
لطالما كانت حقوق الإنسان حجر الزاوية في بناء المجتمعات الإنسانية الحديثة، لكن الفهم المعاصر لهذه الحقوق لم يعد قاصرا على الحقوق السياسية والمدنية التقليدية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تشكل نسيجا مترابطا تتداخل فيه الأبعاد الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والبيئية هذه المنظومة المتسعة هي نفسها الوقود الذي يدفع عجلة التنمية المستدامة، ويسهم بشكل مباشر في رفع مؤشر جودة الحياة، وهو ما أدركته مصر بوضوح وتبنته في رؤيتها الطموحة 2030.
فقد بدأت الرحلة العالمية لحقوق الانسان مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948الذي وضع الأساس الأخلاقي والقانوني. ثم تطور المفهوم ليشمل “الحق في التنمية” في 1986، كحق غير قابل للتصرف، حيث أصبحت التنمية هي الإطار الشامل لتحقيق جميع حقوق الإنسان هذا التطور أرسى مبدأً حاسما: لا يمكن فصل حقوق الإنسان عن خطط التنمية، وأن العدالة الاجتماعية ليست نتاجا للتنمية فحسب، بل شرطًا مسبقا لها.
ولفهم هذه المنظومة المتكاملة، يجب النظر إلى أبعادها الخمسة المترابطة، التي تشكل معا “متركس” متكامل، يؤثر كل جزء فيها في الآخر ويتأثر به:
• البعد الاقتصادي: وهو حق الفرد في العمل اللائق والعيش بكرامة، وتجسيده يكون في مشروعات قومية مثل “المشروع القومي للطرق” مثل “محور روض الفرج”، الذي يسهل حركة التجارة ويوفر آلاف الوظائف، ومشروعات المليون ونصف مليون فدان والإسكان الاجتماعي التي تمثل حلولاً عملية للفقر والسكن غير اللائق.
• البعد الاجتماعي: ويتمثل في الحق في الصحة والتعليم الجيدة وتظهر مصر هذا البعد خططها التنموية عبر العديد من المشروعات مثل “المبادرة الرئاسية للقضاء على فيروس سي”، و”التأمين الصحي الشامل الجديد”، وبناء وتطوير آلاف المدارس ضمن مبادرة “حياة كريمة” التي تمثل نموذجًا فريدًا للتنمية المتكاملة.
• البعد الثقافي: وهو الحق في الهوية والمشاركة في الحياة الثقافية والتأكيد على أهمية الفنون التراثية وقد تم تجسيده من خلال بعض المشروع القومية مثل مشروعات لترميم الآثار (كالطريق المهيب للملوك)والمتحف الكبير وخط سير العائلة المقدسة ، وتنشيط الصناعات الثقافية، وإحياء الحرف اليدوية التراثية وهو ما يمكن ان يعزز الانتماء ويحفظ الهوية وأن كان مازال ذلك الملف يحتاج الى الكثير في خضم التحديات العالمية والاقليمية متمثلة في الغزو الثقافي والتي تهدد الحياه الثقافية في مصر .
• البعد البيئي: كحق المواطن في العيش في بيئة نظيفة وآمنة وتظهر مصر التزامها به عبر المشروع القومي للنقل الاخضر، ومشروعات معالجة الصرف الصحي، والتحول نحو الطاقة النظيفة كما في مجمع “بنبان” للطاقة الشمسية.
• البعد السياسي: وهو حق المشاركة وحرية التعبير، وهو بعد لا يقل أهمية عن غيره، ومازال هذا البعد يحتاج إلى الكثير لأجل تنمية وتطويره فالحياه السياسية في مصر تواجه الكثير من التحديات علي رأسها درجة الوعي والنضج وغياب المنابر السياسية الواعية ورغم ذلك فالدولة تعمل على تعزيزه من خلال الحوار المجتمعي المستمر وما لمسناه من الحوار الوطني وتوصياته وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي تتيح مساحة للنقاش البناء.
وفي النهاية، فإن جودة حياة المواطن ومدى انتمائه لوطنه ليست إلا انعكاسًا مباشرا لجودة الحقوق التي يتمتع بها فكلما كانت المنظومة متكاملة ومتوازنة، كلما شعر الفرد بالكرامة والعدالة، فازداد إنتاجًا وإبداعا وولاء لذا، فإن مهمة صانع السياسات التنموية اليوم هي التعامل مع هذه المنظومة بوصفها كلا واحدا، لضمان عدم انتقاص أي حق، لأن إهمال أي بعد منها هو هدم للكل، وتأكيد أن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بمواطن كريم، يتمتع بكامل حقوقه.



