**ما وراء النظريات: رحلة من “العدالة المجردة” إلى “الذكاء العاطفي”.. نحو مفهوم إنساني واستراتيجي شامل لإدارة التغيير**
بقلم د. محمد عبد الفتاح

غفي رحلتي المستمرة للتطوير المهني وسعيي الدائم لدمج الخبرات المتراكمة بأحدث المنهجيات العالمية، أتيحت لي الفرصة مؤخراً للتعمق في برنامج “جوجل لإدارة المشاريع الاحترافية” (Google Project Management). والحقيقة أن ما تقدمه هذه المدرسة العريقة يتجاوز مجرد التدريب التقليدي؛ فهو تجربة معرفية غنية تمزج بين الأطر العالمية الصارمة والقصص الواقعية التي يرويها متخصصون، مما يجسد معاني إدارية عميقة بأسلوب احترافي يستحق كل التقدير.
ومع ذلك، وبينما كنت أُقلب صفحات المنهجيات الحديثة، استوقفتني “الفجوة الخفية” بين ما هو مكتوب في الكتب وبين ما يدور في أروقة المؤسسات الحقيقية. فبينما تُعرف جوجل والعديد من المدارس الإدارية التقليدية “إدارة التغيير” بأنها عملية توجيه الأفراد والمؤسسات من الحالة الراهنة إلى حالة مستقبلية منشودة لضمان نجاح المشروع، وجدتُ من واقع ممارستي الميدانية لسنوات كقائد تربوي وإداري أن هذا التعريف – رغم دِقته الأكاديمية – قد يغفل البعد الأهم: “الإنسان ومشاعره”.
لقد تطلب الأمر مني خوض تجربتين مفصليتين ومتناقضتين تماماً في مسيرتي الإدارية لأصل إلى قناعتي الخاصة.
**التجربة الأولى: وهم “العدالة” في البيئة غير المهيأة**
في بداية حياتي الإدارية، كنت أعتنق مبدأً مثالياً، وهو أن “النجاح في الإدارة يعني فعل ما هو صحيح وحق لصالح المؤسسة وازدهارها”، دون النظر بعمق للمصاعب التي قد تترتب على ذلك من جانب أصحاب المصلحة. كانت إدارتي ديمقراطية تشاركية، وكنت أشارك فرق العمل في صنع القرار، ولكنني كنت صارماً في إقامة العدل.
اتخذت قرارات جريئة لإعادة توزيع المهام والحقوق بشكل عادل، وكنت لا أقبل توظيف إلا من أجدهم جديرين بالعمل ومحترفين. نظرياً، أدى ذلك إلى نجاح باهر للمدرسة وارتفاع مؤشرات الأداء، ولكن عملياً، فاتني درس قاسٍ: “إقامة العدل تعني بالضرورة سلب امتيازات من أناس أخذوها بغير حق”. هؤلاء لم يستقبلوا “المهنية” بالتصفيق، بل بالمقاومة الشرسة.
لقد تعلمت حينها أن المهنية والمثل العليا هي أساس النجاح، ولكنك كمدير لا تعمل في فراغ. لابد من “تهيئة الأجواء” التي تساعد في تقبل أعمالك، أو ما نسميه “ثقافة العمل”. لقد أدركت متأخراً أنه في حال وجد المدير أن بيئة العمل “مسمومة”، وأنه غير قادر على إعادة ضبطها عبر آليات “إدارة التغيير” التي تستبق القرارات والمشاريع، وفي حال يقينه بأن معارضة أصحاب المصلحة ستحقق ضرراً يفوق فائدة التغيير المنشود، فإن الاستمرار يصبح نوعاً من المكابرة. البقاء في مثل هذه الظروف ليس صموداً، بل هو طريق مؤكد نحو “الاحتراق الوظيفي”، وتآكل للسمعة المهنية، وإرهاق شديد للأعصاب، خاصة لمن يحرصون على التميز والنجاح.
**التجربة الثانية: سحر “الاحتواء” والقيادة بالحب**
في مرحلة لاحقة، وتحديداً في التجربة الثانية، وجدت نفسي أتصرف بشكل مغاير تماماً، مسلحاً بحكمة التجربة السابقة. بدأت العمل كعادتي بخطط تستقى من فرق العمل طبقاً للهيكل الوظيفي، ولكن الفارق الجوهري كان في “الحساسية” لردود الأفعال.
كنت أتحسس بعناية ردود أفعال الفرق تجاه الإجراءات التي تتطلب بذل جهد أكبر، مثل تفعيل الإشراف على الطلاب، أو ربط الحوافز بالجهود بشكل فعال (وهو ما قد يعني نقصاً محتملاً في دخل البعض)، أو تقنين اتصال أولياء الأمور بالمشرفين، أو تشديد المتابعة الفنية. لم أفرض هذه التغييرات بقوة السلطة، بل كنت أحرص على الجلوس في حوارات شخصية ومطولة مع جميع أصحاب المصلحة، أتلمس رأيهم وتقييمهم لما يتم من عمليات، وأعرض عليهم إيجابيات ذلك القرار أو الإجراء بشكل يوضح الفائدة العائدة عليهم وعلى المؤسسة.
كنت على علم بوجود صراعات قديمة في المدرسة بين أقطاب من مشرفين ووكلاء، لذا كانت استراتيجيتي هي “التوازن الدقيق”. كنت أزن كل كلمة، بل وحتى “الابتسامة” أثناء الاجتماعات كنت أوزعها بعدل حتى لا يُفهم أنني أميل لطرف دون آخر. عقدت جلسات ودية كثيرة جمعت بين الفرقاء، مما أذاب الجليد وأسرى في المدرسة روحاً طيبة انعكست فوراً على الأداء، وأكسبني ثقة الجميع.
ولعل أبرز ما طبقته في هذه التجربة هو استراتيجية “التحفيز الذكي”. لقد لاحظت غياب ثقافة التقدير، ولم يعطني مجلس الإدارة ميزانية مادية للتحفيز، فكان لابد من حل بديل. كنت في الساعة التاسعة مساءً – وهو وقت مناسب لقدرة الجميع على المتابعة – أكتب على مجموعة “الواتس أب” التي تجمع كل منسوبي المدرسة رسائل صوتية أو مكتوبة ألخص فيها مرئياتي عن حصص زرتها، أو نشاط إداري فوق المعتاد، أو إذاعة مدرسية متميزة، أو نشاط لاصفي رائع. كان الغرض الظاهر هو التشجيع بعبارات تأسر القلوب وتلامس المشاعر، ولكن في ثنايا هذا التشجيع الغزير، كنت ألفت النظر بذكاء ولطف شديد إلى نقطة أو نقطتين تحتاجان إلى تطوير.
النتيجة كانت مذهلة: سرت روح جميلة من التنافس الإيجابي، وتحول العمل من واجب ثقيل إلى شغف. أصبح الجميع يعمل ويجتهد، لا خوفاً من “المدير”، ولكن حرصاً على “رضاه” ورغبة في نيل تلك الإشادة المسائية. هنا أدركت أنني نجحت في تغيير الثقافة قبل تغيير الإجراءات.
**تعريف د. محمد عبد الفتاح لإدارة التغيير**
من رحم هاتين التجربتين – قسوة الأولى وحكمة الثانية – ومن وحي العلم الحديث، يسعدني أن أصيغ تعريفي الخاص لإدارة التغيير، والذي أعتبره منهج حياة إداري:
> **”إدارة التغيير هي عمليات استباقية وتفاعلية تبدأ قبل المشروع، وترافق كل مراحله، وتمتد لما بعد نهايته؛ غرضها الجوهري هو تحقيق أعلى نسبة تشارك وقبول من أصحاب المصلحة.”**
**لماذا هذا التعريف؟ وما أبعاده الاستراتيجية؟**
**أولاً: الاستباقية كشرط للوجود (مرحلة ما قبل المشروع)**
الإدارة الحكيمة لا تنتظر وقوع الأزمة لتديرها. إن دراسة “إمكانية قبول” أصحاب المصلحة ووضع آليات لتعزيز هذا القبول قبل الشروع في التنفيذ هي مسألة حياة أو موت للمشروع. وبالتالي، فإنه إذا وجدت أن معارضة المشروع أو الإجراء أو القرار أقوى من الفوائد المتوقعة منه، فيجب تعديل ذلك المشروع أو سحبه بالكلية؛ هذا يوفر الهدر في الطاقات والوقت.
**ثانياً: المرونة والمواكبة (أثناء المشروع)**
إدارة التغيير ليست قالباً جامداً، بل هي “ترمومتر” يقيس حرارة المؤسسة لحظة بلحظة. هي تلك الجلسات الودية، وتلك الرسائل المسائية، وتلك الابتسامات المتوازنة. هي القدرة على تعديل المسار وصقل الآليات لضمان أن التشارك نابع من ولاء حقيقي وليس مجرد امتثال صوري للأوامر.
**ثالثاً: الأمان والاستدامة (ما بعد المشروع)**
الكثير من مشاريع التغيير تنهار فور رحيل القائد أو انتهاء المشروع التقني. لذا، فإن امتداد إدارة التغيير لما بعد المشروع ضرورة قصوى للمحافظة على استمرارية النتائج، ومعالجة الآثار السلبية غير المتوقعة، وترسيخ ثقافة إيجابية داعمة تؤدي بالضرورة لزيادة الإنتاجية بشكل طبيعي ومستدام، بحيث تستمر العجلة في الدوران بنفس الكفاءة حتى لو تغير الأشخاص.
**كلمة ختامية**
نحن نعيش في عصر البيانات والذكاء الاصطناعي، ولكن يظل “الإنسان” هو اللغز والحل. إن تطور الأدوات وعمق المنهجيات لا يغني عن العنصر البشري الذي هو المحرك الأساسي لكليهما. الإدارة الحكيمة هي التي تدرك أن كسب القلوب والعقول، وبناء بيئة آمنة ومحفزة، هو الطريق الوحيد لضمان بقاء الأثر ونجاح التغيير.
—


