المركز الاعلامىمقالات

صياغة لائحة السلوك لأعضاء البرلمان في ضوء المبادئ القضائية والتجارب الدولية الحديثة

بقلم د. محمود محمد صبره

يقول الرئيس الفرنسي الأسبق “شارل ديجول” إن “المؤسسات القوية تقوم على رجال يحترمون قواعدها.” ويُعد وضع لائحة للسلوك لأعضاء البرلمان، يلتزمون بقواعدها وتتسم بالكفاءة والفعالية، مؤشرا قويا على قوة البرلمان وأفضل أداة لضمان صحة التشريع. وقد وضعت منظمات دولية مثل منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD والإتحاد البرلماني الدولي IPU ومجلس أوروبا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، معايير للنزاهة البرلمانية تستخدمها دول عدة عند وضع لوائح السلوك البرلماني. وقبل أن نتناولها، دعونا ننظر فيما حدث وأدى إلى ظهور الحاجة لوضع هذه المعايير.

في سنة 2009، كشفت الصحافة البريطانية عن إساءة استخدام أعضاء في مجلس العموم البريطاني لنظام تعويض العضو عن النفقات التي يصرفها خلال أداء مهامه البرلمانية. وكشفت التحقيقات عن مُطالبة عدد من النواب بنفقات غير حقيقية، وشراء أثاث ومستلزمات شخصية على حساب البرلمان. وأدت هذه التحقيقات إلى إستقالة النواب، ومُحاكمة بعضهم جنائيا، وتعديل نظام الرقابة المالية على النواب وإنشاء هيئة مستقلة لإدارة نفقات النواب. وفي سنة 2021، إتهم عضو المجلس “أوين باترسون” بالضغط في المجلس لصالح شركات خاصة في مقابل تقاضيه أجرًا نظير ذلك. وأوصت “لجنة المعايير المعنية بالحياة العامة”، التي شُكلت في سنة 1995 وتسري قواعدها على كل الموظفين العموميين، بتعليق عضويته لمدة 30 يوما، وفي النهاية، إستقال العضو من البرلمان.

وفي سنة 2017، خلص تقرير لجنة الأخلاقيات في البرلمان الكندي إلى أن رئيس الوزراء السابق “جاستن ترودو” خالف قواعد حظر تضارب المصالح بقبوله رحلة مجانية لقضاء إجازة مُموَّلة من مؤسسة “أغا خان” نظراً لوجود تعاملات رسمية بينها والحكومة الكندية. وشملت التهم المُوجهة إليه قبول هدايا ومزايا قد تؤثر على موضوعية قرارات البرلمان، ما إعتبر خرقاً لمواد عدة في قانون حظر تضارب المصالح الكندي. وقد إعتذر “ترودو” لاحقاً عن قبول الدعوة.

وفي سنة 2020، إتهم رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق “فرانسوا فيون” بإساءة إستخدام الأموال العامة وعدم إلتزامه بتجنب تضارب المصالح وذلك بأن وظف زوجته كمُساعدة برلمانية دون أن تمارس أي عمل فِعلي. وحَكمت عليه محكمة الإستئناف في مايو 2022 بالسجن لمدة أربع سنوات بينها سنة مع النفاذ وبدفع غرامة قدرها 375 ألف يورو مع منعه من الترشح لمدة (10) سنوات، وأيدت محكمة التمييز الحُكم. وترتب على ذلك تشديد قواعد الشفافية المالية للنواب.

وتُظهر هذه الوقائع أهمية وضع لائحة لسلوك الأعضاء في البرلمان لتعزيز ثقة الجمهور في نزاهة العمل البرلماني وضبط سلوك الأعضاء في أثناء مُمارسة مهامهم. ورغم أن لائحة السلوك تتقاطع مع اللائحة الداخلية للبرلمان، فيما يتعلق بالقواعد السلوكية، لا تُعد بديلة عنها بل مُكملة لها. كذلك، لا تُعد لائحة إجراءات أو جزاءات أو مُجرد قواعد أخلاقية، بل هي لائحة تنظيمية داخلية تستند إلى ثلاثة مصادر أساسية؛ هي: الدستور، واللائحة الداخلية للمجلس، والأعراف البرلمانية.

ومن أهم قواعد الإنضباط التي يجب أن تتضمنها لائحة السلوك البرلماني ما يلي:
1) الحفاظ على كرامة البرلمان وسُمعته. ويشمل ذلك إحترام رئيس المجلس والأعضاء، وعدم إستخدام ألفاظ غير لائقة، والإلتزام بآداب النقاش البرلماني. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن “الموظف العام يلتزم في سلوكه بما يحفظ كرامة الوظيفة العامة داخل العمل وخارجه.” (طعن رقم 1808 ق.ع.، جلسة 17/1/1998). وبأن “كل سلوك يصدر عن الموظف العام ويؤدي إلى الإضرار بسمعة الوظيفة يُمثل مُخالفة تأديبية.” مُؤدى ذلك وجوب إلتزام العضو بأن يكون سلوكه يليق بسُمعة البرلمان ولا يضر بثقة الجمهور فيه لأن ما يسري على الموظف العام يسري على النواب.

2) حظر تضارب المصالح؛ وعَمليا، يعني ذلك الإمتناع عن المُشاركة في مُناقشة أي موضوع تكون للعضو مصلحة شخصية فيه. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن “المصلحة الشخصية التي تؤثر على حياد الموظف العام تُمثل إخلالا بواجبات الوظيفة.” (طعن رقم 1820 لسنة 30 ق.ع.، جلسة 15/5/1988).

3) الإفصاح المالي عن الشركات التي للعضو مصلحة فيها، والأسهم التي يمتلكها، والإستشارات التي يقدمها في مقابل أجر، ومصادر دخله، وأية هدايا أو مزايا يتلقاها. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن “الشفافية في إدارة الشأن العام تُعد من متطلبات المشروعية.” (طعن رقم 4313 لسنة 40 ق.ع.، جلسة 16/2/1997). وفي بريطانيا، يُنشر “سجل المصالح المالية للأعضاء” على الموقع الإلكتروني لمجلس العموم البريطاني، ويُتاح الإطلاع عليه للجمهور.

4) حظر إساءة إستغلال الصفة البرلمانية للحصول على مزايا خاصة أو التدخل لدى جهات حكومية لمصلحة شخصية. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن “إستعمال السلطة لتحقيق غرض شخصي يُمثل إنحرافا بالسلطة يُعيب القرار الإداري.”

5) الحيدة والنزاهة. وفي ذلك قضت المحكمة بأن “الحيدة والنزاهة من المبادئ الأساسية التي يجب أن يلتزم بها شاغل الوظيفة العامة.” (طعن رقم 2546 لسنة 32 ق.ع.، جلسة 4/1/1992).

6) الإفصاح عن العلاقة مع جماعات الضغط واشتراط أن تكون شفافة ومُعلنة ودون مقابل مالي. على سبيل المثال، في الإتحاد الأوروبي، يُستخدم “سجل خاص لجماعات الضغط” ويُلزم الأعضاء بتسجيل أسمائهم فيه والإفصاح بشكل يتسم بالشفافية عن مشاركتهم في إجتماعاتها وتواصلهم معها.

7) حظر تلقي الهدايا التي قد تؤثر في إستقلال العضو وحياده وإلزامه بالإفصاح عنها. ومثال ذلك، تُلزم لائحة السلوك للبرلمان الكندي العضو بالإفصاح عن الهديا التي تتجاوز قيمتها مبلغا معينا.

8) تشكيل لجنة مُستقلة لمراقبة السلوك الأخلاقي لأعضاء البرلمان تختص بتلقي الشكاوي والتحقيق فيها والتوصية بالجزاء.

9) وجود نظام جزاءات واضح ومُعلن. وعادة، تكون الجزاءات في حال مخالفة اللائحة تدريجية وتشمل ما يلي: التنبيه، توجيه اللوم، الحرمان من الكلام، الحرمان من حضور الجلسات، وقد تصل في حال المخالفات الجسيمة إلى إسقاط العضوية. وتُنشر القرارات على الموقع الإلكتروني للمجلس.

10) تدريب الأعضاء على الإلتزام بقواعد السلوك وتجنب تضارب المصالح وقواعد النزاهة.

11) إلتزام العضو بتبني “معيار النزاهة”؛ وعمليا، يعني ذلك أن يسأل العضو نفسه قبل المُوافقة على أي قرار: هل يُحقق له منفعة شخصية؟ وهل يُمكن أن يُنظر إليه على أنه يُمثل تضاربا في المصالح؟ وهل سيؤثر على ثقة الجمهور فيه؟

وفي بريطانيا، تعتمد لائحة السلوك على التقاليد البرلمانية ومبادئ “نولان” السبعة Nolan Principles وهي إطار أخلاقي أساسي للحياة العامة وتشمل: تغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، النزاهة، الموضوعية، المُساءلة، الشفافية، الإفصاح، والقدوة الحسنة. وتطبق هذه المبادئ على كل من يعمل في مجال الخدمة العامة. وفي كندا، قد يُطلب من النائب التخلي عن بعض الأصول أو وضعها فيما يُسمى “بالصندوق الأعمى” blind trust. ويتمتع “مُفوَّض الأخلاقيات” بصلاحيات واسعة للتحقيق وهو مُستقل عن البرلمان والحكومة. ويُعد النموذج الكندي الأكثر تطورا في مجال تطبيق قواعد السلوك لأعضاء البرلمان.

ويثور التساؤل عن الأساس الدستوري والقضائي لمُساءلة العضو عن سلوكه داخل البرلمان وخارجه، ونطاق المُساءلة التي يخضع لها. وقد أرست المحكمة الدستورية العليا في مصر مبدأين مُهمَّين: الأول، إستقلال البرلمان في تنظيم شؤونه الداخلية تطبيقا لمبدأ الفصل بين السُلطات، والثاني: خُضوعه للدستور مثل أية سُلطة أخرى. وتُفرَّق المحكمة الإدارية العليا بين القرارات الإدارية المتعلقة بالموظفين البرلمانيين، وهذه تخضع لرقابة القضاء الإداري، وسلوك الأعضاء خلال ممارستهم لمهامهم، وهذا يخضع لرقابة البرلمان.

وبموجب الدستور المصري، وأغلب الدساتير، لا يُسأل العضو عما يُبديه من آراء تتعلق بأداء أعماله في المجلس أو لجانه. ولا تجوز مساءلته تأديبيًا أو مدنيًا أو جنائيًا بسبب رأي أو تصويت داخل المجلس. ومع ذلك، يخضع العضو لثلاثة أنواع من المُساءلة: الأولى تأديبية، والثانية جنائية، والثالثة سياسية.

فإذا خالف العضو واجبات العضوية أو قواعد النظام أو لائحة السلوك، فإن هذه المخالفات تخضع لجزاءات تأديبية يُقررها البرلمان وفق لائحته الداخلية. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الدستورية العليا بأن “حرية التعبير داخل البرلمان ضمانة دستورية لحماية الوظيفة التشريعية لكنها مُقيدة بحدود اللائحة الداخلية وقواعد النظام داخل المجلس.” (الحُكم في الدعوى رقم 131 لسنة 19 ق. المحكمة الدستورية).

وإذا شكل الفعل جريمة، يخضع العضو للمساءلة الجنائية، لكن لا يجوز إتخاذ الإجراءات ضده إلا بعد رفع الحصانة عنه فيما عدا في حالة التلبس. وتطبيقا لذلك قررت المحكمة الدستورية العليا أن “الحصانة البرلمانية ليست إمتيازا شخصيا للنائب وإنما ضمانة دستورية لحماية إستقلال البرلمان.” (الحكم في االدعوى رقم 6 لسنة 15 ق. دستورية، جلسة 3 فبراير 1996). مُؤدى ذلك أنه لا يجوز إستخدام الحصانة للإفلات من المسئولية الجنائية.

وبالإضافة إلى ذلك، قد يتعرض العضو للمساءلة السياسية التي تتمثل في سحب الثقة منه وعدم إنتخابه مرة أخرى.

وهنا، تبرز أهمية لائحة السلوك سواء للحفاظ على سمعة البرلمان، أو لضمان صحة التشريع، أو لمصلحة العضو نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى