المركز الاعلامىمقالات

الجزاءات الإدارية .. بين الفلسفة العقابية والفلسفة التنظيمية

بقلم د. محمود علي صبره

أصدر جهاز حماية المنافسة قرارا بوقف نشاط مُنشأة إقتصادية تأسيسا على ثبوت إشتراكها في إتفاق أفقي لتحديد الأسعار بما يضر بالمستهلك بالمخالفة لما ينص عليه قانون حماية المنافسة ومنع الإحتكار المصري رقم (3) لسنة 2005. والسؤال: هل يجوز للمُنشأة أن تطعن على القرار؟ وعلى أي أساس؟ وتثير هذه الواقعة أسئلة عدة حول الجزاء الإداري والهدف منه، والمصادر التي يستمد منها مشروعيته، منها: هل يُعد الجزاء الإداري “عقوبة” أم “تنظيما إداريا”، وما معايير التفرقة بين الحالتين؟ وهل الغرامة المالية تُفرض بقرار إداري من الجهة الإدارية المختصة أم بحُكم قضائي؟ وما معايير التمييز بين مصطلحات “الجزاء الإداري” و “الغرامة المالية الجنائية” و “الغرامة التنظيمية الإدارية”؟. كل هذه الأسئلة وغيرها سنجيب عنها في هذا المقال.

تتعدد أشكال الجزاءات الإدارية وتتنوع بين التدابير التنظيمية والغرامات المالية، لكنها تشترك كلها في أنها لا تُعد عقوبات جنائية، بل تدابير تستهدف ضمان الإمتثال للقوانين واللوئح وانتظام سير المرافق العامة. ومن المبادئ القضائية المُستقرة أن مُجرد كون الجزاء ماليًا لا يُضفي عليه وصف العقوبة الجنائية. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصربأن “الجزاءات المالية التي تُوقعها جهة الإدارة ليست من قبيل العقوبات الجنائية، وإنما هي تدابير إدارية تستهدف حَمْل المخاطبين بأحكام القانون على إحترامها، وضمان حُسن سير المرافق العامة”.(طعن رقم ١٦٥٦ لسنة ٤٠ ق.ع، جلسة 27/2/1999).

ومن خصائص الجزاء الإداري، أنه يصدر بقرار إداري ويخضع لاحقًا للرقابة القضائية، أو يَصدر بقرار بإحالة من الجهة الإدارية ويُوقع بحُكم قضائي، ولا يخضع لقواعد قانون العقوبات، ولا يجوز فرضه إلا إذا نص القانون أو اللائحة على نوع المخالفة، ومقدار الجزاء أو حدوده، والجهة المُختصة بتوقيعه. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن “توقيع الجزاء الإداري، وبوجه خاص الجزاء المالي، دون سند صريح من القانون، يُشكل إفتئاتًا على مبدأ المشروعية، ويؤدي إلى إلغائه.” (طعن طعن رقم ٢١٠٧ لسنة ٣٧ ق.ع، جلسة 5/4/1997).

وباعتباره يصدر بقرار إداري، يجوز الطعن عليه أمام القضاء الإداري من جهة المشروعية، والتناسب، والإختصاص، والسبب. ولا يجوز أن يبلغ حد القسوة أو يتحول إلى عقوبة مُقَنعة. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه “متى جاوز الجزاء الإداري المالي حد المعقول، أو إنطوى على مغالاة لا تتناسب مع جَسامة المخالفة، تَعيّن إلغاؤه لمخالفته مبدأ التناسب»” (طعن رقم ٤٥٢٩ لسنة ٤٣ ق.ع، جلسة 9/6/2001).

ويُمكن التمييز بين نوعين من الفلسفة المُطبقة في مواجهة الجرائم: الأول، الفلسفة العقابية، والتي تنطلق من فكرة أن الجزاء يُمثل ردا على سلوك مُجرّم، ووسيلة للردع الخاص والعام. هنا الغرامة تُعد “عقوبة”، وترتبط بوصف قانوني للمخالفة وتُوقَع بحُكم قضائي وتتسم بطابع جنائي، ولا تضع في الإعتبار حجم النشاط أو المنفعة التي تم إكتسابها أو القدرة المالية للمُخالف. والأصل، أن كل غرامة يترتب عليها إيذاء ماليا بقصد الردع تُعدعقوبة حتى لو سُميت “تدبيرًا”.

أما النوع الثاني فهو الفلسفة التنظيمية، ومؤداه أن الغرامة تُعد وسيلة لتحقيق الإمتثال التشريعي وليست عُقوبة. ومن مظاهر ذلك أن أصبحت تُفرض غرامات تهديدية يومية، وغرامات مُرتبطة بنسبة من رأس المال أو الإيراد، ولا تخضع لقيود العقوبة الجنائية، ولا يُفسر النص حَرفيا بل يُفسر على حسب الغاية من التشريع. وبينما تصلح الغرامات العقابية للمُخالفات الجسيمة، تُعد الغرامات التنظيمية أنسب للأسواق، والمرافق العامة، والتراخيص، والأنشطة الإقتصادية.

ويختلف الأثر القانوني المترتب على الإجراء على حسب تكييفه القانوني، فإذا كان عقوبة جنائية مالية، خضع لرقابة مبدأ الشرعية، وعدم إزدواج العقوبة، والتناسب، وشخصية العقوبة، أما إذا كان تدبيرا تنظيميا إداريا، فيخضع لرقابة المشروعية، والسبب، والتناسب دون تطبيق قواعد العقوبات والتأديب.

وقد يتم الجمع بين الفلسفتين في أداة واحدة وهي الغرامة المالية؛ ومثاله، قانون حماية المنافسة المُشار إليه. فرغم أن الغرامات المالية المنصوص عليها فيه تُعد، أصلا، عقوبات جنائية، وليست مجرد إجراءات تنظيمية، فإن الإجراءات السابقة على تحريك الدعوى، وتحديدا إجراءات التحري وجمع الأدلة والإحالة، تظل ذات طابع تنظيمي خاص دون أن يُغير ذلك من الطبيعة الجنائية للغرامة ذاتها، والعِبرة، وفقا لقضاء المحكمة الدستورية، ليست بالجهة التي تبدأ الإجراء، بل بالجهة التي تملك سُلطة توقيع الجزاء.

ومن أمثلة الغرامات المالية التنظيمية، أيضا تلك التي ينص عليها قانون المحال العامة رقم (154) لسنة 2019، وقانون التصالح في بعض مخالفات البناء رقم (17) لسنة 2019، وقانون التعاقدات العامة لسنة 2018. ومثال ذلك، ما نصت عليه مادة (107) من قانون البناء الموحد لسنة 2008 من أنه “يُعاقب المُخالف بغرامة تعادل 1% من إجمالي قيمة الأعمال المُخالفة عن كل يوم يمتنع فيه عن تنفيذ ما قضى به الحُكم أو القرار النهائي من الجهة المُختصة من إزالة أو تصحيح أو إستكمال، وذلك بعد إنتهاء المدة التي تُحددها الجهة الإدارية لتنفيذ الحُكم أو القرار.” ومثال ثان، قانون حماية المنافسة المُشار إليه الذي ينص على فرض “مُقابل مالي” عن كل فترة يتم فيها عدم الإلتزام بالتعهدات السعرية التي تُقدمها المنشأة. هنا، يُعد الجزاء الإداري إتفاقي قريب في طبيعته من غرامة التأخير في العقود الإدارية، وهدفه ضمان جدية التعهد لا العقاب. لاحِظ أيضا أن الجزاء هنا يُسمى “مُقابل مالي” وليس “غرامة مالية”.

وتميل التشريعات الحديثة إلى التنفيذ المَبني على الإمتثال لا المبني على العقاب. وبدلا من الإغلاق أو وقف النشاط أو سحب العمل، تُفرض الغرامات المالية. وبعبارة أخرى، بدلا من فلسفة “العقاب” تُطبق فلسفة “التنظيم”. ومثال ذلك، ما نصت عليه مادة (34) من قانون المحال العامة رقم (154) لسنة 2019 من أنه “فيما عدا الجرائم التي يترتب عليها الإضرار بصحة الإنسان وسلامته وفي حالات العود، يجوز التصالح مع المُخالف إذا أزيلت أسباب المُخالفة أو تصحيحها.” كذلك، يُعاقب قانون البيئة رقم (4) لسنة 1994، في كثير من المخالفات، بفرض غرامة مالية وإلزام المنشأة بإزالة المُخالفة بدلا من الإغلاق. وفي قانون البناء الموحد رقم (119) لسنة 2008، إعتمد المُشرع فرض مقابل مالي (غرامة تصالح) بدلا من الإزالة أو وقف الأعمال.

ويُعد قانون حماية المنافسة النموذج الأوضح للفلسفة التنظيمية؛ إذ ينص على غرامات ضخمة وقبول التصالح دون المساس بالكيان القانوني للشركة بدلا من غلقها، وذلك بهدف ردع السلوك المُخالف دون إخراج الفاعل من السوق. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن “القرار الإداري الذي يُهدر النشاط الإقتصادي دون ضرورة حقيقية يكون مَشوبًا بعدم المشروعية.” (طعن رقم 6489 لسنة 49 ق.ع، جلسة 10/2/2007)؛ وبأنه “لا يجوز إتخاذ تدبير إداري يؤدي عمليًا إلى القضاء على النشاط محل الترخيص، إلا لضرورة قصوى.” (طعن رقم 5974 لسنة 47 ق.ع، جلسة 3/6/2006).

والآن، دعونا نعود إلى الواقعة المُشار إليها في صَدر هذا المقال ونبحث مدى صحة القرار الذي أصدره جهاز حماية المُنافسة بوقف نشاط الشركة المُخالفة، وما إذا كان يجوز لها أن تطعن عليه؟

بموجب مادة (20) من القانون، على جهاز حماية المنافسة “عند ثبوت مخالفة حُكم مادة (6)…، تكليف المُخالف بتعديل أوضاعه وإزالة المخالفة أو إتخاذ تدابير تصحيحية فورًا أو خلال فترة زمنية يُحددها المجلس … وللمجلس … أن يصدر قرارا بوقف الممارسات المُخالفة … لفترة زمنية مُحددة متى كان يترتب عليها وقوع ضرر جسيم على المنافسة أو المُستهلك يتعذر تداركه.”

والأصل أن الجهاز لا يَملك سُلطة وقف النشاط بقرار إداري مُباشر، وكل ما يختص به هو التحقيق، والتدخل الوقتي، والإحالة إلى القضاء. ولا يُعد وقف ممارسة النشاط في قانون حماية المنافسة عقوبة إدارية، بل تدبير وقتي وقائي، ولا يُوقع إلا بحُكم قضائي، وبالقدر اللازم لدفع خطر جسيم ووشيك على المنافسة. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن “وقف النشاط أو غلق المنشأة يُعد من أخطر القيود على حرية النشاط، ولا يجوز إتخاذه إلا بنص تشريعي صريح، وبالقدر اللازم لدفع خطر جسيم، ولا يُفترض هذا الاختصاص للجهة الإدارية.” (طعن رقم 3829 لسنة 46 ق.ع، جلسة 3/6/2006). ويُعتبر وقف النشاط بقرار إداري مُباشر من الجهة الإدارية بمثابة عدم إختصاص جسيم يترتب عليه إنعدام القرار لا بُطلانه فقط.

كذلك قضت المحكمة الدستورية العليا بأن “حرية ممارسة النشاط الاقتصادي من الحريات التي كفلها الدستور، ولا يجوز تقييدها إلا بقانون، ولضرورة تقتضيها المصلحة العامة، وبما لا يمس جوهر الحق.” (دعوى رقم 49 لسنة 17 ق دستورية، جلسة 4/5/1996). مَفاد ذلك، أن أي قيد جسيم دون سند تشريعي أو ضرورة يُعتبر غير دستوري، ومن ثم، يحمل وقف النشاط بقرار إداري مُباشر شبهة عدم دستورية مباشرة.

وبناء على ما تقدم، كان يجب على الجهاز في الحالة الماثلة، بداية، تكليف المُخالف بتعديل أوضاعه وإزالة المخالفة أو إتخاذ تدابير تصحيحية فورًا أو خلال فترة زمنية يُحددها. ولا يجوز للجهاز وقف ممارسة النشاط مُباشرة إلا في حالتين: الأولى، كإجراء وقتي في حال وجود خطر جسيم وشيك على إستمرار المنافسة لا يمكن تداركه لاحقًا بشرط أن يكون القرار مُحدد المدة والغاية منه، وأن يُوضح طبيعة الضرر المُحتمل وجسامته وأنه على وشك الحدوث. وفي هذه الحالة، يُحيل الواقعة إلى القضاء ولا يُوقع الجزاء. والثانية، الوقف تنفيذا لحكم قضائي نهائي بثبوت المخالفة. هنا، يُنفذ الجهاز الحُكم ولا يَبتدع الجزاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى