المركز الاعلامىمقالات

سفاح التجمع.. رئيس الرقابة يغيب والمقص يسبق المشاهدة

بقلم ا. محمد لطفي

يبدو أن تَكَالُب أسباب الانهيار على السينما المصرية كان ينقصه أن يُشارك به طرف آخر، وهو جهاز الرقابة على المصنفات الفنية.
ففي موسم هزيل، صار لدينا 4 أفلام للعرض في عيد الفطر المبارك، ولكن الرقابة قررت فجأة أن تحذف منهم فيلم “سفاح التجمع” في واقعة تعد ملابساتها بمثابة الجريمة مكتملة الأركان، خاصة أنها خرجت علينا ببيانين أشد هزالًا من الموسم السينمائي الحالي في محاولة لتبرير ما حدث، إلا أن الصدمة كانت أشد، والملابسات كانت أعظم من أن تمتصهما تلك البيانات الهزيلة.
في السطور التالية، نقدم قراءة مختلفة حول كواليس ما حدث في أزمة “سفاح التجمع”، اعتماداً على البيانات الرسمية للرقابة على المصنفات الفنية والتصريحات الصحفية لصنّاع العمل.

وحتى نفهم ما حدث بالضبط؛ فقد جرت العادة على أن يقدم صنّاع الأفلام ما صار متعارفًا عليه بـ”السيناريو النظيف”، حيث يخلو السيناريو المكتوب من المناطق الشائكة، ولذا يصدر تصريح الرقابة على السيناريو المكتوب مذيلا بعبارة أن “التصريح النهائي للعمل يصدر بعد مشاهدة الشريط السينمائي للفيلم”.

وفي هذه الأزمة تحديدًا، هناك ثلاثة أطراف: الطرف الأول، وهم صنّاع العمل؛ والطرف الثاني، وهم الرقباء الذين شاهدو العمل وقاموا بترقيبه؛ والطرف الثالث، وهو رئيس الرقابة على المصنفات الفنية.

ويبدو أن المشكلة الحقيقية في الأزمة؛ أن رئيس الرقابة لم يشاهد الفيلم المُصوَّر لـ”سفاح التجمع” قبل عرضه ضمن لجنة المشاهدة، وأن الرقباء الذين شاهدوا الفيلم طلبوا حذف الكثير من المشاهد المُصوَّرة منه وهو ما التزم به صناع الفيلم؛ ولكنهم في نفس الوقت طرحوا برومو للفيلم على السوشيال ميديا يتضمن بعض المشاهد المحذوفة، وهي مشاهد مرعبة بالفعل لو أنها طُرحت في الفيلم (وهو عادة ما يفعله السبكي في أفلامه). وهنا “مكمن اللخبطة التي حدثت”، لأن من يشاهد البرومو يمكن أن يُصاب بالصدمة فعلًا من أن يتم طرح فيلم بهذا القدر من العنف والجرأة، رغم أن هذه المشاهد حذفت بالفعل من العمل.

وكان من الطبيعي أن تُثير المشاهد المحذوفة التي تضمَّنها برومو العمل الكثير من اللغط على مواقع التواصل الاجتماعي. ولو كان رئيس الرقابة على المصنفات الفنية شاهد النسخة النهائية بنفسه قبل طرح العمل في دور السينما، لكان من السهولة عليه بمكان أن يمتص الصدمة، وأن يطلب من صنّاع العمل حذف البرومو من السوشيال ميديا وليس مصادرة الفيلم، ولكن يبدو أنه اعتقد أن الفيلم يتضمن هذه المشاهد، فاتخذ هذا القرار الفج.

وفي بيانها الأول، حاولت الرقابة التبرير بقولها إن الشركة المنتجة “لم تلتزم بالسيناريو المُجاز”. يا للهول؛ ما هذه الجريمة؟! إنها تحدث في كل فيلم في العالم! فالعبرة في السينما ليست بالنص المكتوب، بل بالشريط المُصوَّر. والسؤال الساخر هنا: إذا كانت الرقابة رأت أن الشريط به تجاوزات، فلماذا منحته التصريح النهائي من الأساس؟ لماذا تركته يُعرض في السينمات ثم نزلت إليه بالعصا البيضاء؟ هل هذه رقابة أم مسرحية تفتيش بعد فوات الأوان؟

أما افتراض أن المنتج خالف الملاحظات الرقابية، فهذا أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الحقيقة، فهل يتخيل العقلاء أن منتجاً سيجازف بملايينه ويخالف الرقابة؟ إنه كلام لا يصدقه إلا من فقدوا الاتصال بالواقع. وقد نفى ذلك المخرج محمد صلاح العزب والمنتج كريم السبكي، مؤكدين أن النسخة المعروضة موجودة والملحوظات موجودة ويمكن بسهولة التأكد أن ما تم عرضه هو الفيلم الذي تم الاتفاق عليه مع الرقابة. هنا الأمر بسيط؛ وعلى رأي المثل “آدي الجمال وآدي الجمَّال؛ إما أن تثبت الرقابة التهمة للرأي العام، أو تعتذر عن هذه المهزلة.
وما يحسم الجدل في هذه الجزئية أن “فاوتشر العرض” يكتب على ظهره المشاهد المحذوفة من الأفلام أي أنه ليس هناك مناص من تنفيذ قرارات الرقابة أيا كان من هو المنتج وأيا كانت نيته في الإفلات من قرارات الرقابة.

ثم يأتي السبب الثاني: “عرض البرومو غير المرخص”، وهذا السبب تحديداً يدعو للضحك؛ فإذا كان البرومو هو المشكلة، فلماذا يُسحب الفيلم؟ هل يعقل أن يُشنق اللص بسبب حذائه؟ كل عاقل يعرف أن الحل هو سحب البرومو، وليس إيقاف فيلم كامل، ولكن المشكلة أن الرقيب لا يعلم أن المشكلة في البرومو وليست في الفيلم.

أما السبب الثالث، فهو ذروة الكوميديا ومصدر السخرية الأكبر: أفيش مكتوب عليه “مستوحى من أحداث حقيقية” لشخصية “سفاح التجمع” الذي حكم عليه بالإعدام. فهل تريد الرقابة أن تقنعنا أن الجمهور غبي لدرجة أنه لا يعرف أن الفيلم عن السفاح الحقيقي؟ أم أنها كانت تنوي منع الفيلم خوفاً من أن يقتدي المجرمون بالسفاح بعد عودته من الإعدام؟ إنهم تركوا الاسم “سفاح التجمع” دون اعتراض، ثم فوجئوا بأن القصة حقيقية، فهل يمكن أن يكون سبب المنع هو الخوف على مشاعر السفاح؟

أتصوّر بشكل شخصي أن الرقابة على المصنفات الفنية الحالية، لم تكن لتقع في هذه الأزمة إلا إذا كان لديها مشكلة حقيقة في “سيستم الإدارة”، فهذه الأزمة الأخيرة، عرض لمرض خطير يتمثل في الإمساك بالعصا من المنتصف، واللعب على الحبال المتناقضة. فمؤسسة الرقابة، ليس من مهامها على الإطلاق الدفاع عن الحريات أو ادعاء الركوب في قارب المبدعين. ولا يمكن لرئيس الرقابة على المصنفات أن يرفع شعار الحرية بيده اليمنى بينما يمسك المقص بالفعل في يده اليسرى، وليعلم أنه بإصراره على رفع هذه الشعارات فإنه يفقد مصداقيته على أرض الواقع، لأن دور الرقابة يتمثل في تطبيق القانون الرقابي وحماية المجتمع من شطط بعض المبدعين أو خروجهم عن النص. أما البحث عن الجماهيرية بين صناع الفن أو الجهات الإنتاجية أو الناس، فهو أمر لا يتناسب وطبيعة عمل الرقابة، وإلا كان أقدر الناس بهذا الأمر هو الكاتب العالمي نجيب محفوظ الذي قال قولته الخالدة: «إن الرقابة، كما فهمتها، وظيفتها، ببساطة، أن تحمي سياسة الدولة العليا وتمنع الدخول في مشاكل دينية قد تؤدِّي إلى الفتنة الطائفية، ثم المحافظة على الآداب العامة وقيم المجتمع وتقاليده في حدود المعقول».
فهل يفهم المسؤولون اليوم هذه الكلمات؟ أم أننا سنظل ننتظر بياناً ثالثاً يكون أكثر هزالاً من سابقيه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى