المركز الاعلامىمقالات

“السلام والامن المجتمعي: نحو استراتيجية وطنيةفي زمن الاضطراب”

بقلم د. محمد ممدوح

في ظل حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي يشهدها العالم اليوم، والتي امتدت آثارها لتطال العالم أجمع، تبرز الحاجة الملحة لإطلاق استراتيجية وطنية شاملة للسلام والأمن الاجتماعي فلم تعد مفاهيم الأمن تقتصر على الحماية العسكرية أو الأمنية التقليدية، بل تشمل بشكل أساسي الأبعاد المجتمعية والنفسية والثقافية التي تشكل حصانة المجتمعات في وجه التحديات المعاصرة. وتكمن أهمية هذه الاستراتيجية في قدرتها على تقديم استجابة فعالة للتحديات الثقافية والاجتماعية العالمية المتسارعة، من خلال إطار استباقي يعمل على توطين السلام المجتمعي وبناء المرونة الداخلية كما تمثل هذه الاستراتيجية حلقة وصل حيوية تربط بين عدد من الاستراتيجيات الوطنية التي تم إصدارها من قبل، مثل استراتيجيات الشباب والتنمية المستدامة ومكافحة التطرف..الخ، حيث تعمل على تنسيق الجهود وسد الثغرات التي قد تكون موجودة بينها، لضمان تكامل الرؤى وتعظيم الأثر.

وتأتي أهمية هذه الاستراتيجية من تناولها لقضايا جوهرية غالباً ما تغفل أو لا تأخذ حظاً كافياً من الاهتمام في الخطط التقليدية، رغم كونها أساساً للسلام الاجتماعي الحقيقي فمن المقترح ان تركز تلك الاستراتيجة علي تعزيز مفاهيم المواطنة الفاعلة والانتماء، وتعمل على نشر ثقافة التسامح ونبذ خطاب الكراهية بكافة أشكاله كما تهدف إلى تعزيز الهوية المحلية الأصيلة في مواجهة تأثيرات العولمة الثقافية الجارفة، والحفاظ على تماسك النسيج المجتمعي وحمايته من عوامل التفتيت. وتمتد رؤية الاستراتيجية المقترحة لتشمل تحويل الإعلام إلى أداة تنموية بناءة، وتعزيز المشاركة المجتمعية الفعلية للمواطنين في القرارات التي تمس حياتهم ولا تتوقف عند هذا الحد، بل تتعامل مع ظواهر حديثة ومعقدة مثل تأثيرات التكنولوجيا والتحول الرقمي على التماسك الاجتماعي، وتسعى لسد الفجوات بين الأجيال وبناء حوار بناء بينها، وتولي اهتماماً خاصاً للمعالجة التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه الأجيال الحالية، وخاصة الشباب، في ظل الضغوط المتسارعة والمتغيرات التي يشهدها العالم.

ومن أجل تغطية هذه القضايا الشاملة، نقترح ان تعمل الاستراتيجية عبر عدة محاور مترابطة يشمل المحور التشريعي والمؤسسي تطوير الأطر القانونية الداعمة للسلام الاجتماعي وإنشاء هيئة وطنية تنسيقية، بينما يركز المحور التربوي والتعليمي على إدماج قيم السلام والتسامح في المناهج وإعداد الكوادر القادرة على نقل هذه القيم، ويهتم المحور الثقافي والاجتماعي بدعم المبادرات المجتمعية وإحياء القيم الإيجابية، أما المحور الإعلامي فيعمل على تطوير خطاب إعلامي مسؤول وإنشاء منصات حوار وطني. ويأتي المحور الاقتصادي والتنموي لربط الاستقرار الاجتماعي بتحقيق العدالة في الفرص وتقليل الفجوات الاجتماعية وأخيرا، يهتم المحور النفسي والدعم الاجتماعي بتوفير شبكة أمان نفسي ومجتمعي عبر مراكز متخصصة وبرامج دعم.

وللخروج بتلك الاستراتيجة نقترح الالية التالية: ألا وهي أتباع مسارا تشاركيا دقيقا يبدأ بمرحلة التشخيص الشامل للواقع المجتمعي، تليها مرحلة التشاور المجتمعي الواسع مع جميع الفئات، ثم مرحلة الصياغة الفنية بمشاركة الخبراء، فمرحلة الاعتماد الرسمي، ومن ثم وضع خطط التنفيذ الواقعية مع مؤشرات قياس واضحة، وتنتهي بآليات للمتابعة والتقييم الدوري لتطوير الاستراتيجية باستمرار.

وبهذا الشكل، يمكن للاستراتيجية الوطنية للسلام والأمن الاجتماعي أن تشكل حجر الزاوية في بناء مجتمع متماسك وقادر على الصمود في عالم مليء بالتحديات والتحولات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى