المركز الاعلامىمقالات

شرط “شمول العقد لكل الإتفاق”

بقلم د. محمود محمد صبره

تخيل أن مُقاولا أو مُوردا توصل إلى تفاهم مع جهة الإدارة قبل إبرام العقد يُجيز له أن يطلب تعديل سعره في حالات مُعينة لكن العقد النهائي لم يتطرق لهذا التفاهم، فهل يجوز له قانونا أن يطلب ذلك؟ وهل يُمكن للمحكمة أن تلجأ إلى وثائق سابقة للتعاقد لتفسير المقصود من عبارات غامضة وردت في العقد؟ وهل يُمكن لجهة الإدارة أن تطلب تعديل العقد إستنادا إلى نص ورد في كراسة الشروط والمواصفات يتعارض مع ما ورد فيه؟ وما الأثر المُترتب على تضمين العقد شرطا ينص على “شمول العقد لكل الإتفاق” فيما يتعلق بالإتفاقات السابقة على الدخول فيه؟ وهل يختلف ذلك الأثر في العقود الإدارية عنه في العقود المدنية؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.

أولاً، في حال الإتفاقات الشفهية، سواء كانت سابقة على التعاقد أو لاحقة له، تُطبق قاعدة “الدليل الشفهي”، ومؤداها أنه لا يجوز لأي إتفاق شفهي بين الطرفين أن يُغير من الإتفاق المكتوب بينهما. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأنه “لا يجوز الإثبات بشهادة الشهود فيما يُخالف أو يُجاوز ما إشتمل عليه دليل كتابي كامل.” (طعن رقم 364 لسنة 44 ق.، جلسة 15/3/1978).

ثانياً، في حال تعلق الإتفاق السابق بالتزامات تم التوصل إليها كتابيا لكنها تتعارض مع ما نص عليه العقد النهائي، قضت محكمة النقض بأن “الشروط المتعلقة بذات التصرف الواردة في العقد النهائي هي المَرجع في بيان نطاق التعاقد وشروطه وتحديد الحقوق والإلتزامات” (طعن رقم 1845 سنة 49 ق، جلسة 12/4/1983). وبأن “العبرة في العقود هي بالصيغة النهائية التي إرتضاها الطرفان، لا بما دار في التفاوض.” (طعن رقم 1485 لسنة 49 ق.، جلسة 24/1/1983).

ثالثا، في حال تعلق الإتفاق السابق بالتزامات وردت في العقد النهائي مُصاغة في عبارات غامضة، يجوز للمحكمة الرجوع إلى الوثائق السابقة للإستعانة بها في تفسير تلك العبارات. وبموجب مادة (150-1) من القانون المدني المصري “… 2) إذا كان هناك محل لتفسير العقد، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحَرْفى للألفاظ، مع الإستهداء فى ذلك بطبيعة التعامل، وبما ينبغى أن يتوافر من أمانة وثقة بين المُتعاقدين، وفقا للعُرف الجارى فى المعاملات.” مؤدى ذلك أنه إذا كانت عبارة العقد غير واضحة، جاز للقاضي أن يستخلص الإرادة الحقيقية للمُتعاقدين من عناصر خارجية منها الإتفاقات السابقة بينهما. ويرى الفقية المصري السنهوري أن “الأصل في تفسير العقد هو البحث عن النية المشتركة للمُتعاقدين … وإذا كان نص مادة (150) يضع معايير موضوعية للبحث عنها كطبيعة التعامل والعُرف الجاري في المُعاملات، فإنها ليست إلا طرقاً للنفاذ إلى الإرادة الحقيقية للمُتعاقدين على نحو مُنضبط يُمكن الإطمئنان إليه.”

رابعا، في حال تعلق الإتفاق السابق بالتزامات كتابية لم يتطرق إليها العقد النهائي ولا يتضمن نصا يستبعد ما عداه من إتفاقات تتعلق بموضوعه، تظل تلك الإلتزامات نافذة طالما أنها لا تتعارض مع ما ورد في العقد. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن “إبرام العقد النهائي بذاته لا يعني عدول المُتعاقدين عما عداه من باقي التصرفات بل يبقى العقد الإبتدائي سارياً بجميع شروطه في شأنها، بحيث يُصبح العقد النهائي قانون المتعاقدين في خصوص التصرف الذي يشمله فقط (طعن رقم 1845 سنة 49 ق، المشار إليه في الفقرة السابقة).

هنا، قد يُفاجأ أحد المُتعاقدين بأن الطرف الآخر يتمسك بوجود إتفاق سابق بينهما حول إلتزام مُعيَّن لم يتطرق إليه العقد النهائي ويستخلص القاضي صِحته ونفاذه. ولمنع حدوث ذلك، برزت أهمية إدراج شرط في العقد يُسمى “شمول العقد لكل الاتفاق” ينص على أن “العقد النهائي يُجسّد مُجمل الإتفاق بين الطرفين فيما يتعلق بموضوعه، ويحل محل ويلغي كل الإتفاقات والتفاهمات والإلتزامات المُتفق عليها بينهما قبل التوقيع عليه، سواء كانت شفهية أو كتابية، صريحة أو ضمنية، ما لم تُدرج صراحة فيه. ولا يكون لأي تعديل لاحق للعقد أي أثر ما لم يُوافق عليه الطرفان صراحة كتابيا.” ويؤدي وجود هذا الشرط إلى تعزيز قرينة مؤداها أن النص المكتوب هو التعبير الكامل عن الإرادة الحقيقية للطرفين المُتعاقدين.

ويثور التساؤل عن ما إذا كان تضمين العقد النهائي بندا ينص على شموله لكل الإتفاق يعني عُدول الطرفين عن أية إلتزامات أخرى مُتفق عليها سابقا بينهما تتعلق بموضوعه لم يرد لها ذِكر صراحة فيه؟ أم تظل مُلزمة لهما رغم عدم ورودها فيه؟ الأصل، أنه إذا نص العقد على شمول العقد لكل الإتفاق، فإن العقد النهائي يُعد ناسخًا لما سبقه من إتفاقات غير مُدرجة فيه. ويُفهم من ذلك أن الأطراف عَدَلت ضمنًا عن الإلتزامات السابقة التي لم ترد فيه، ومن ثم، لا يجوز الإحتجاج بها.

وتستند هذه القاعدة إلى ثلاثة مبادئ رئيسة؛ الأول، “سلطان الإرادة” ومؤداه أن “العقد شريعة المتعاقدين ولا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين.” (مادة-147، ق. مدني). وبالتالي، إذا إتفق الطرفان على أن العقد المكتوب هو كامل الإتفاق فإن إرادتهما تتجه إلى إستبعاد غيره. والثاني، مبدأ “تفسير العقد وفق الإرادة الظاهرة”، ومؤداه أنه “إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الإنحراف عنها.” (م-150 ق. مدني). وبالتالي، إذا كان النص واضحًا في أن العقد يشمل كل الإتفاق فلا يجوز الإستناد إلى إتفاقات سابقة. والثالث، مبدأ “إندماج الإرادة في الوثيقة النهائية”؛ ومؤداه أنه إذا تضمّن العقد نصًا يُجسِّد كل الإتفاق النهائي، فإن الإرادة التعاقدية تندمج في مُحرَّره، ولا يُعتد بأية تفاهمات سابقة عليه.

ومن المبادئ المُستقرة لمحكمة النقض المصرية أنه إذا حَرر الطرفان عقدًا نهائيًا فإن هذا العقد يُعد تعبيرًا عن الإرادة النهائية لهما ويُعتبر ناسخًا لما سبقه من إتفاقات أو مفاوضات. وتطبيقا لذلك، قضت بأن ” تحرير عقد نهائي بين الطرفين يُفيد العدول عما سبقه من إتفاقات تمهيدية، ما لم يثبت أن هذه الاتفاقات أريد إستمرارها.” (طعن رقم 196 لسنة 33 ق، جلسة 30/4/1968). وبأن “العقد النهائي المكتوب هو المرجع في تحديد حقوق والتزامات المُتعاقدين.” (طعن رقم 456 لسنة 44 ق، جلسة 19/2/1979). كذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن “العقد الإداري هو شريعة المتعاقدين، ولا يجوز إضافة إلتزامات غير منصوص صراحة عليها فيه.” (طعن رقم 2678 لسنة 33 قضائية عليا، جلسة 6/5/1989). مؤدى ذلك أن الإدارة لا يجوز لها التذرع بمفاوضات سابقة لتعديل نصوص واضحة. وقضت أيضا بأن “المكاتبات السابقة على إبرام العقد لا تُنشئ إلتزامًا إذا خلا منها العقد النهائي.”

واستثناء من ذلك، تظل الإتفاقات السابقة مُلزمة في الحالات الآتية: 1) إذا ثبت أن الإلتزام السابق مُستقل عن العقد، ومثال ذلك، إذا كان الإتفاق يتعلق بخدمات إضافية، أو بضمان خاص، أو بأعمال لاحقة. 2) إذا كان مُكملا للعقد ولا يتعارض معه، ومثال ذلك، الإتفاق على مواصفات فنية، أو برامج تنفيذ، أو جداول زمنية، خاصة، في عقود المقاولات والتوريد. 3) إذا ثبت أن الطرفين قصدا بقاء الإتفاق السابق. 4) إذا كانت تلك الإلتزامات تتعلق بالقواعد الآمرة أو بامتيازات السلطة العامة أو بمبدأ حُسن النية أو بنظرية الظروف الطارئة. 5) إذا كانت تلك الإلتزامات تتعلق بالتزامات إضافية وردت في تفاهمات سابقة، حتى لو كانت ضمنية، تتماشى مع الإلتزامات الصريحة في العقد، ما لم ينص الشرط صراحة على إستبعادها.

ويثور التساؤل عن ما إذا كان الأثر المترتب على الإتفاقات السابقة للتعاقد في العقود الإدارية يختلف عنه في العقود المدنية؟ وفي رأينا، أنه في الحالتين، يخضع العقد لمبدأ “سلطان الإرادة” مع خضوع العقد الإداري لبعض القيود المتعلقة بالقواعد الآمرة وامتيازات السلطة العامة ومبدأ المشروعية التي لا يخضع لها العقد المدني. على سبيل المثال، لا يمنع وجود هذا الشرط رقابة القضاء على مُخالفة العقد لكراسة الشروط، أو قواعد المساواة والمنافسة، أو إساءة استعمال السلطة. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن “شرط شمول العقد لكل الإتفاق” يُحصّن الإدارة والمُتعاقد من التوسّع التأويلي، لكن ذلك مُقيد بخضوع العقد الإداري للقواعد الآمرة.” (طعن رقم 1106 لسنة 37 ق. ع.، جلسة 27/4/1996). ورغم أهميته، لا يُعد هذا الشرط مُطلقًا، إذ لا يمنع الطعن في صحة الإلتزامات بسبب الغلط أو التدليس أو الإكراه، أو الغش أو الإحتيال، فهو شرط تنظيمي للإثبات والتفسير لا يُحصّن العقد من العيوب الجوهرية.

ويثور التساؤل حول ما إذا كان وجود الشرط في العقد يترتب عليه إستبعاد ما ورد في كراسة الشروط والمواصفات من أحكام لم يتطرق إليها أو تتعارض مع أحكامه؟ وفي رأينا، أنه إذا وردت أحكام في كراسة الشروط لم يتطرق إليها العقد ولم ينص على أن الكراسة تُعد جُزءا منه، لا تسري تلك الأحكام. أما إذا كان ينص على أنها جزء منه، تُصبح نافذة ما لم تتعارض مع نصوصه. وفي حال تعارض ما ورد في الكراسة مع نصوص العقد، يُعد ما ورد فيه مُعدلا لما ورد في الكراسة باعتبار أنه تم التوصل إليه لاحقا باتفاق الطرفين.

ومن المهم عند إدراج هذا الشرط في العقد، التأكد من أنه يشمل كل ما إتفق عليه الطرفان في كل المراسلات والترتيبات والتفاهمات التي تمت بينهما قبل الدخول فيه، سواء وردت في مراسلات عادية أو إلكترونية، أو محاضر إجتماعات أو مذكرات تفاهم أو عقود مبدئية أو أي شكل آخر من التفاهمات بينهما. كذلك، ينبغي تجنب الصياغة العامة الغامضة لنصوص العقد لأنها قد تدفع المحكمة إلى البحث عن المقصود منها في التفاهمات السابقة. ولتحصين العقد من المخاطر ذات الصلة، ينبغي أن ينص الشرط على أن “ملاحق العقد ووثائقه تُعد جزءا لا يتجزأ منه؛ وأن المُتعاقد يُقر بأنه إطلع عليها ولم يعتمد في الدخول في العقد على أي بيان أو إقرار أو تعهد أو ضمان لم يُدرج صراحة فيه أو في وثائقه وملاحقه؛ وبأن أية مراسلات أو محاضر إجتماعات أو عروض تمهيدية أو بيانات فنية أو مراسلات عادية أو إلكترونية أو أي نوع من التفاهمات السابقة لن يُعتد بها ما لم ينص عليها العقد صراحة، أو تصدر عن السلطة المختصة قانونًا.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى