الدعاة الجدد وما بعد الحداثة: تفكيك الدين وهوية المجتمع
بقلم د. محمد ممدوح

في المشهد الديني المعاصر، برز تيار من الدعاة الجدد يهدم أركان المنهجية التقليدية في فهم النصوص الديني لا يكتفون بمراجعة الاجتهادات، بل يهاجمون مفهوم “الإجماع” الذي رسخه السلف، ويعظمون “الرؤية الشخصية” مدعين أن لكل شخص الحق في تأويل النص وفق فهمه الخاص، دون الرجوع لآراء الفقهاء السابقين أو المعاصرين.
هذا التوجه ليس إلا صدى للتيار الفكري الغربي المسيطر المعروف بـ “ما بعد الحداثة”، الذي نشأ منذ نهاية الستينيات القرن الماضي كرد فعل على اليقينيات الكبرى تقوم هذه الفلسفة على رفض السرديات الكبرى والمرجعيات المطلقة، وتعظيم الذات والفردانية المطلقة، حيث يصبح الفرد هو المشرع لنفسه، وله أن يصنع ثقافته وقيمه ودينه.
ينعكس هذا الفكر على الخطاب الديني وبعض الدعاه من خلال مظاهر واضحة، أبرزها المطالبة بالقطيعة مع التراث والتعامل معه كتراث بشري مليء بالأخطاء، وتفكيك النص بقراءته بمعزل عن سياقه وعن القراءة الجماعية عبر القرون، ورفض الولاء للمذاهب والهيئات العلمية باعتباره تقليداً أعمى، وتحويل الدين إلى “تجربة شخصية” يشكلها الفرد كما يشاء.
ولا يقتصر خطر هذا التوجه على الجانب الفكري، بل يمتد ليهدد كيان المجتمع والدين معا فهو يمزق النسيج الاجتماعي من خلال تحطيم المرجعية الموحدة وإحلال آراء فردية متضاربة محلها، مما يؤدي إلى التفكك والفرقة. كما يفرغ الدين من مضمونه بتحويل الأحكام إلى “اقتراحات” قابلة للأخذ والرد، مما يفقد الدين سلطته التكليفية.
ويؤدي هذا التيار إلى تقويض مكانة العلماء المؤهلين، لتصبح الفتوى من حق “المشاهير” بغض النظر عن مؤهلاتهم العلمية والأخطر أنه يمهد الطريق للردة والزندقة، حيث ينفصل الفرد عن الإطار الجماعي لفهم الدين، وقد ينتهي به المطاف إلى إنكار ثوابته.
والأمر المؤلم أن دعاة هذا التيار من “جلدتنا” ويتكلمون بأسمائنا العربية والإسلامية، بل ويرتدون الزي الإسلامي، فيخدعون العامة بمظهرهم ويتكلمون بلسان ما بعد الحداثة إنهم يقدمون السم في العسل تحت شعارات براقة مثل “تحرير العقل”.
إن الخطر الحقيقي يكمن في هذا الزحف الثقافي الغربي الذي يحول ديننا الجماعي إلى “ديانات فردية” مشتتة. فالواجب يقضي بالحذر من هذا التيار، والتمسك بالمنهج الوسطي الذي يجمع بين الأصالة والمرونة، وبين احترام العقل والالتزام بالنقل، وبين حرية الفرد وضرورة الانضباط بالجماعة وأهل العلم فهذا هو السبيل لصون الدين وحماية المجتمع من التشرذم والانهيار.



