
لنفرض أن شخصا يقود سيارته وسط سقوط أمطار غزيرة ملتزما بالسرعات المُقررة ومسافة الأمان بينه والسيارات التي أمامه، لكن نتيجة للمياه الغزيرة التي غطت أرضية الطريق إنزلقت السيارة وتسببت في حدوث إصابات لعدد من الأشخاص. هل تعتبره المحكمة قد ارتكب خطأ يستوجب المساءلة عن الإصابات التي حدثت؟ لتحديد المسئولية في هذا السياق، يستخدم القضاء ثلاثة معايير موضوعية، هي: “الرجل المُعتاد” و “الرجل الحريص” و “الرجل المعقول”.
ويُستخدم مصطلح “الرجل المُعتاد”، وفق ما استقر عليه القضاء والفقه، كنموذج إفتراضي يُمثل الشخص العادي في المجتمع بما يتمتع به من قدر مُتوسط من الذكاء ومُستوى عادي من الحرص والإنتباه، وسلوك يعكس سلوك الناس المُعتاد في مثل الظروف المحيطة بالواقعة. ويُستخدم هذا المعيار لتحديد ما إذا كان الشخص قد إرتكب خطأ يُسأل عنه؛ فيُسأل الشخص إذا إنحرف سلوكه عن هذا النموذج الإفتراضي في الظروف نفسها. ويرتبط هذا المعيار بما يعتبره المُجتمع “سلوكا طبيعيا” لشخص متزن في الظروف نفسها. وبموجبه، يُعتبر الشخص مُخطئا إذا كان بإمكان الرجل المُعتاد توقع الضرر ومنعه.
وقد إستقر قضاء محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا في مصر على أن معيار الخطأ في المسؤولية المدنية والتأديبية هو “إنحراف السلوك عن السلوك المألوف للرجل المُعتاد في الظروف المُحيطة نفسها.” وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية، في مجال المسئولية التقصيرية بأن الخطأ يُقاس “بانحراف الجاني عن السلوك المألوف للرجل المُعتاد.. وإن الخطأ يتحقق إذا كان الرجل المُعتاد يستطيع توقع الضرر في نفس الظروف وكان قادرا على منعه لو أنه بذل الحيطة العادية” (طعن رقم 254 لسنة 46 قضائية). وبأن “العبرة في تقدير الخطأ ليست بظروف المدين الشخصية، وإنما بمدى إتفاق سلوكه مع ما يُنتظر من الرجل المُعتاد.” (طعن رقم ١٠٤٨ لسنة ٤٨ قضائية). وبأن “خطأ المهني يُقاس بسلوك الرجل المُعتاد من ذات المهنة والظروف.” (طعن رقم ٥٠٩ لسنة ٤٤ قضائية، مسؤولية الأطباء). وبأن “العبرة في تقدير الخطأ هي بسلوك الشخص المُعتاد، لا بسلوك الشخص الكامل أو المثالي” (طعن رقم 498 لسنة 44 ق).
وفي مجال الإخلال بالإلتزامات التعاقدية، قضت بأن “المدين يُسأل إذا خالف ما يقوم به الشخص العادي في تنفيذ إلتزام مماثل.” وبأن “العبرة في تفسير العقود بما يفهمه الشخص المُعتاد وفق ما جرى عليه العقل والمنطق” (طعن رقم 673 لسنة 49 قضائية). وفي مجال حوادث المرور، تستخدم المحاكم معيار “الرجل المُعتاد” لتحديد ما يلي: 1) هل كان السائق يقود بحذر؟ هل تجاوز السرعة المسموح بها؟ هل كان يتوقع الضرر في هذه الظروف؟ وفي ذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن ” السائق يكون مُخطئًا إذا كان الرجل المُعتاد يستطيع أن يتوقع الضرر ويتجنبه” (طعن رقم ١٤٣٦ لسنة ٥٠ قضائية).
وفي مجال المساءلة التأديبية، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن ” الخطأ التأديبي هو إخلال بواجبات الوظيفة يخرج فيه الموظف عن سلوك الرجل المُعتاد في ذات البيئة الوظيفية.” (طعن إداري عليا رقم ٣٤١٢ لسنة ٤٦ قضائية، تأديب). وبأنه “لا يُشترط في الخطأ التأديبي نية مخالفة القانون، وإنما يكفي انحراف الموظف عن السلوك الواجب مراعاته.” (طعن رقم ٣٢٥٠ لسنة ٤٧ ق عليا). وبأن ” السلوك المُعتاد للعامل يتحدد بما يجري عليه العمل في الجهة وبما يفرضه الواجب الوظيفي.” (طعن رقم ٢١٣٩ لسنة ٤٤ قضائية).
أما معيار “الرجل الحريص”، وهو أيضا نموذج إفتراضي مُصطنع، فيُقصد به الرجل الذي يتمتع بقدر من اليقظة والإنتباه والحيطة والحذر أكبر من “الرجل المُعتاد”. ويستخدمه القضاء في مجال النشاطات الخطرة، والأعمال المتوقع فيها حدوث ضرر كبير، ومسئولية المهنيين والمتخصصين. ورغم أن كلا المعيارين متقاربان في جوهرهما، فإنهما يختلفان في نطاق التطبيق وشدة الإلتزام. وفي كلتا الحالتين، يُقاس مستوى العناية على حسب “المعيار الموضوعي” وليس “المعيار الذاتي”؛ بمعنى أنه لا يُنظر إلى معرفة الشخص الذاتية أو قدراته أو خبرته، بل إلى تصرف الشخص العادي في الظروف نفسها.
ومن مجالات تطبيقه، المسؤولية التقصيرية، ومسؤولية المهنيين (الطبيب، والمهندس، والمحامٍي، وغيرهم)، والتزامات الحيطة في العقود، والخطأ والإهمال في جرائم معينة. ومثال لسلوك الرجل الحريص، سائق يقود سيارته ببطء شديد على طريق زلق وسط أمطار غزيرة مُقارنة بسائق يقود سيارته وفق السرعات المُقررة في الظروف نفسها. ومثال ثان، طبيب يطلب فحوصات أساسية لمريض مُشتبه في إصابته بمرض خطير، مُقارنة بطبيب لا يطلب إجراء هذه الفحوصات رغم وضوح الأعراض.
وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن “لمسؤولية عن الإهمال تقوم على عدم بذل عناية الرجل الحريص.”(طعن رقم 315 لسنة 52 ق). وبأنه “لا تقوم المسؤولية إذا بذل المدين عناية الرجل الحريص.” (طعن 498/44 ق). وبأنه “متى كان الضرر نتيجة إخلال بواجب الإحتياط الذي يلتزم به الرجل الحريص، قامت المسؤولية ولو لم يقصد المدين إحداثه.” (طعن رقم 1939 لسنة 64 قضائية). وبأن “المسؤولية التقصيرية تقوم على عدم بذل عناية الرجل الحريص …” (طعن رقم 315 لسنة 52 قضائية). وبأن “الطبيب مسؤول إذا خالف ما جرى عليه العمل الطبي وما يبذله الطبيب الحريص من فحوص وإجراءات” (طعن رقم 321 لسنة 49 قضائية).
وفي تحديد ما إذا كان السلوك منحرفا عن السلوك المُعتاد، أم لا، يستخدم القضاء، في كل من نظام التقنين المدني والنظام القانوني الأنجلو-ساكسوني “معيار المعقولية”، وهو من أهم المعايير الموضوعية التي تستخدمها المحاكم في مجال المساءلة القانونية المدنية والجنائية والإدارية. وفي النظام القانوني الأنجلو-ساكسوني، يُنظر إلى “الرجل المعقول” باعتباره نموذجا إفتراضيا من صُنع القضاء والفقه، وهو يُمثل الفطنة والتصرف السليم المُتوقع من أبناء طائفته في المواقف التي قد تشكل حدوث ضرر كبير للمجتمع، ويُستخدم بشكل أوسع من مجالات “الرجل الحريص” ويمتد ليشمل الإعتبارات الإقتصادية والإجتماعية والموازنة بين المصالح.
وفي مجال المسئولية المدنية، يُستخدم معيار المعقولية لتحديد ما إذا كان قد وقع “خطأ”، أم لا؟ ومثاله: هل قاد الشخص سيارته بطريقة الشخص الطبيعي المعقول؟ أم بإهمال جسيم؟ وفي المسؤولية الجنائية، يُستخدم في تقدير نية الجاني، وتحديد مدى توافر حالة الدفاع الشرعي، وتقييم توقع الجاني لنتيجة فعله (الركن المعنوي). وفي المسئولية الإدارية، تستخدمه محاكم القضاء الإداري لتحديد مشروعية القرار الإداري، ومدى ملاءمته، وما إذا كان القرار مُتعسفا أو منحرفا بالسلطة. فإذا كان القرار غير معقول بشكل واضح، تلغيه المحكمة لعيب الانحراف وإساءة استعمال السلطة. ويُستخدم، أيضا، لتقدير مدى التناسب بين العقوبة التأديبية والمخالفة الوظيفية. وفي المسئولية العقدية، يُستخدم لتقدير مدى توافر حسن النية، وواجب بذل العناية الواجبة.
وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن “العبرة في تفسير التصرفات بما يفهمه الشخص المُعتاد وفقًا للمعقول.” (طعن 673/49 ق). وبأن “الضرر القابل للتعويض هو الضرر المتوقع توقعًا معقولًا وقت التعاقد.” (طعن 487/48 ق). وبأن “القاضي المدني يُقدر المعقولية في التصرف وفق الظروف الخارجية التي أحاطت بالمتعاقدين” (طعن رقم 1552 لسنة 50 قضائية). وبأن “تقدير نية الجاني يكون وفق ما يتوقعه الشخص العادي المعقول” (طعن رقم 127 لسنة 43 قضائية).
وفي مجال القضاء الإداري، يُستخدم معيار “الإدارة الرشيدة“. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن “القرار غير المعقول هو الذي لا يتصوره عقل إداري سليم في الظروف ذاتها.” وبأن “القرار الإداري يكون مشوبًا بعيب عدم المعقولية إذا إنحرف عن حدود المنطق وما يجب أن تتصف به الإدارة الرشيدة.” وبأن “القرار الإداري يُلغى إذا كان غير معقول أو شاذا بحيث لا يتصوره عقل الإدارة الرشيدة” ( طعن رقم 2345 لسنة 46 قضائية). وبأن “الملاءمة التقديرية مُقيدة بحدود المعقولية، فإذا خرج القرار عنها كان مشوبا بالبطلان.” وتطبيقا لذلك، قضت بإلغاء قرار نقل موظف لعدم وجود سبب معقول (طعن رقم 1600 لسنة 32 قضائية). وبأن “معيار المعقولية هو المقياس الحاكم لسلوك الإدارة في إصدار الجزاءات التأديبية وتقدير مناسبتها” (طعن رقم 6738 لسنة 46 قضائية). وتطبيقا لذلك، ألغت جزاء تأديبيا مُبالغ فيه لعدم تناسبه مع المخالفة. وبأن “كل قرار إداري يفقد علاقة المنطق والضرورة بالهدف المشروع يُعد غير معقول” (طعن رقم 2369 لسنة 35 قضائية). وتطبيقا لذلك، ألغت قرار رفض تعيين لا يستند إلى أسباب موضوعية.
وفي راينا، أن إستخدام هذه المعايير الثلاثة، خصوصا معيار الرجل الحريص، بشكل موضوعي في تحديد مستوى المسئولية ينبغي ألا يقتصر على المجال القضائي فحسب، بل يُمكن أن يمتد ليشمل مجال الأعمال والإستثمار لتقليل المخاطر المالية عبر إتخاذ قرارات مدروسة، ومن ثم، يفرض على المديرين والمستثمرين أن يتصرفوا بحذر أكبر من عامة الناس، لأن قراراتهم تؤثر على الآخرين، وفي المهن المتخصصة، يُقلل إحتمالات وقوع أضرار جسيمة، ويرفع مستوى الثقة بين العملاء والمهنيين، إذ يعلم العميل أن المهني ملتزم بأقصى درجات العناية.



