مقالات

مبدأ “خصوصية العقد”

بقلم د. محمود محمد علي صبره

هل يجوز للطرفين المتعاقدين إلزام الغير بما ورد في العقد المُبرم بينهما؟ وهل يجوز للغير أن يتمسك بما ورد في عقد لم يكن طرفا فيه؟ ولنفرض أن حريقا نشب في منزل مُبرم بخصوصه عقد تأمين، فهل تُلزَم شركة التأمين بتعويض المنازل الأخرى المتضررة من الحريق؟ وهل يجوز للغير أن يرجع على أحد المتعاقدين بالتعويض إذا أثبت حدوث خطأ تقصيري مستقلاً عن العقد؟ وهل يحق للمقاولين الفرعيين أن يطالبوا الجهة الإدارية بأية حقوق تتعلق بالعقد المُبرم بينهم والمقاول الرئيس؟ أجابت الجمعية العمومية لمجلس الدولة المصري والمحكمة الإدارية العليا ومحكمة النقض عن هذه الأسئلة.

وفي ذلك، أفتت الجمعية العمومية، عند نظرها في طلب مراجعة عقد بيع قطعة أرض لإقامة مدينة سياحية مُبرم بين محافظة الإسماعيلية وشركة “نوف-مصر للإستثمار” تضمن إلتزامات تلتزم بتنفيذها الشركة المتعاقدة “مع شركة أخرى تؤسسها” لهذا الغرض، بعدم جواز مراجعة العقد بحالته الراهنة وأعادته إلى المحافظة لإعادة النظر فيه. وقالت الجمعية أن “الأصل في العقود أن تقتصر آثارها على عاقديها، فلا يترتب ما ينشأ من إلتزامات إلا في ذمة المتعاقدين … فإذا تعهد شخص بأن يجعل الغير يلتزم بأمر ونصّب نفسه زعيما بذلك فلا يكون من أثر هذا التعهد إلزام الغير، وإذا إمتنع الغير عن إجازة التعهد فلا يترتب عليه أية مسئولية.”

وتنص مادة (152) من القانون المدني المصري على أن العقد “لا يُرتب إلزاما في ذمة الغير، ولكن يجوز أن يُكسبه حقا.” وتنص مادة (153) على أنه “إذا تعهد شخص أن يجعل الغير يلتزم بأمر فلا يُلزم الغير بتعهده…” ومع ذلك، يجوز للشخص أن يتعاقد بإسمه على إلتزامات يشترطها لمصلحة الغير إذا قبلها الغير.” (مادة-154).

ويُعْرَف هذا المبدأ باسم “نسبية أثر العقد” أو “خصوصية العقد“؛ وبموجبه، لا يُمكن إلزام أي شخص من الغير بما ورد في عقد ليس طرفا فيه، كذلك، لا يُمكن لأي شخص لم يرد ذكره في العقد أن يرفع دعوى على أساسه. ويقوم هذا المبدأ على فكرة أن العقد هو ثمرة التراضي بين إرادتي طرفين، وبالتالي لا يجوز فرضه على من لم يشارك في هذا التراضي. فإذا أبرم شخصان عقد بيع، فإن المشتري والبائع وحدهما يملكان حقوقًا وتترتب على كل منهما إلتزامات بموجبه، ولا يُمكن لشخص آخر أن يُطالب بتنفيذه أو أن يُلزَم بما ورد فيه، حتى لو كان له مصلحة غير مباشرة فيه.

ومن تطبيقات ذلك، أنه إذا أبرم شخص عقد تأمين على منزله ضد الحريق، فإن العلاقة القانونية تقتصر عليه وشركة التأمين فقط. فإذا وقع الحريق، تلتزم شركة التأمين بتعويض المُؤمّن له فقط، ولا يحق لأي جار له متضرر من الحريق أن يطالب بالتعويض؛ وأنه لا يجوز للمقاول الفرعي مقاضاة صاحب العمل مباشرة لعدم وجود علاقة عقدية بينهما إلا إذا نص العقد الأصلي بين صاحب العمل والمقاول الأصلي على هذه العلاقة أو قبلها صاحب العمل؛ وأن المشتري الجديد لعقار لا يُلزم بالشروط الإتفاقية بين البائع والمقاول إلا بنص أو إتفاق صريح في العقد المُبرم بينه والبائع؛ وأن المزايا المالية أو الوظيفية الواردة في عقود خاصة لا تُستمد إلا من العقد ذاته، ولا يستفيد منها غير أطرافه؛ وأن الموظف الذي ليس طرفا في عقد خدمات لا يُمكنه أن يستفيد من مزايا التأمين الصحي؛ وأن “الشروط الواردة في العقد الإداري، مهما سمت، لا تُلزم إلا من إرتبط بها فعلاً، ولا يجوز إلزام الغير بتنفيذها.” وإذا تعاقد مقاول مع صاحب أرض لبناء عمارة، فإن الحقوق والإلتزامات الناشئة عن العقد لا تمتد لتشمل الموردين أو العمال الذين يتعامل معهم المقاول ولا يحق لهم مطالبة صاحب العمل بحقوقهم. فإذا تأخر المقاول في دفع أجور عُماله فلا يحق لهم رفع دعوى على صاحب الأرض للمطالبة بها.

ورغم صرامة هذا المبدأ، فإنه لا يسري في الحالات الآتية:

1) الإشتراط لمصلحة الغير بشرط قبول المستفيد بعد علمه، فيجوز أن يتضمن العقد شرطًا لمصلحة الغير، فيُصبح له حق مباشر في المطالبة بتنفيذه. 2) حلول الدائن محل المدين، ومثاله، رجوع المؤمّن له على المُتسبب بالضرر 3) حوالة الحق أو الدين، وبموجبها تنتقل الحقوق والإلتزامات إلى الغير. 4) المسئولية التقصيرية، والتي تُجيز للغير أن يرجع على أحد المتعاقدين بالتعويض إذا أثبت حدوث خطأ تقصيري مستقلاً عن العقد، أما مجرد الإخلال بالعقد وحده فلا يُرتب حقًا للغير. 5) الحالات التي يرد فيها نص خاص يُجيز للغير الإستفادة من العقد أو التمسك به في حالات معينة، ومثالها، ما قد تنص عليه عقود الإيجار من إمتداد أثر العقد إلى الورثة أو المستأجرين الفرعيين.

وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن ” العقد حُجة بين أطرافه ولا يتعدى أثره للخلف الخاص إلا بنص أو إتفاق.” (طعن رقم 91 لسنة 24 قضائية). مُؤدى ذلك عدم إلزام المشترى الجديد بشروط عقد سابق ما لم يوافق عليها صراحة. وبأنه “لا يجوز لشخص أجنبي عن العقد أن يتمسك بشروطه، ولا أن يطالب بتنفيذها.” (طعن رقم 207 لسنة 44 قضائية). مُؤدى ذلك إستبعاد دعاوى الغير المُؤسسة على عقد بين طرفين آخرين. وبأن “الإخلال بالعقد لا يُرتب مسؤولية قِبَل الغير إلا إذا كان هناك خطأ تقصيري مستقل.” (طعن رقم 423 لسنة 48 قضائية). مُؤدى ذلك التمييز بين المسؤولية العقدية والتقصيرية في علاقتها بالغير. وبأن ” الشرط الجزائي لا يُحتج به على غير المتعاقدين.” (طعن رقم 1784 لسنة 52 قضائية). مُؤدى ذلك عدم نفاذ الشروط الخاصة بالعقد في مواجهة الغير. وبأن “العقد لا يُرتب إلتزامات إلا في ذمة عاقديه، ولا يُفيد منه غيرهم، ولا يُضار به شخص أجنبي عنه، إلا إذا كان القانون أو الإتفاق يقضي بغير ذلك.”

وقضت ايضا بأنه “لا يجوز تحميل الغير بالتزامات ناشئة عن العقد، ولو كان مستفيدًا من نتائجه بطريق غير مباشر.” (طعن رقم 1429 لسنة 53 قضائية). مُؤدى ذلك عدم إمتداد أثر العقد للغير. وبأن ” الخلف العام فقط هو من تنتقل إليه آثار العقد، ولا يملك الخلف الخاص التمسك بشروط لم يشترك في إبرامها.” (طعن رقم 589 لسنة 50 قضائية). وبأنه “لا يحق للمشتري الجديد للعقار الرجوع على المقاول بدعوى تستند إلى العقد الأصلي ما لم يكن هناك إتفاق نافذ أو نص قانوني يُرتب إلتزامًا على المقاول تجاه الخلف الخاص.”

كذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن “العقد الإداري لا يُرتب حقوقًا لغير أطرافه، ولا يُحتج به في مواجهة الغير.” (طعن رقم 10855 لسنة 52 إدارية عليا). مُؤدى ذلك أنه لا يحق للمقاولين الفرعيين أن يطالبوا الجهة الإدارية بأية حقوق تتعلق بالعقد المُبرم بينهم والمقاول الرئيس. وبأن “مجرد الإشتراك في المناقصة لا يُنشئ علاقة تعاقدية.” (طعن رقم 4321 لسنة 46). مُؤدى ذلك أن مُقدمي العروض غير الفائزين في المناقصة لا يستفيدون منها. وبأن “الغير لا يستفيد من تمديد العقد أو تعديل بنوده.” (طعن رقم 7813 لسنة 47). مُؤدى ذلك أن برامج التشغيل وعقود الخدمات لا تستفيد من تمديد العقد الأصلي. وبأنه “لا يجوز للمقاول الفرعي الرجوع مباشرة على الإدارة لانتفاء العلاقة العقدية.” (طعن رقم 1024 لسنة 49).

وفي رأينا، أنه رغم أن الغير لا يجوز له أن يتمسك بما ورد في عقد ليس طرفا فيه، من الشائع أن يرفع الغير دعاوى قضائية ضد أحد الطرفين المتعاقدين للمطالبة بحقوقه المُستحقة لدى الطرف المتعاقد الآخر فيما يتعلق بتنفيذ العقد المُبرم بينهما؛ ومثاله، رفع المقاولين الفرعيين أو الموردين أو العمال دعاوى ضد صاحب العمل للمطالبة بحقوقهم لدى المقاول الفرعي المتعلقة بتنفيذ العقد المُبرم بين جهة العمل والمقاول الأصلي. ولذلك، يُفضل إدراج بند في العقد ينص على ما يلي “إبراء الذمة. يُبرئ المقاول الأصلي ذمة صاحب العمل في مواجهة أية مطالبات بالتعويض عن أية أضرار أو خسائر أو مصروفات، بما فيها مصاريف الدعاوى وأتعاب المحاماة، تنشأ عن قيامه أو وكلائه أو العاملين التابعين له بأية أعمال، أو الإمتناع عن القيام بها، تترتب عليها تلك المطالبات.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى