مقالات

من الحراك إلى العقل المجهد: كيف يحوّل التضليل الرقمي غضب الشعب المغربي إلى معاناة نفسية وحقوقية؟

بقلم أ. كوثر فارس

بين زرقة البحر الأبيض المتوسط وامتداد المحيط الأطلسي، حيث تتلاقى خطوط الزمن وتتداخل أصداء الحضارات، يبرز المغرب كمرآة للإنسانية، حاملةً على صخورها وأفقها حكايات الصبر والكفاح، وآثار الإبداع والمعرفة، وشواهد الكرامة التي لا تعرف الانكسار. هنا، حيث يختلط الماضي بالحاضر، وتلتقي الروايات الممزقة بالأحلام المعلقة، يظهر الإنسان المغربي واقفًا على مفترق الأسئلة الكبرى: كيف يُصان الوطن؟ وهل يُبنى بالتصفيق للوعود، أم بالوفاء للإنسان؟ وهل يبقى الوطن وطنًا حين يصبح وجع شعبه صدىً مفقودًا بين صخب الشعارات؟.
وسط هذا المشهد، حيث يتماهى جمال الأرض مع ثقل المعاناة، ويختلط المجهول بالمعلوم، والظاهر بالباطن، تنبثق حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا يعمر الوطن إلا حين تُحفظ كرامة الإنسان، ولا تستقيم الحضارة إلا حين يُعترف بالحق قبل الاحتفال بالشعارات. وفي قلب هذا الواقع المتقلب، انطلقت قبل أيام موجة احتجاجات شعبية عفوية تطالب بالكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وتندد بتدهور الخدمات الأساسية، خاصة في مجالي الصحة والتعليم. خرج المواطنون ليطالبوا بحياة كريمة، وبحوار مسؤول يترجم المعاناة اليومية إلى سياسات فعلية. غير أن المشهد لم يخلُ من انزلاقات شوهت الصورة الأصلية للحراك، حين تسللت أطراف استغلت لحظة الغضب الشعبي لممارسة العنف والسرقة، فخلطت بين من يطالب بحقه وبين من يختبئ خلفه لنشر الفوضى. وهكذا أصبح الحراك أمام معركة مزدوجة: معركة الشارع ومعركة الصورة.
في هذا السياق، برز التضليل الرقمي كفاعل خفيّ يعيد تشكيل الرأي العام ويهندس الوعي الجمعي. فبينما كان من المفترض أن يكون الفضاء الرقمي منبرًا للحرية والمساءلة، تحوّل إلى ساحة للتشويه والتهويل، تُصنع فيها الروايات وتُحرّف الحقائق. صار المواطن المغربي المتابع على وسائل التواصل يواجه طوفانًا من الأخبار المتضاربة، فلا يعرف إن كان في صف الدفاع عن العدالة أم ضحية لمن يعبث بوعيه من وراء الشاشات. وهنا تتجلى خطورة “الحق في المعلومة”، المنصوص عليه في الفصل 28 من الدستور المغربي، والذي أصبح اليوم مهددًا في زمن الخوارزميات والسرعة الرقمية.
من منظور حقوقي، فإن هذه الظاهرة تمسّ جوهر الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور المغربي (خاصة الفصل 25 الذي يضمن حرية الفكر والرأي والتعبير)، كما تتعارض مع المبادئ المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه المغرب سنة 1979 ودخل حيز التنفيذ سنة 1993، والذي يؤكد في مادته 19 على «حق كل إنسان في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها». حين يُشوَّه الحق في المعلومة عبر التضليل، يُصاب جوهر المشاركة الديمقراطية بالعطب. فالرأي العام الذي يُبنى على الأكاذيب لا يمكن أن ينتج إصلاحًا حقيقيًا، بل فقط مزيدًا من الانقسام وسوء الفهم بين المواطن والدولة.
لكن المشهد المغربي يثبت، رغم كل شيء، أن الإنسان البسيط لا يفقد إنسانيته.
ففي زلزال الحوز (8 سبتمبر 2023)، الذي أودى بحياة قرابة ثلاثة آلاف شخص، رأينا أعمق تجليات التضامن الإنساني. المواطن الذي لا يملك إلا رغيفًا، قسمه؛ والذي يعيش في بيت متواضع، فتحه؛ والذي لا يملك سوى لحاف أو كأس شاي، قدّمه لمن فقد بيته وأهله. في تلك اللحظات، لم تكن الدولة وحدها الحاضرة، بل كان الضمير الجمعي للشعب المغربي هو من تصدّر المشهد، فصار الفقير يُغيث الفقير، والمهمش يُواسي المهمش. هذه الصورة تختصر الوجدان المغربي الذي يجب أن يُفهم لا كخصمٍ للوطن، بل كقلبه النابض. فالمواطن الذي خرج اليوم يطالب بالصحة والتعليم والكرامة، هو ذاته الذي أنقذ وطنه في لحظات الخطر.
أما على المستوى السياسي، فإن التضليل الرقمي يُظهر هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ يُستخدم أحيانًا كوسيلة لإعادة تشكيل الإدراك الجماعي بدلًا من مواجهة الأسئلة الواقعية. والحلّ هنا لا يكمن في القمع أو التجاهل، بل في ترميم الثقة. فالدولة القوية هي التي تُحاور لا التي تُبرر، وتستمع لا التي تُخيف. إن الإصغاء إلى صوت الشعب ليس ترفًا سياسيًا، بل شرط من شروط التقدم. ومن لا يقدر على الإصغاء للشعب، قد استقال فعليًا من مسؤوليته الأخلاقية، ومن لا يستطيع تحمل مسؤولية القسم الذي أدّاه حين تولى منصبه، فعليه أن يفكر في الاستقالة الفعلية ليترك المجال لمن يتحمل المسؤولية بضمير وصدق.
إن من يتولى منصبًا حكوميًا بعد أن يؤدي القسم، يجب أن يدرك أن ذلك القسم ليس طقسًا شكليًا بل عهدًا وجوديًا بينه وبين الشعب. فالمسؤول الذي لا يجعل المصلحة العامة فوق مصلحته الشخصية يفقد جوهر مهمته الأخلاقية. السياسة ليست وسيلة للنفوذ بل رسالة للارتقاء بالإنسان، ومسؤول الدولة الحقيقي هو من يرى في كل قرار وسيلةً لرفع منسوب الكرامة الوطنية، لا لرفع رصيده الشخصي. فحين يغيب الضمير عن الكرسي، يصبح المنصب قيدًا، وحين يحضر الضمير، يتحول المنصب إلى تكليفٍ لخدمة الخير العام. وهنا يكمن الفارق بين من “يحكم” ومن “يخدم”.
أما على المستوى النفسي، فإن تأثير التضليل يتجاوز الإدراك السياسي ليضرب في عمق الإنسان المغربي. فالمواطن الذي يعيش بين شاشات تعجّ بالتحريض والمعلومات المضللة، يجد نفسه أمام ما يمكن تسميته بـ “العقل المجهد”؛ عقل مُثقل بالتشكيك والقلق والإرهاق الإدراكي. هذه الحالة من الإنهاك الذهني تُضعف القدرة على التفكير النقدي وتخلق شعورًا بالعجز الجمعي. وقد أكدت دراسة مغربية نُشرت في مجلة
“Journal of English Language Teaching and Linguistics”
أن الطلاب المغاربة يواجهون صعوبة في التمييز بين الأخبار الحقيقية والمزيفة على الإنترنت، مما يؤدي إلى آثار نفسية سلبية تشمل القلق والتشوش المعرفي والإرهاق الذهني الناتج عن “الحمل المعلوماتي الزائد”.
ورغم أن هذه الدراسة انصبت على فئة الشباب في المدارس الثانوية، إلا أن نتائجها تعكس بوضوح ملامح أزمة إدراكية أوسع تمتد إلى مختلف فئات المجتمع المغربي، بحكم أن آليات استقبال المعلومة والتأثر بالمحتوى الرقمي لا تقتصر على فئة عمرية أو تعليمية معينة. فالعقل المرهق من التضليل، سواء كان لطالب أو لعامل أو لمواطن بسيط، يعبّر في جوهره عن معاناة إنسانية مشتركة يعيشها المجتمع بأكمله في عصر تتفوق فيه السرعة على الفهم، والكمّ على الوعي.
إن مواجهة هذا الوضع تقتضي تفاعلات متعددة المستويات: قانونية، تربوية، سياسية، ونفسية.
من الناحية القانونية، يجب تفعيل آليات المساءلة الرقمية وتطوير التشريعات التي توازن بين حرية التعبير وحماية المعلومة من التزييف، على نحو يتوافق مع مبادئ اليونسكو حول “الحق في الوصول إلى المعلومات” (2015).
ومن الناحية التربوية، ينبغي إدراج التربية الإعلامية في المناهج الدراسية لتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الناشئة، كما دعت إلى ذلك “خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030” في بندها الرابع.
ومن الناحية السياسية، فإن الحل يبدأ من إرادة الإصغاء: الاعتراف بالمطالب لا قمعها، والبحث عن العدالة لا التذرع بالفوضى. فالتنمية لا تُبنى بإنكار الأصوات، بل بفهمها واحتضانها.
أما من الناحية النفسية، فيجب تقديم برامج دعم نفسي للمواطنين، خصوصًا الشباب، لتقوية المناعة الذهنية ضد الإجهاد المعلوماتي والتأثيرات العاطفية المصاحبة للأخبار المضللة.
ومع كل هذه المستويات من المواجهة، يبقى التحدي الأعمق هو التمييز بين الغضب النبيل والفوضى المصطنعة. فليس كل من نزل إلى الشارع دعاة للفوضى، ولا كل من صرخ ضد الظلم متمرّدًا على النظام. إنّ الشعب المغربي عبّر بصوته عن وجعه حين أُغلق باب الحوار، وحين رأى أن المطالب تُؤجل إلى ما لا نهاية، وأن الإصغاء يُستبدل بالصمت الرسمي. أما الذين نهبوا الممتلكات أو اعتدوا على الآخرين، فهُم من حاولوا سرقة صورة الشعب قبل أن يسرقوا الشوارع؛ صعاليك اللحظة الذين أرادوا تشويه الوعي الجمعي باسم الغضب، ففضحهم وعي المغاربة الذين أدركوا أن الحرية لا تُمارس بالعنف، بل بالمسؤولية.
إنّ اللحظة المغربية الراهنة ليست زمن اتهام، بل زمن مراجعة. فالمسؤول مدعوٌّ إلى أن يصغي بضميرٍ لا بخطابٍ معدٍّ سلفًا، والمواطن مدعوٌّ إلى المطالبة بوعيٍ حقيقي، لا بردة فعل عابرة. لأن الأوطان لا تُبنى بالفوضى أو بالصخب العشوائي، بل بالحكمة التي تعرف متى تصغي للأصوات الصادقة ومتى تتحرك لترجمة المطالب إلى فعل، فالصرخة المشروعة للشعب ليست ضجيجًا، بل إشارة إلى ضميرٍ حيّ ينتظر الإصغاء والتقدير.
لقد آن الأوان أن يتقدّم الضمير على الخطاب، وأن تُقاس الوطنية بميزان الأمانة لا بالشعارات الرنانة. لأن الشعوب لا تُهزم حين تغضب، بل حين تفقد الثقة بأن صوتها يُحدث فرقًا. والمغرب اليوم يقف أمام مفترقٍ حاسم: إما أن يستعيد صوته بالحكمة والمسؤولية المشتركة، أو يترك للتضليل أن يتحدث باسمه. وبين الصمت والصوت، يبقى الأمل في أن يسمع الوطن أبناءه قبل أن يصرخوا، وأن يرى في وجوههم مرآةً لكرامته هو، لا تهديدًا لهيبته.
فحين يلتقي الضمير بالحقيقة، لا تعود السياسة ساحة صراع، بل طريقًا نحو إنسانٍ أكثر وعيًا، ودولةٍ أكثر عدلًا، ووطنٍ أكثر صدقًا مع ذاته. ويبقى السؤال الجوهري: هل يمكن تحقيق العدالة في ظل التضليل والخداع؟ وهل يدرك من أقسم على خدمة الوطن أن الوفاء بالقسم لا يتحقق بالقرارات، بل بالضمير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى