقد صبرتم ورابطتم حتى انقشع الليل حالك السواد وبزغ نور النهار. كنتم خير أمة صابرة محتسبة بذلت الغالي والنفيس.
ويا كل أحرار العالم في مشارق الأرض ومغاربها، يا من ساندتم الحق الفلسطيني وتظاهرتم ضد جرائم إسرائيل وحربها الهمجية ضد المدنيين العزل في قطاع غزة، لقد تحقق هدفكم بعد أن عزلتم إسرائيل ولعنتموها، وباتت دولةً ملطخة السمعة بدماء الأبرياء، فلن تُمحى هذه الجرائم من ذاكرة الأمم أبد الدهر.
ويا أيها المجرمون القتلة الصهاينة، عاركم سوف يلاحقكم حتى قبوركم ما دمتم أحياء، وستتوارثه أجيال بعد أجيال حتى مماتكم، وعند الله تجتمع الخصوم.



