المركز الاعلامىمقالات

التمييز بين الجهة العامة والجهة الإدارية في مجال إبرام العقود

بقلم د. محمود محمد علي صبره

هل أية جهة حكومية، سواء كانت عامة أو إدارية، يجوز لها أن تُبرم عقودا مدنية أو تجارية؟ وما أوجه الشبه والإختلاف بين الجهة العامة والجهة الإدارية؟ وهل يجوز للجهة العامة أن تُبرم عقدا إداريا؟ وما المقصود بالعقد الإداري؟ وما الأثر القانوني المترتب على إبرام الجهة الحكومية عقدا تصفه بأنه إداري على حين تُكيّفه المحكمة من الناحية القانونية بأنه مدني؟ وهل يجوز للجهة الحكومية عندما تُبرم عقودا مدنية أو تجارية أن تتنازل عن إمتيازات السُلطة العامة بشكل مُطلق؟ أم أن هناك قيودا تحد من هذا التنازل؟ وما هذه القيود، إن وُجت؟ كل هذه الأسئلة سنجيب عنها في هذا المقال.

يثور الخلط بين مُصطلحي “الجهة العامة” و “الجهة الإدارية” ويُستخدمان في حالات كثيرة بشكل خاطئ كمُترادفين، لكنهما ليسا كذلك. ويُقصد بالجهة العامة أي كيان تملكه الدولة وتُديره، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتقديم خدمات عامة عن طريق القطاع الحكومي أو القطاع العام. ومن خصائصها أنها تتمتع بالشخصية الإعتبارية المُستقلة، ولها ذمة مالية مُستقلة، وأهلية قانونية للتعاقد والتقاضي، وإسم ومركز قانوني مُستقل. ويجوز لها أن تمارس نشاطا مدنيا أو تجاريا بالإضافة إلى نشاطها الإداري. أما “الجهة الإدارية” فيُقصد بها الجهة العامة عندما تباشر نشاطًا إداريًا باستخدام إمتيازات السلطة العامة بقصد إدارة وتسيير مِرفق عام، وفي سياق ممارستها لنشاطها، تُبرم عقودا إدارية. ويُمكن القول بأن كل جهة إدارية تُعد جهة عامة، والعكس ليس صحيحا.

ض: 1) أن يَصدر عن جهة إدارية، 2) أن يتصل بمِرفق عام، 3) أن يتضمن شروطا إستثنائية غير مألوفة. ويختص القضاء الإداري بالنظر في المنازعات التي تنشأ عنه. “ويؤدي عدم توافر شرط من هذه الشروط الثلاثة إلى إنتفاء الصفة الإدارية عن الجهة العامة.” (طعن رقم ٦٤٢١ لسنة ٤٧ ق.ع.، المحكمة الإدارية العليا، جلسة 9/6/2006).

والأصل، أن الجهة الحكومية، سواء كانت عامة أو إدارية، تخضع لقواعد القانون العام عندما تُمارس نشاطا إداريا وتُبرم عقودا إدارية، لكن إذا أبرمت عقودا مدنية أو تجارية؛ فإنها تخضع لقواعد القانون الخاص. ويُقصد بالقانون العام القواعد القانونية التي تُنظم العلاقات التي تكون الدولة أو أحد أشخاصها العامة طرفا فيها. أما القانون الخاص فيُقصد به القواعد القانونية التي تُنظم العلاقات القانونية فيما بين الأشخاص العاديين، سواء كانون طبيعيين أو إعتباريين، أو بينهم وجهة حكومية عندما تتصرف دون إستعمال إمتيازات السلطة العامة.

ويُقصد بامتيازات السلطة العامة حق الجهة الإدارية في تعديل العقد بل وإنهائه بإرادة منفردة، وفرض غرامات على المُتعاقد، ومُراقبة أدائه لالتزاماته والإشراف عليه وتوجيهه، وإلزامه بتنفيذ أوامر إدارية تتعلق بسير المِرفق. وإذا تخلت الجهة عن هذه الإمتيازات في العقد الذي تُبرمه، فإنها تخضع للقانون الخاص ويُصبح العقد مدنيا أو تجاريا. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه “إذا خلت شروط العقد من مظاهر السلطة العامة، ولم تحتفظ الإدارة بامتيازات إستثنائية، فإن العقد يخرج عن نطاق العقود الإدارية ولو تعلق بتنفيذ أعمال لصالح مِرفق عام (طعن رقم 3134 لسنة 44 ق. ع.، لسنة 44 ق.ع.، الإدارية العليا، جلسة 18/5/2002)؛ وبأنه “إذا ظهر من شروط العقد أن الجهة الإدارية لم تتجرد من إمتيازاتها كسلطة عامة، فإن العقد يظل إداريًا مهما كانت صورته أو تسميته.” (طعن رقم 1163 لسنة 46 ق.ع.، جلسة 21/1/2004).

وفي تكييف تصرفات الهيئات العامة، يُعتد بطبيعة النشاط الذي تُباشره، لا بوصفها القانوني. فإذا باشرت نشاطًا تجاريًا أو صناعيًا خضعت تصرفاتها للقانون الخاص (طعن رقم 1587 لسنة ٣٦ ق.ع، الإدارية العليا، جلسة 30/6/1990). ومن ثم، لا يكفي كَوْن الجهة هيئة عامة لإضفاء الصفة الإدارية على تصرفاتها، بل يَلزم أن يكون نشاطها مُتصلًا بتسيير مِرفق عام باستخدام إمتيازات السلطة العامة (طعن رقم ٢١٠٤ لسنة 37 ق.ع، الإدارية العليا، جلسة 15/5/1993).

وفي السياق نفسه، قضت محكمة النقض المصرية بأن “العِبرة بطبيعة التصرف لا بصفة القائم به، وأن تصرف الجهة العامة إذا كان تصرفًا تجاريًا عاديًا لا يتضمن إستعمال إمتيازات السُلطة العامة، فإنه يخضع لقواعد القانون الخاص.” (طعن رقم 823 لسنة 44 ق.، نقض، جلسة 1978)؛ وبأن “العقود التي تُبرمها الهيئات العامة بقصد الإستثمار والربح دون أن تتضمن إمتيازات السلطة العامة تخضع للقانون المدني، ويختص بنظر منازعاتها القضاء العادي.” (طعن رقم 1726 لسنة 56 ق.، نقض، جلسة 11/5/1992).

مَفاد ذلك أنه إذا أبرمت جهة عامة عقدا، بصرف النظر عن طبيعة النشاط الذي تمارسه أو الغرض من التعاقد، ولم تظهر فيه بمظهر السلطة العامة المُتمثل في إحتوائه على شروط إستثنائية غير مألوفة لصالحها، كان العقد مدنيا من عقود القانون الخاص وليس إداريا. فإذا كان العقد عقد بيع منتجات الهيئة للغير، كانت الهيئة تتصرف كتاجر فِعلي، ومن ثم، يكون العقد عقدا مدنيا، ويترتب على ذلك خضوعه لأحكام عقد البيع في القانون المدني.

ويترتب على الخلط بين العقد الإداري، من جهة، والعقد المدني أو التجاري، من جهة أخرى، آثار جوهرية خطيرة من جهة الإختصاص القضائي وتكييف العقد ومشروعية القرارات، وحقوق والتزامات الأطراف، والقواعد واجبة التطبيق؛ منها، الخطأ في الإختصاص القضائي، ومِثاله، في حال الطعن على عقد مدني أمام القضاء الإداري، عدم قبول الدعوى لعدم الإختصاص. وإذا إرتأت المحكمة أن العقد مدنيا وليس إداريا، فإنه يخضع لقواعد القانون المدني وتُطبق عليه مبادئ سلطان الإرادة وتكافؤ المراكز القانونية، وتُصبح أية قرارات إدارية تم بموجبها توقيع جزاءات على المُتعاقد أو تعديل العقد بإرادة منفردة قابلة للطعن عليه بالإلغاء.

وفي هذا السياق، يثور التساؤل: ما مد ى حرية الجهة الحكومية، سواء كانت عامة أو إدارية، في التنازل في العقود التي تُبرمها عن إستعمال إمتيازات السُلطة العامة؟ وهل ثمة قيود تخضع لها عند التنازل؟ الأصل أن الجهة الحكومية لا تتمتع بحرية مُطلقة في التنازل عن هذه الإمتيازات، بل تخضع لقيود قانونية صارمة. وبصفة عامة، لا يجوز لها أن تتجرد من طبيعتها كسُلطة عامة ولا أن تهبط بإرادتها التعاقدية إلى حد إهدار المصلحة العامة أو تعطيل المِرفق العام، ولو قبلت صراحةً الخضوع لقواعد القانون الخاص. ويخضع التنازل لرقابة مجلس الدولة المصري من حيث المشروعية، وللقضاء العادي من حيث الآثار العقدية إذا كان العقد مدنيًا أو تجاريًا. وللقاضي أن يُهدر الشرط المُتضمن تنازلًا غير مشروع، أو إعادة تكييف العقد إداريًا رغم تسميته عقدا مدنيا.

ومن هذه القيود ما يلي: 1) يجب أن يكون التنازل صريحا ومُحدّد النطاق. 2) عدم جواز أي شرط يمنع الجهة من التدخل لحماية المِرفق أو إعادة تنظيمه. 3) لا يجوز الإتفاق على ما من شأنه أن يُهدر الرقابة القضائية أو المالية، وأي شرط يُحصّن القرار الإداري تحصينا مُطلقا يكون باطلا بُطلانا مُطلقا. 4) لا يكون التنازل مشروعا إلا إذا كان مُحققًا لمصلحة عامة أو لكفاءة إقتصادية مُعتبرة، أو لضمان حُسن سير عمل المِرفق العام. 5) لا يجوز التنازل عن إختصاصات مُقررة للجهة بنص القانون، كأن تلتزم تعاقديًا بعدم إستخدام سُلطة الضبط الإداري، أو أن تُفوّض المُتعاقد دون سند تشريعي في أمر من إختصاصها.

لكن، هل يختلف الأثر القانوني المُترتب على تنازل الجهة الإدارية عن إمتيازات السُلطة العامة على حسب نوع العقد الذي تُبرمه؟ الإجابة: نعم. ففي عقد التوريد، إذا كان العقد يتعلق فقط بتوريد بضائع ولا يتضمن إدارة مِرفق عام أو تشغيله، جاز لها أن تتنازل عن بعض الإمتيازات؛ ومنها، عدم التمسك بحقها في إنهاء العقد بإرادة منفردة، بحيث يقتصر الإنهاء على الفسخ القضائي أو الإتفاقي او على حالات مُحددة منصوص عليها صراحة فيه. أما في عقد الخدمات، فالقيود تكون أشد منها في حال عقد التوريد لأن التنازل قد يمس جوهر المِرفق العام مُباشرة أو يؤثر في جودة الخدمة العامة. على سبيل المثال، لا يجوز للجهة أن تتنازل عن صلاحيتها في تعديل أسلوب العمل أو الرقابة والتوجيه، أو التدخل لضمان جودة الخدمة.

وفي حال عقدي البيع والإيجار، الأصل أنهما عقدان مدنيان يخضعان للقانون الخاص طالما أنهما لا يتعلقان بتسيير مِرفق عام، ومع ذلك، لا يجوز للجهة التفريط في المال العام أو مخالفة القواعد الآمرة المُنظمة للتصرف.

أما في حال عقد مقاولة الإنشاءات، الأصل أنه لا يُشترط أن يكون إداريًا بالضرورة، ويُمكن أن يكون مدنيًا أو تجاريًا إذا إقتصر على إنشاء مبانٍ أو منشآت ولم يتضمن تشغيل أو إدارة مِرفق عام، ويخلو من أية شروط إستثنائية غير مألوفة. ومع ذلك، لا يجوز التنازل عن كل ما يتعلق بحماية المِرفق العام، ومنها الحق في الإشراف الفني والتوجيه، وفرض غرامات في حال التأخير، وإنهاء العقد في حال إخلال المُتعاقد بالتزاماته الجوهرية، وأي شرط يمنع الإدارة من التدخل لضمان سلامة المِرفق العام يُعد باطلا. ويُلاحَظ هنا أنه رغم أن العقد تضمن شروطا إستثنائية فإنه يظل عقدا مدنيا لأنه لم يتضمن تشغيل أو إدارة مِرفق عام.

وفي رأينا، أنه ينبغي التفريق بين العقود الإدارية بطبيعتها؛ كعقد الأشغال العامة وعقد إمتياز المرافق العامة، والتي تتعلق بتسيير وإدارة مِرفق عام، والعقود التي لا ترتبط مباشرة بإدارة وتسيير مِرفق عام كعقود التوريد ومقاولات الإنشاءات والخدمات وغيرها، التي قد تكون إدارية أو مدنية على حسب ما تتضمنه من شروط. وفي الحالة الأولى، لا يجوز للجهة أن تتنازل عن إمتيازات السلطة العامة، أما في الثانية، فيجوز لها ذلك وفق القيود والضوابط المُشار إليها أعلاه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى