غير مصنف

أثر مخالفة النظام العام في العقود بين البطلان والإنعدام وعدم النفاذ

بقلم د. محمود علي صبره

في حادثة سطو على منزل، سُرقت أشياء مُؤمّن عليها لدى شركة تأمين كان صاحب المنزل إستوردها بالمخالفة للقانون. حدث نزاع بين صاحب المنزل وشركة التأمين لدى مُطالبته لها بتعويضه عنها تنفيذا للعقد المُبرم بينهما لكن الشركة رفضت إستنادا إلى أن العقد مُخالف للنظام العام. هل يجوز له مقاضاتها إستنادا إلى أن عقد التأمين مُستقل تماما عن كون الأشياء محل العقد تم إستيرادها بالمخالفة للقانون؟ وما الأثر المترتب على العقد: هل هو صحيح، أم غير نافذ، أم باطل، أم مُنعدم؟
تُثير هذه الواقعة أسئلة عدة، أبرزها: ما المقصود بالنظام العام؟ ومن أين يستمد مصادره؟ ومن الذي يُحدد ما إذا كان تصرف ما مُخالف للنظام العام، أم لا؟ وعلى أي أساس؟ وما حدود التعارض بين مبدأ عدم جواز مُخالفة العقد للنظام العام ومبدأ سلطان الإرادة؟ وهل كل القواعد الآمرة تُعد من النظام العام؟ وما الأثر المترتب على مُخالفة العقد للنظام العام: عدم النفاذ، أم البطلان، أم الإنعدام؟ كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
يُقصد بالنظام العام مجموعة القواعد والمبادئ والقيم السياسة والإجتماعية والأخلاقية والإقتصادية التي تتعلق بالمصالح العليا للمجتمع. ويُمكن تتبع نشأة مفهوم النظام العام وتطوره عبر أربع مراحل رئيسية: الأولى، في القانون الروماني عندما تم التفريق بين القواعد الآمرة والقواعد المُكملة، وفيها نشأت فكرة بُطلان التصرفات التي تمس الأمن العام أو الأخلاق العامة أو كيان الدولة. الثانية، نشأت في ظل الفلسفة اليونانية القديمة عندما ربط أفلاطون وأرسطو القانون بفكرة العدالة والصالح العام واعتبرا أن أي إتفاق يُخالف الأخلاق أو العدالة يُعد باطلا. الثالثة، وفيها تحولت فكرة النظام العام إلى أداة تشريعية وقضائية وإرتبطت في البداية بالقانون المدني الفرنسي، خصوصا، مادة (6) التي نصت على أنه “لا يجوز للأفراد أن يُخالفوا باتفاقاتهم القوانين التي تتعلق بالنظام العام والآداب.” مفاد ذلك أن حرية التعاقد ليست مُطلقة، وأن هناك مصالح عليا تسمو على الإرادة الفردية. الرابعة، واكبت التطور القضائي العادي والإداري، وفيها توسّع مفهوم النظام العام وأصبح مَرنا متغيرا يتكيف مع حاجات المجتمع.
ومن خصائص قواعد النظام العام أنها آمرة ولا يجوز الإتفاق على ما يخالفها ولو برضا الأطراف المُتعاقدة، ويجوز للمحكمة أن تُثيرها من تلقاء نفسها حتى لو لم يتمسك بها الخصوم، ولا تُصَحح بالإجازة اللاحقة، ولا تسقط بالتقادم. وتتغير قواعد النظام العام بتغير الزمان والمكان؛ فما يُعد من النظام العام في دولة أو زمن مُعين قد لا يكون كذلك في دولة أو زمن آخر. ويستمد النظام العام قواعده من ثلاثة مصادر أساسية: 1) النظام العام السياسي ويشمل التنظيم السياسي للدولة والتشريعات المعمول بها فيها. 2) النظام العام الإجتماعي والأخلاقي ويشمل الآداب العامة والقيم الأخلاقية السائدة وحماية الأسرة وكرامة الإنسان. 3) النظام العام الإقتصادي ويشمل حماية الإقتصاد الوطني ومنع الإحتكار وتنظيم الأسعار وحماية الفئات الضعيفة كالمستهلك والعامل. ويظهر أثر النظام العام بوضوح في العقود من خلال بُطلان العقد أو الشرط التعاقدي المُخالف للنظام العام، وعدم جواز التنازل عن حقوق مُقررة لحماية طرف ضعيف، كالعمال أو المستهلكين، وتقييد حرية التعاقد متى تعارضت مع مصلحة المجتمع.
والأصل، أن النظام العام لم ينشأ لحماية العقد، بل لحماية المُجتمع والدولة، فهو سابق على العقد وأعلى مرتبة منه، ولذلك: لا يُترك الجزاء لإرادة المتعاقدين؛ ولا لقاعدة الإستقرار أو التقادم، ولا حتى لسلامة الأركان الشكلية للعقد. ومن المبادئ القضائية المُستقرة أن “حرية التعاقد مُقيدة بقواعد النظام العام، ولا يُحتج بشريعة المتعاقدين عند المُخالفة” (طعن رقم ١٢٦ لسنة ٤٢ ق، جلسة 27/2/1977)، وأنه “إذا كان محل الالتزام أو سببه مُخالفًا للنظام العام أو الآداب كان العقد باطلًا بُطلانًا مطلقًا لا تُصححه الإجازة” (طعن رقم ٤٨ لسنة ٤١ ق، جلسة 26/11/1975).
ويثور التساؤل: لماذا يترتب على مخالفة النظام العام البُطلان المُطلق، عادة، وليس البُطلان النسبي أو الإنعدام؟ الإجابة: لأن العقد إصطدم بحدٍّ أعلى سابق عليه، وهو النظام العام. أما الإنعدام، فيُعد إستثناء ضيقا، ولا يلحق إلا تصرفًا فقد أحد أركانه الجوهرية (كما في حال عيوب عدم الإختصاص الجسيم أو الإرادة أو المحل أو الغاية أو السبب)، ومن صُوره صدور العقد من جهة غير مُختصة ولائيا؛ والتوقيع من شخص لا يملك سُلطة التعاقد؛ وانعدام الرضا؛ واستحالة وجود المحل. هنا لا يوجد “عقد” أصلًا، بل واقعة مادية لا تُنتج أثرًا قانونيًا. وهنا، يثور السؤال: لماذا لا تكفي مُخالفة النظام العام وحدها لاعتبار العقد مُنعدما؟ الإجابة: لأن الإنعدام مُرتبط بـغياب السلطة أو رُكن أساسي لا مُجرد مُخالفة قاعدة آمرة. وفيما عدا ذلك، تؤدي مخالفة النظام العام إلى البُطلان المُطلق ولو إستوفى العقد أركانه الشكلية (طعن رقم ٢٤٢ لسنة ٥٠ ق، جلسة 9/2/1984).
ويُعتبر مبدأ المشروعية من النظام العام، وكل تصرف إداري يُخالفه يقع باطلا (طعن رقم ١٦٥٦ لسنة ٤٠ ق.ع، جلسة 27/2/1999). ومثال ذلك، إبرام عقد توريد بالمخالفة لقانون التعاقدات العامة. ويُعتبر عيب عدم الإختصاص الجسيم مُخالفا للنظام العام ويؤدي إلى إنعدام القرار الإداري (طعن رقم ٣١٣٤ لسنة ٤٤ ق.ع، جلسة 18/5/2002). أما عدم الإختصاص البسيط، فيؤدي فقط إلى البُطلان (طعن رقم ٤٥٢٩ لسنة ٤٣ ق.ع، جلسة 9/6/2001). ومن أمثلته، التعاقد دون إتباع إجراءات التعاقد الجوهرية الواجبة، وتجاوز حدود التفويض المالي، والإخلال الجسيم بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص.
وتتميز العقود الإدارية بخصوصية مُعينة فيما يتعلق بالنظام العام لأنها لا تقوم على حرية الإرادة وحدها، بل على حماية المال العام، وضمان حُسن سير المرافق العامة، وتكافؤ الفرص والمساواة والشفافية. لذلك، يغلب عليها الإلتزام بقواعد النظام العام مقارنة بالعقود الخاصة. ومن أمثلة التصرفات التي تعد مُخالفة للنظام العام: مخالفة القواعد الآمرة للتعاقد، والتنازل غير المُبرر عن حقوق مالية لجهة التعاقد، وتضمين العقد شروطا تُقيد الرقابة على تنفيذ مضمونه. ويندر الإنعدام في التعاقدات الحكومية لأن أصل النظام العام لا يفترض إنهيار الوجود القانوني، بل يُبطل التصرف حِمايةً للمصلحة العامة، ولا يتم اللجوء إلى الإنعدام إلا في حال إنهيار الأساس ذاته.
ومن الصور الشائعة لمخالفة النظام العام في عقود التوريد، الإتفاق على توريد سلع محظور تداولها قانونًا، أو بدون ترخيص، أو (في العقود الإدارية) التعاقد بالمخالفة لقواعد الشفافية والمنافسة، أو تجاوز حدود الاختصاص المالي أو الوظيفي للمُتعاقد باسم الجهة. وفي عقود مقاولات الأنشاءات، تنفيذ أعمال بدون ترخيص مُسبق، أو مخالفة إشتراطات السلامة أو التخطيط العمراني، أو الإخلال بقواعد حماية البيئة، أو التنازل عن إلتزامات جوهرية تمس السلامة العامة. وفي عقود العمل، تكييف العقد على أنه عقد خدمات بهدف مخالفة قواعد الحد الأدنى للأجور أو الحماية العمالية.
لكن، من الذي يُحدد ما إذا كان تصرف ما مُخالف للنظام العام، أم لا؟ وعلى أي أساس؟ يُعد المشرّع هو أول من يضع الإطار العام للنظام العام، وذلك عبر النص صراحة على قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مُخالفتها، وتقرير جزاءات صريحة (البطلان، عدم النفاذ، الإنعدام، العقوبات).
لكن القاضي هو صاحب الكلمة النهائية في تحديد ما إذا كانت القاعدة محل المخالفة من النظام العام أم لا؟ وهل تُرتب بطلانًا، أم إنعدامًا، أم مجرد عدم نفاذ؟ ويخضع تقديره لرقابة محكمة النقض. وعند تحديد ما إذا كان التصرف ينطوي على مُخالفة النظام العام، يُطبق القاضي ثلاثة معايير: الأول، التحقق من مصدر القاعدة محل النظر: هل هي آمرة أم مُكملة؟ فإذا كانت آمرة، تُعد من النظام العام، لكنها ليست حاسمة وحدها. والعِبرة ليست بوصفها بأنها آمرة، بل بالغاية التي قصد بها المُشرع إقرارها.
ويتعلق المعيار الثاني بنوع المصلحة التي تحميها القاعدة: هل هي عامة أم خاصة؟ فإذا كان الهدف منها حماية مصلحة عامة جوهرية، أو تتعلق بتنظيم المرفق العام، أو بالقيم الأساسية للمجتمع، أو ذات طابع دستوري، تُعد من النظام العام. أما إذا كانت مُقرّرة لحماية مصلحة خاصة رغم طابعها الإلزامي؛ ومثالها، بعض قواعد حماية المُستهلك، والإيجارات، والعمال، فلا تكون من النظام العام. أما المعيار الثالث، فيتعلق بمدى خطورة الأثر المترتب على المُخالفة. فإذا كان يترتب عليها إضطراب جسيم في النظام القانوني أو الإجتماعي، تعد من النظام العام، أما إذا كانت مجرد مُخالفة عادية، لا تُعد من النظام العام.
وللتحقق مما إذا كان العقد يتضمن مُخالفة للنظام العام، أم لا، والأثر القانوني المترتب عليها، إسأل الأسئلة الثلاثة الآتية: 1) هل العقد صَدر من سُلطة مُختصة؟ إذا كانت الإجابة: لا، يكون العقد مُنعدما. 2) هل روعيت الإجراءات والقواعد الآمرة في التعاقد؟ إذا كانت الإجابة: لا، يكون العقد باطلا بُطلانا مُطلقا. 3) هل المخالفة تمس الغاية من التعاقد وليس مجرد مضمون العقد؟ إذا كانت تمس الغاية منه، يُعتبر العقد مُنعدما. وإذا كانت تمس المضمون فقط، يُعتبر العقد باطلا.
والآن، دعونا نعود إلى الواقعة المذكورة في صَدر هذا المقال: هل يجوز لشركة التأمين أن تمتنع عن تعويض صاحب المنزل عن سرقة أشياء من منزله تم الحصول عليها بالمخالفة للقانون إستنادا إلى بُطلان العقد المُبرم بينهما لمخالفته للنظام العام؟ عند نظر القضية في محكمة في نيوزيلندا، قالت المحكمة “قد يبدو أن عقد التأمين ذاته- الذي يُعد مُستقلا عن أي تصرف غير قانوني- واجب النفاذ. لكن إذا كان المقصود منه أن يشمل مُمتلكات تم الحصول عليها بالمخالفة للقانون، يُصبح العقد مُرتبطا بتصرف غير مشروع، ومن ثم، يُصبح غير نافذ.” مؤدى ذلك أن عقد التأمين في حد ذاته لا يُعد مشوبا بعدم المشروعية، لكن سيكون أمرا مُخالفا للنظام العام إذا ساعدت المحاكم المُدعي بتمكينه من الحصول على التعويض لأن ذلك سيكون كما لو أنها تُساعده في الحصول على منفعة من خرق مُتعمد للقانون، وبذلك تُساعده في مُخالفة النظام العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى