
مع مباشرة العامل لعمله، تُتاح له فرصة الاطلاع على أسرار العمل. وفي حال إنتهاء عقده أو إنهائه، ربما يستخدمها لمصلحته الشخصية بما يضر مصلحة صاحب العمل. ولمنع حدوث ذلك، ربما يفكر صاحب العمل في إدراج شرط “عدم المنافسة” في العقد. وعادة، يتضمن منع العامل من ممارسة العمل بإسمه أو لدى الغير؛ أو إقامة علاقات عمل خاصة مع عملاء صاحب العمل؛ أو إغراء زملائه بالعمل لدى جهة عمل أخرى. وفي حال إخلال العامل بهذه الإلتزامات، في أثناء سريان العقد، يُشكل ذلك إخلالا بمبدأ حسن النية فى تنفيذ العقود. لكن، يثور التساؤل حول ما إذا كانت قواعد المسئولية المدنية وحدها تكفي لحماية صاحب العمل، ايضا، بعد إنتهاء علاقة العمل.
ومن جهة أخرى، يُنظر إلى هذا الشرط، عموما، على أنه يُقيد حرية العامل بعد إنتهاء العلاقة بينه وصاحب العمل. وقد يستغله صاحب العمل لإجبار العامل على إستمرار العمل معه وعدم العمل لدى صاحب عمل آخر مُنافس له، أو للإنتقام منه وتقييد حريته في العمل. وهنا يصطدم هذا الشرط بالمادة. (23-1) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والتي تنص على أن “لكل شخص حق العمل، وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومُرضية، وفي الحماية من البطالة.”
و إزاء ذلك، يتدخل القانون لتنظيم قواعد إدراج هذا الشرط في عقد العمل حتى يكون نافذاً. وبصفة عامة، تقضي المحكمة ببطلانه إذا كان يضع قيوداً مُبالغا فيها على العامل سواء من جهة نوع العمل أو زمانه أو مكانه. فإذا كان العامل يعمل بوظيفة “محاسب” فلا يجوز الإتفاق على إلتزامه بعدم العمل لدى أية شركة أخرى تمارس النشاط الذي يمارسه صاحب العمل بصرف النظر عن الوظيفة التي سيمارسها. وقد تنظر المحكمة إليه على أنه يُمثل قيدا مبالغاً فيه يحرم العامل من العمل لدى أية جهة عمل أخرى.
ولتجنب ذلك، يجب على صاحب العمل أن يثبت أنه قد لحقت به أضرار نتيجة إخلال العامل بهذا الشرط حتى يستحق التعويض. ولا يترتب على وجوده في حد ذاته تحقق الضرر لصاحب العمل إلا إذا تم تضمين هذا الشرط الإتفاق على مقدار التعويض المُستحق في حالة الإخلال به. وحتى إذا أثبت صاحب العمل ذلك، فإن التعويض الذي يستحقه يقتصر على التعويض النقدي، ولا يستطيع أن يمنع العامل من الاستمرار في العمل لدى صاحب العمل الجديد. وفي ذلك قضت محكمة تمييز دبي بأن “الشرط الذي يتضمنه عقد العمل بعدم منافسة العامل لرب العمل بعد إنتهاء العقد أو بعدم العمل لدى أية جهة منافسه لا يترتب عليه بمجرده تحقق الضرر في جانب صاحب العمل إلا إذا تم تضمين هذا الشرط الإتفاق على مقدار التعويض المُستحق في حالة الإخلال به. أثر ذلك. عدم تكليف صاحب العمل بإثبات الضرر ووقوع عبء إثبات إنتفاء الضرر على العامل. عدم إستحقاق التعويض الاتفاقي إذا اثبت العامل أن صاحب العمل لم يلحقه ضرر.” (الطعن رقم 122/2006، بتاريخ 17/12/2006، مدني)
وبصفة عامة، يُجيز القانون الإتفاق على منع العامل من منافسة صاحب العمل، لكنه يُضيّق من نطاقه ويشترط توافر معايير وضوابط معينة لصحة تطبيقه وإنفاذه. ومنها، أن يكون العامل بالغ الرشد وقت إبرام العقد؛ وأن يقتصر نطاق تطبيقه على حالة أن يكون عمله يسمح له بمعرفة عملاء رب العمل أو بالاطلأع على أسرار أعماله، وأن يقتصر تقييد المنافسة، من جهة الزمان والمكان ونوع العمل، على القدر الضرورى لحماية مصالح رب العمل المشروعة، وألا يُطبق الشرط إذا كان صاحب العمل هو من أنهى عقد العمل أو رفض تجديده دون أن يقع من العامل ما يبرر ذلك (مادة 686 من القانون المدني المصري).
وتنص مادة 687 من القانون نفسه على أنه “إذا اتفق على شرط جزائي في حالة الإخلال بالإمتناع عن المنافسة وكان في الشرط مبالغة تجعله وسيلة لإجبار العامل على البقاء في صناعة رب العمل مدة أطول من المدة المتفق عليها، كان هذا الشرط باطلا وينسحب بطلانه أيضاً إلى شرط عدم المنافسة في جملته”. وتردد مادة (910) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي المعنى نفسه.
ويتفق القانون الإماراتي مع القانون المصري في كل القيود التي يجب مراعاتها لصحة شرط عدم المنافسة. وتنص مادة (127) من قانون العمل الإماراتي رقم (8) لسنة 1980 على أنه “إذا كان العمل المنوط بالعامل يسمح له بمعرفة عملاء صاحب العمل أو بالاطلاع على أسرار عمله كان لصاحب العمل أن يشترط على العامل ألا يقوم بعد انتهاء العقد بمنافسته أو بالاشتراك في أي مشروع منافس له …. وأن يكون الاتفاق مقصورًا من حيث الزمان والمكان ونوع العمل على القدر الضروري لحماية مصالح العمل المشروعة.”
وفي بريطانيا، تميل المحاكم بشكل كبير إلى إنفاذ شرط عدم المنافسة، بصفة عامة، لحماية مكان العمل الذي يتركه العامل، وتفسره تفسيراً ضيقا، ويسري الشرط طوال المدة المحددة. وفي حُكم حديث، أيدت المحكمة العليا البريطانية شرط عدم المنافسة في عقد عمل يمنع العامل من العمل لشركة منافسة لمدة ستة شهور بعد أن رأت أن العناصر التي يمكن أن تجعل الشرط غير نافذ باعتباره يقيد حرية العامل بشكل غير معقول يمكن فصلها عنه.
ويترتب على وجود شرط “عدم المنافسة” في العقد الآثار القانونية الآتية:
1) أنه إذا أخل العامل به يكون مسئولا مسئولية عقدية؛ بمعنى أن صاحب العمل لا يكون مُلزما بإثبات حدوث الخطأ من جانب العامل، بل يكفي إثبات إخلال العامل بشرط عدم المنافسة.
2) يكون لصاحب العمل مطالبة العامل بالتعويض عن الأضرار التى لحقت به بسبب هذا الإخلال.
3) جزاء الإخلال هو التعويض النقدي فقط، ولا يؤثر الإخلال على صحة العقد الجديد الذي يبرمه العامل مع صاحب العمل الجديد.
4) يمكن أن تتحقق مسئولية صاحب العمل الذي إلتحق العامل بمنشأته لكن المسئولية هنا تعد مسئولية تقصيرية، ومن ثم، يُشترط لإعمالها أن يتحقق الخطأ في جانب صاحب العمل الجديد بأن يكون قد استخدم العامل رغم علمه بوجود شرط عدم المنافسة.
5) في حال إنهاء صاحب العمل للعقد أو حدوث أي تصرف منه يبرر للعامل إنهائه والتحاقه بعمل جديد، يعتبر الالتزام بالتعويض تضامني بين العامل وصاحب العمل الجديد، ويكون لصاحب العمل الأصلي الرجوع على أي منهما بالتعويض كاملا فإذا أداه أحدهما فليس لصاحب العمل الرجوع على الثاني إلا إذا تم التعويض جزئيا فيكون له الرجوع بالباقى.
6) إذا اقترن شرط عدم المنافسة بشرط جزائي مبالغ فيه، كان الشرط الجزائي باطلا وينسحب بطلانه أيضا إلى شرط عدم المنافسة في جملته.
وفي رأينا، أن وجود شرط “عدم المنافسة” في العقد لا يضمن”في حد ذاته” إنفاذه، بل من المهم صياغته بشكل دقيق وفق الإعتبارات المُشار إليها حتى يمكن الإرتكان إليه.



