المركز الاعلامىمقالات

جسر العبور: كيف تساهم المرونة المؤسسية في صياغة دور المنظمات الأهلية في قلب العواصف المجتمعية؟

د. محمد ممدوح

في عالم يتسم بالتسارع وتعدد الازمات، لم تعد المنظمات الأهلية مجرد وسيط بين الدولة والمجتمع، بل أصبحت “خط الدفاع الأول” وصمام الأمان الذي يحمي النسيج الاجتماعي من التمزق عند وقوع الكوارث تبدأ القصة من فهم جوهر المنظمة الأهلية؛ فهي ذلك الكيان الطوعي النابع من احتياجات الناس، والمستند إلى قيم التكافل.

لكن القيمة الحقيقية لهذه المنظمات لا تظهر في أوقات الرخاء بقدر ما تتجلى في قدرتها على ممارسة “المرونة المؤسسية” امام الازمات والاختلالات المجتمعية ،والمرونة هنا ليست مجرد مصطلح إداري، بل هي قدرة المنظمة على الانحناء أمام العاصفة دون أن تنكسر، وتعديل مسارها وبرامجها بسرعة فائقة لتستجيب لواقع جديد لم يكن مدرجاً في خططها السنوية.

عندما تقع الأزمات، سواء كانت كوارث طبيعية، أو هزات اقتصادية، أو أوبئة صحية، يجد المجتمع نفسه أمام تحديات تفوق قدرة الأفراد على المواجهة هنا يتعين على المنظمة الأهلية التحرك السريع داخل المجتمع، ليس كجهة مانحة فحسب، بل كقائد ميداني يعرف تضاريس الاحتياج. هذا التحرك يتطلب تركيزاً مكثفا على دعم “الفئات الهشة”؛ هؤلاء الذين يعيشون على حواف الأمان الاجتماعي، وحماية “الفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر” مثل الأطفال، والنساء المعيلات، وكبار السن، وذوي الإعاقة.

إن حماية هذه الفئات ليست ترفا، بل هي جوهر العمل الإنساني الذي يمنع تحول الأزمة العابرة إلى كارثة اجتماعية مستدامة.

إن سر النجاح في هذا الاختبار الصعب يكمن في “إعادة ترتيب الأولويات” فالمنظمة التي كانت تركز على التدريب المهني مثلا في أوقات الاستقرار، يجب أن تملك الشجاعة والقدرة البرامجية لتحويل بوصلتها فوراً نحو الإغاثة العاجلة أو الدعم النفسي أو توفير الاحتياطيات الغذائية والطبية هذه المرونة البرامجية تتطلب هيكلاً إدارياً غير متصلب، يؤمن بأن الهدف الأسمى هو “الإنسان” وليس مجرد تنفيذ أنشطة جامدة مسطورة في أوراق التمويل.

ولكي لا يكون التحرك عشوائيا، يجب على كل منظمة اهلية تأسيس آلية داخلية مستدامة صلبة لإدارة الكوارث والازمات هذه الآلية تبدأ بوجود قيادة واعية تمتلك “عقلية الأزمة”؛ وهي إدارة لا تنتظر وقوع الكارثة لتبدأ في التفكير، بل تمتلك سيناريوهات استباقية، وقواعد بيانات محدثة، وشبكة اتصالات واسعة يجب أن تمتلك الإدارة مهارات التكيف السريع، والقدرة على اتخاذ قرارات مصيرية في وقت قصير وبأقل قدر من المعلومات المتاحة، دور الإدارة هنا يتجاوز التوجيه إلى “تمكين” فرق العمل الميدانية، وتوفير الحماية لهم، وضمان تدفق الموارد بكفاءة وشفافية.

إن الهدف الأسمى لهذه المرونة هو مساعدة المنظمة على “امتصاص الصدمات المجتمعية” فعندما تضرب أزمة اقتصادية طاحنة، تعمل المنظمة كإسفنجة تمتص حدة الفقر عبر برامج التمكين السريع وتوفير الاحتياجات الاساسية وعندما تقع كارثة بيئية، تساهم المنظمة في إعادة تأهيل المجتمعات المتضررة هذا الامتصاص للصدمات هو ما يمنح المجتمع القدرة على التعافي السريع ومن منظور استراتيجي، تعد هذه المرونة أحد أهم متطلبات “الاستدامة المؤسسية”؛ وهو مالن يتحقق الا بتوافر الية عمل دائمة ضمن انظمة عملها تمتلك من الصلاحيات ما يدعم عملها .

فالمنظمة التي لا تستطيع التكيف مع الأزمات هي منظمة محكوم عليها بالاندثار، بينما المنظمة المرنة هي التي تبني ثقة عميقة مع المجتمع والمانحين، مما يضمن بقاءها وتأثيرها على المدى الطويل.

لنأخذ مثالاً واقعياً: خلال جائحة كورونا، رأينا منظمات أهلية كانت تعمل في مجال الثقافة، تحولت في غضون أيام إلى مراكز للتوعية الصحية وتوزيع أدوات التعقيم ودعم العمالة غير المنتظمة. هذا التحول لم يضعفها، بل جعلها أكثر التصاقاً بمجتمعها وأكثر استدامة في نظر الجميع. أو تلك المنظمات التي واجهت السيول بإعادة توجيه ميزانيات الاحتفالات والندوات لبناء أسقف للمنازل المهدمة؛ هؤلاء هم تجسيد المرونة في أبهى صورها.

في الختام، إن الأزمات ليست مجرد محطات للاختبار قدر المرونة التنظيمية، بل هي اختبارات حقيقية لمدى نضج وإنسانية المنظمة بل في قدر الاستثمار في المرونة المؤسسية، فبناء آليات لإدارة المخاطر، ليس ترفا ولا عبئا إداريا كما يتصور البعض، بل هو استثمار في مستقبل المجتمع ككل فالمنظمة التي تتعلم كيف تتنفس تحت ضغط الأزمات، وتمد يدها للفئات الأكثر ضعفاً بذكاء وسرعة، هي المنظمة التي تكتب تاريخا جديداً من الأمل إن الطريق نحو مجتمعات صامدة يبدأ بوعي المنظمات الأهلية بكونها قلبا ينبض بالمرونة، وعقلاً يخطط للاستدامة، ويداً تمتد بالخير في أحلك الظروف، لتثبت دائما أن إرادة العطاء أقوى من كل الكوارث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى