أوراق بحثية

إعمار غزة بين السياسة والتمويل: معركة البناء بعد الدمار

مقدمة:
بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وخمدت نارها، وانقشع دخان المعركة، حانت لحظة الحقيقة وتجَلّت أمام أعين العالم. انطلق الفلسطينيون يتفقدون ما تبقّى من قطاعٍ مدمرٍ أتت عليه إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة، مُستندةً في ذلك إلى مخازن الأسلحة الأمريكية التي وفّرت لها خطّ إمدادٍ مستمرّ طوال عامين كاملين.
لقد صُدم الغزيون مرة أخرى فوق صدمة ورعب الحرب؛ فلا بيوت، ولا طرق، ولا مستشفيات، ولا مدارس، ولا أسواق، ولا مرافق، ولا خدمات. لقد مرّت إسرائيل من هنا، وتركت وراءها جرائم طالت الشجر والحجر. القطاع الذي كان يعجّ بالحياة رغم الحصار المفروض عليه منذ سنوات، تحوّل إلى كومة من الركام، يبحث الغزيون تحتها عن أشلاء ذويهم الذين لم تتمكن أجهزة الدفاع المدني والإسعاف من الوصول إليهم، فتحوّلت الأجساد إلى هياكل وبقايا عظمية بعد أن نهشتها الكلاب الضالة والجائعة في قطاعٍ منكوبٍ مارست فيه إسرائيل أقذر الحروب وأحطّها في التاريخ الحديث.
تنفس الجميع الصعداء مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في الثالث عشر من أكتوبر، بعد اتفاقٍ وُقّع في شرم الشيخ بوساطة مصرية–قطرية، وانخراطٍ أمريكي كامل. فقد أعلن المجتمعون التوصل إلى اتفاقٍ حول المرحلة الأولى من مبادرة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة وإحلال السلام، والتي تضمنت عشرين بندًا.
ترددت أفراح الغزيين من تحت أطلال بيوتهم ومدنهم المنكوبة، ابتهاجًا بوقف المقتلة اليومية المستمرة منذ 770 يومًا، هي الأبشع في تاريخ البشرية المعاصر. لكن لا بأس، فكل شيء يمكن أن يعود رغم حجم الدمار غير المسبوق. لقد تشبّث الغزيون بأرضهم، صمدوا وصبروا وصابروا ورابطوا حتى جاء النصر — نصرٌ أليمٌ دفعوا فيه وحدهم ثمنًا باهظًا.
لقد سُفكت دماء نحو 80 ألف شهيد، وسُجل أكثر من 200 ألف مصاب، فيما هُجّر قرابة مليوني إنسان داخل القطاع. ورغم ذلك، فشل مخطط نتنياهو للتهجير بعد أن تمسّك الفلسطينيون بأرضهم، ووقفت مصر حجر عثرة أمام تمرير هذا المخطط الإجرامي، رافضةً أن تكون أرضها ساحة لتصفية القضية. وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن تهجير الفلسطينيين «خط أحمر» وظلمٌ تاريخي لا يمكن لمصر أن تشارك فيه أو تسمح به.
وقد سخّرت مصر كل ما أوتيت من قوة سياسية ودبلوماسية وعسكرية لإفشال المخطط، وقدّمت مشروع إعادة إعمار غزة دون تهجير، وتبنّت القمة العربية هذا المشروع، ثم القمة الإسلامية، فالمجتمع الدولي، ليتحوّل إلى جسمٍ صلبٍ بُنيت عليه مبادرة ترامب لوقف إطلاق النار وإعادة الإعمار.
وانطلاقًا من أهمية هذا الملف — ملف إعمار غزة بعد الكمّ الهائل من الدمار الذي خلّفته آلة الحرب الإسرائيلية — يقدّم المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية “دراية” هذه الورقة البحثية، التي نتعرّف من خلالها على حجم الدمار والخراب الذي خلّفته إسرائيل داخل القطاع، وإشكالية تنفيذ خطط الإعمار، ومدى ارتباطها بشرط نزع سلاح حماس وإنهاء حكمها للقطاع، فضلًا عن أبرز الجهات والدول الداعمة والمنخرطة في خطط الإعمار خاصة الخطة المصرية التى تحولت الى خطة عربية واسلامية مدعومة من المجتمع الدولى.
وقد خلصت الورقة البحثية إلى عددٍ من التوصيات والنتائج، جاء في مقدمتها ما يلي:
1. رغم حجم الدمار الذي نفذته إسرائيل في قطاع غزة، فإنها خرجت مهزومة، ومعزولة، ومنبوذة.
2. رغم كل ما تمتلكه إسرائيل من أجهزة معلوماتية وعتاد عسكري، فإنها لم تتمكن من تحرير رهائنها إلا عبر صفقة ومفاوضات.
3. منظومة العدالة الدولية وقفت عاجزة طوال عامين أمام المجازر التي ارتُكبت في غزة.
4. العجز العربي وصل إلى أسوأ مراحله.
5. مصر وقفت حائط صد أمام المخططات الأمريكية–الإسرائيلية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين.
6. نجحت مصر في فرض رؤيتها تجاه التسوية، وأفشلت حلم نتنياهو بتفريغ القطاع من أهله.
7. خطة مصر لإعمار غزة حظيت بدعم عربي وإسلامي وتأييد دولي واسع.
8. مؤتمر شرم الشيخ أعاد رسم خريطة القيادة والنفوذ في الإقليم، وأعاد لمصر موقعها الطبيعي في المنطقة.
9. بعض الدول الخليجية ربطت مشاركتها في تمويل خطط الإعمار بإنهاء نفوذ حركة حماس ونزع سلاحها.
10. خطة ترامب تواجه تحديات كبيرة بسبب التعنت الإسرائيلي، ما قد يعيق استكمال مراحلها.
11. في هذه الحرب، خسرت إسرائيل سمعتها، وخسرت حماس عددًا من قادتها، وخسر الفلسطينيون ذويهم وممتلكاتهم، لكن القضية الفلسطينية عادت إلى واجهة الأحداث، وبات حلّ الدولتين هو الأقرب للتنفيذ..
…………………
أولا- حجم الدمار الذى خلفته اسرائيل فى قطاع غزة.. احصائيات صادمة
وفق المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، دمَّرت إسرائيل 300 ألف وحدة سكنية بشكل كلي و200 ألف جزئيا، وأخرجت 25 مستشفى عن الخدمة من أصل 38 مؤسسة علاجية، إضافة لتدمير 103 مركزا للرعاية الصحية الأولية، كما تضررت 95% من مدارس القطاع، فضلاً عن خروج 85% من مرافق المياه والصرف الصحي عن الخدمة.
وقال المسؤول في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جاكو سيلييرس، إن التقديرات تشير إلى أن العدوان الإسرائيلي خلَّف وراءه ما لا يقل عن 55 مليون طن من الأنقاض في القطاع تم إزالة 81 ألف طن منها.
كما يوجد نحو 20 ألفا من قنابل وصواريخ لم تنفجر بعد، وأنها تمثل تهديداً لحياة المدنيين، وتتطلب معالجة هندسية وأمنية دقيقة قبل بدء أي أعمال إزالة، لافتا إلى أن عمليات إزالة الركام بالقطاع تواجه معوقات جسيمة أبرزها غياب المعدات والآليات الثقيلة نتيجة منع الاحتلال إدخالها.
المهندس عاهد بسيسو ، وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني، يؤكد أن الوزارة تواصل جهودها الميدانية المكثفة في مواجهة مخلفات الحرب والركام المنتشر في مختلف محافظات غزة وذلك بالتعاون مع شركائها من المؤسسات الدولية والإقليمية والبلدية والهيئات المحلية بالإضافة إلى القطاع الخاص، ضمن خطة وطنية شاملة تهدف إلى تهيئة الأرضية الفنية واللوجستية لبدء عملية إعادة الإعمار بعد الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب الأخيرة، والذي خلفت ما يقارب من ستون مليون طن من الركام نتيجة حجم الدمار الكبير لجميع مناحي الحياه.
وأضاف أن الوزارة أعدت الدليل الخاص بنقل الركام لعشرة مناطق تم اختيارها لتخزين وإعادة تدويرها تمهيدا لإعادة استعماله في مواد البناء وردم البحر لإقامة جزيرة على مساحة 14 كيلومتر لاستخدامها في مشاريع سياحية، مع التأكيد على آلية رفع الركام والتي تحتوي علي القنابل غير المتفجرة، بالإضافة إلى جثث الشهداء التي مازالت تحت الأنقاض، وكذلك المواد السامة الناتجة عن مادة الأسبست والصوف الصخري.
وأعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن تكلفة إعادة إعمار غزة تقدر بنحو 70 مليار دولار، مشيراً خلال بيان له في 14 أكتوبر، أنه يحتاج نحو 20 مليار دولار لإعادة إعمار القطاع خلال العاميين القادميين، خاصة أن نحو 50 مليون طن من الحطام خلفتها الحرب، بجانب 425 ألف وحدة سكنية تضررت أو دمرت بشكل كامل، متوقعا أن يتم اكتشاف جثث كثيرة خلال عملية إزالة الحطام.
ثانيا : موقع اعمار غزة في خطة ترامب لوقف الحرب
بالنظر إلى الكلفة المادية وحدها لإعادة الإعمار في قطاع غزة، فإذا ما نجحت خطة وقف إطلاق النار، فإن العالم مقبل على خطوة في غاية الصعوبة… لكن الحقيقة أن الدمار تخطّى المادي إلى الإنساني، ما يجعل تعويض كل ما راح “مهمة مستحيلة”.
ومع ذلك، يبقى السؤال الاقتصادي: كيف نعيد تشغيل الحياة بسرعة، وبأي تمويل، وتحت أي حوكمة؟
بحسب أحدث التقارير الأممية والدولية المتوفرة، تقدّر الاحتياجات المالية لإعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي بنحو 70 مليار دولار على عشر سنوات، بينها نحو 20.6 مليار دولار في أول ثلاث سنوات لردّ الخدمات الأساسية (الكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والطرق، والصحة، والتعليم)، وفق التقييم السريع المؤقت للأضرار والاحتياجات (IRDNA) الذي أعدته الأمم المتحدة بالتعاون مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي في شهر فبراير 2025.
“خطة ترامب”… ربط الإعمار بالأمن والحوكمة
بحسب البنود المعلنة حتى الآن، تروّج الرؤية المرتبطة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لإطار “تكاملي” يزاوج بين الأمن والتمويل والحَوكمة، ويجعل وتيرة الإعمار مرهونة بتقدمٍ مُتحقق على مسار نزع السلاح وترتيبات الانسحاب.
وفي سياق التنظيم المدير للقطاع فيما بعد سريان الخطة، سيكون هناك:
• هيئة دولية مؤقتة لإدارة ملف الإعمار (طُرِح أن يترأسها ترامب، مع شخصيات دولية كـتوني بلير)، تقوم على وضع المعايير الفنية، وجدولة التنفيذ، ومراقبة الإنفاق.
• إدارة فلسطينية تكنوقراطية انتقالية للخدمات والبلديات تحت إشراف الهيئة الدولية، إلى حين إصلاح مؤسسات الحكم المحلي.
• منطقة اقتصادية خاصة داخل غزة لجذب الاستثمارات الخاصة (صناعات خفيفة، وخدمات رقمية ولوجستيات، وخدمات الطاقة والاتصالات) وتوليد الوظائف.
• اشتراطات أمنية مُسبقة ومتدرجة، تشمل نزع سلاح الفصائل، ومعالجة البنى العسكرية (خاصة الأنفاق)، وقوة استقرار دولية تحلّ تدريجياً محل القوات الإسرائيلية بالتوازي مع تقدم مشاريع الإعمار.
• تمويل متعدد الأطراف عربي وغربي ومؤسساتي؛ من دون أرقام مُلزِمة علنية حتى الآن.
• إعادة التصميم العمراني في مناطق محددة، وإزالة أنقاض واسعة، وشبكات بنى تحتية كبرى.
لكن الخطة المعلنة تفتقر إلى بنود تفصيلية منشورة حول الميزانية أو القوائم القطاعية أو الجداول الزمنية المُلزِمة، كما لا يوجد بها أو خارجها (حتى وقت كتابة هذا التقرير) أي التزامات تمويلية رسمية مُفصّلة من مانحين.
جاريد كوشنير صهر الرئيس الامريكى ترامب ومستشاره لملف غزة اكد أن إعادة الإعمار لن تبدأ في المناطق الخاضعة لسيطرة حماس، موضحًا أن الترتيبات تجري فقط في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، بهدف “توفير مكان للعيش والعمل للفلسطينيين”.
وبيّن أن تلك المناطق تقع على جانبي “الخط الأصفر”، الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية مع بدء سريان وقف إطلاق النار، بينما ستستبعد المناطق الواقعة خلفه والخاضعة لحماس من عملية الإعمار.
وهو توجه لافت ويثير الكثير من علامات الاستفهام حول النية الحقيقة لخطط الاعمار وكيفيته؛ فهل نحن أمام خلق كيانان فى غزة واحد أمام الخط الاصفر تحت حكم حماس وسيطرتها سوف يترك على حالة تحت الركام والدمار والخراب، وآخر خلف الخط الاصفر وهو باقى مساحة غزة التى تسيطر عليها اسرائيل واليها انسحب جيشها وأعاد انتشار قواته وفقا لخطة ترامب لوقف اطلاق النار هذا الخط ربما يكون هو خط اخضر بالمفهوم الامريكى سيكون هو باكورة الريفيرا التى تحدث عنها ترامب حيث يعاد فيها البناء والاعمار وإليها يتم تحفيز الفلسطنين للذهاب اليها والانتقال من الدمار تحت حكم حماس الى الاعمار تحت سيطرة اسرائيل، ولربما تكون تلك المنطقة هي بداية التغيير الحقيقى والانتقال من سيطرة وحكم حماس الى حكم جديد تحت الادارة الانتقالية ومجلس السلام العالمي كما هو مخطط له.
ثالثا : الخطة المصرية لإعادة الإعمار دون تهجير
من خلال اضطلاع مصر بدور ريادي في طرح خطة شاملة لمرحلة ما بعد الحرب على غزة، فإنها تضع نفسها كلاعب إقليمي رئيسي وتعزز من تأثيرها في سياسات الشرق الأوسط وتواجه في الوقت نفسه الفكرة الأخيرة غير المنطقية للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يحاول التأثير على السياسة الفلسطينية والإقليمية، من خلال نفوذ بلاده القوي.
ولا تحدد الخطة المصرية بشأن غزة، إطارا لإعادة الإعمار المادي فحسب، بل تتضمن أيضا أبعادا سياسية مهمة.
فتركز الخطة على تمكين السلطة الفلسطينية من العودة إلى غزة، وهو ما يشير إلى هدف مصر في تحقيق الاستقرار في الحكم الفلسطيني من خلال تعزيز بيئة مواتية لهيئة سياسية موحدة مقبولة لدى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية دون ذكر “حماس” في غزة ما بعد الحرب.
وتنص الخطة على “تمكين السلطة الفلسطينية من العودة لقطاع غزة لحكمه، وتعمل مصر والأردن على تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية تمهيداً لنشرها في القطاع، لتوفير الأمن للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي”.
وتسعى مصر والأردن، من خلال تدريب شرطة السلطة الفلسطينية، إلى تعزيز سلطة السلطة الفلسطينية وقدرتها على الحكم، بما يسمح لها بإدارة الأمن في القطاع بفعالية.
وتحث الخطة المصرية “مجلس الأمن على إصدار قرار بنشر قوات حماية/حفظ سلام دولية، مع العمل على وضع جدول زمني لإقامة الدولة الفلسطينيية”.
وهذا مقترح استراتيجي لحشد دعم دولي أوسع للسلطة الفلسطينية، ويمكن أن يشير أيضًا إلى محاولة لخلق أساس لمفاوضات سلام مستقبلية مع إسرائيل.
وتصف الخطة المصرية أيضا تعدد الفصائل الفلسطينية الحاملة للسلاح بـ”المعضلة”، وتقول إنه “أمر من الممكن التعامل معه بل وإنهاؤه للأبد، فقط إذا تمت إزالة أسبابه من خلال عملية سياسية ذات مصداقية “تعيد الحقوق إلى أصحابها”.
وفي مارس الماضي، استضافت القاهرة القمة العربية الطارئة، والتي اعتمدت حينها خطة مصر لإعادة إعمار غزة التي تضمن الحفاظ على حق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه، وتنص الخطة على تشكيل لجنة لتتولى إدارة شؤون قطاع غزة في مرحلة انتقالية لمدة 6 أشهر، على أن تكون مستقلة ومكونة من شخصيات غير فصائلية تكنوقراط تعمل تحت مظلة الحكومة الفلسطينية.
ونصت الخطة على توفير سكن مؤقت للنازحين في غزة خلال عملية إعادة الإعمار، ومناطق داخل القطاع في 7 مواقع تستوعب أكثر من 1.5 مليون فرد، بتكلفة تقديرية لإعادة الإعمار 53 مليار دولار، لتستغرق العملية 5 سنوات.
وأكد البرنامج الأممي أن تعافي قطاع غزة سيحتاج إلى وقت طويل وجهود دولية منسقة تشمل إعادة البناء والبنية التحتية والخدمات الأساسية، مشددًا على ضرورة بدء العمل في إطار خطة شاملة ومستدامة.
وتواصل مصر جهودها في إطار دعم القضية الفلسطينية وإعمار غزة، وذلك بعد توقيع اتفاق السلام في شرم الشيخ وإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي استمرت لمدة عامين، حيث تعتزم مصر استضافة مؤتمر دولي لدعم جهود إعمار القطاع والتعافي المبكر من تداعيات الحرب فى شهر نوفمبر هذا العام وقد نجحت مصر فى فرض رؤيتها لاعادة الاعمار دون تهجير لاهالى غزة من ارضهم كما كان يسعى ترامب ونتنياهو الى ذلك منذ بداية الازمة وحتى وقت قريب.
وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن مصر ستستضيف مؤتمرا دوليا لإعادة إعمار قطاع غزة، الشهر المقبل، داعيا الشعب المصري إلى المساهمة الفاعلة في جهود الإعمار، تعبيرا عن التضامن والمسؤولية والمحبة تجاه الأشقاء الفلسطينيين.
وكلف الرئيس السيسي، الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية بالدولة لدراسة إنشاء آلية وطنية لجمع مساهمات وتبرعات المواطنين في إطار تمويل عملية إعادة إعمار قطاع غزة. وأكد أن 70% إلى 80% من المساعدات التي دخلت إلى غزة خلال الحرب قدمتها مصر لأشقائها الفلسطينيين، موضحاً أن مصر ستبادر بكل ما يمكن تقديمه من أجل إعادة إعمار غزة دون أي مزايدة.
وتواصل مصر التحضير للمؤتمر الدولي للتعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية في غزة فى شهر نوفمبر، حيث أكد وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، أهمية البدء في أقرب وقت في تنفيذ خطط التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة، وذلك في إطار رؤية متكاملة تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني، ووفقًا للخطة العربية الإسلامية للتعافي المبكر وإعادة الإعمار، وخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، داعيًا الدول الأوروبية إلى المشاركة الفعالة في المؤتمر.
رابعا: خطة الاعمار والتمويل واشكالية ربطها بنزع سلاح حماس
تُعدّ عملية إعادة إعمار غزة بعد الحرب الأخيرة واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهدين الإقليمي والدولي، إذ تتقاطع فيها الأبعاد الإنسانية والسياسية والأمنية في آن واحد. فبينما تندفع مصر وعدد من الدول العربية لقيادة جهود الإعمار وتخفيف المعاناة عن سكان القطاع، تسعى أطراف غربية وإسرائيلية لربط عملية التمويل وإطلاق المشروعات بشرط أساسي هو نزع سلاح حركة حماس أو على الأقل وضع السلاح تحت إشراف دولي.
من الناحية العملية، تتضمن خطة الإعمار المصرية إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار بإدارة مشتركة تضمن الشفافية وسرعة التنفيذ، مع مشاركة مؤسسات أممية وبنوك تنموية، على أن تُوجَّه المرحلة الأولى إلى إزالة الأنقاض وبناء مساكن عاجلة وإعادة تشغيل المرافق الحيوية. وتقدَّر الكلفة الإجمالية المبدئية بعشرات المليارات من الدولارات، وهو ما يتطلب حشدًا واسعًا للتمويل من الدول المانحة وصناديق الاستثمار.
غير أن الجدل السياسي حول السلاح يهدد بتعطيل هذه الجهود. فإسرائيل وبعض القوى الغربية تشترط أن تُربط عملية الإعمار بخطوات ملموسة لضمان “عدم إعادة تسليح القطاع”، بينما ترى القاهرة ومعظم الدول العربية أن إعادة البناء حق إنساني لا يجوز ربطه بشروط أمنية أو سياسية، وأن أي نقاش حول الأمن يجب أن يتم في مسار موازٍ عبر اتفاقات داخلية فلسطينية وتفاهمات دولية لاحقة.
إن ربط الإعمار بنزع سلاح حماس يحمل مخاطر واضحة؛ فهو يعقّد فرص التوافق الوطني الفلسطيني، ويحوّل الإغاثة إلى ورقة ابتزاز سياسي، ويطيل أمد معاناة المدنيين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم. كما أن فرض هذا الشرط يجعل من المساعدات الإنسانية أداة ضغط بدلاً من أن تكون مدخلًا للاستقرار وإعادة الحياة إلى القطاع.
إن الموقف المصري يستند إلى رؤية واقعية تعتبر أن إعادة الإعمار هي خطوة أولى نحو الاستقرار، وليست نتيجة له، وأن الأمن الحقيقي يبدأ من تهيئة بيئة معيشية آمنة تحفظ كرامة الإنسان وتُضعف مبررات التطرف. لذلك، يُعد الفصل بين الإعمار والسلاح ضرورة إنسانية وسياسية في آنٍ واحد، لأن أي تأخير في البناء لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية داخل غزة.
وفي المحصلة، تبقى معادلة الإعمار مرهونة بقدرة الأطراف الدولية على الفصل بين الاعتبارات الإنسانية والمطالب الأمنية، وبقدرة العرب – وفي مقدمتهم مصر – على قيادة مسار عملي يعيد بناء غزة ويحمي قرارها الوطني من الارتهان للشروط السياسية.

خاتمة
منذ لحظة الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة، تحركت الدبلوماسية المصرية على مسارين متوازيين: تثبيت التهدئة الميدانية وإطلاق عملية إعادة الإعمار. إدراكًا من القاهرة أن استدامة السلام لا يمكن أن تتحقق دون إعادة بناء ما دمرته الحرب، ودون أن يشعر المواطن الفلسطيني بثمار الاستقرار.
على الأرض، قادت مصر جهودًا ضخمة لفتح المعابر وإدخال المعدات والمواد الإنشائية، كما شاركت شركات المقاولات المصرية في إزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة. وفي الوقت ذاته، كثّف الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالاته الدولية والإقليمية لحشد التمويل اللازم لإعادة الإعمار، مؤكدًا أن القضية ليست مسؤولية مصر وحدها، بل واجب إنساني وأخلاقي على المجتمع الدولي بأسره.
وقد حظيت المبادرة المصرية بدعم واضح من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاطراف العربية والاسلامية ، التي رحبت بإدارة مصرية منسقة لملف الإعمار، لما تتمتع به القاهرة من ثقة جميع الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء.
وتؤكد مصر من خلال هذه الجهود أن الإعمار ليس مجرد بناء حجارة، بل هو بناء للاستقرار والأمل في مستقبل أكثر إنسانية لغزة، وأن القاهرة ستظل حاضرة بقوة في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ضامنة للتهدئة، وراعية للإعمار، وشريكًا في صنع السلام العادل.

……………..

المراجع

دور أوروبا في غزة والمنطقة .. “صندوق تمويل” دون تأثير سياسي؟

https://www.dw.com/ar/%D8%AF%D9%88%D8%B 9%84-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-

تقدر بنحو 70 مليار دولار.. مباحثات دولية وإقليمية لإعادة إعمار قطاع غزة
https://www.ajnet.me/politics/2025/10/16/%D8%AA%D9%82%D8%AF%D8%B1- –

إعادة إعمار غزة.. القاهرة تقود مساعي تعافي القطاع بعد الحرب
https://www.cnbcarabia.com/143663/2025/07/ %D8%A5%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B

الخطة المصرية لغزة… أكثر من مجرد مشروع إعمار

https://www.majalla.com/node/324590

“أسوأ من البدء من الصفر”: ما حجم مهمة إعادة إعمار غزة؟
https://www.bbc.com/arabic/articles/c891ln4eq10o

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى