
في عقد نقل مهمات، لم تتمكن الشركة الناقلة من تنفيذ التزاماتها بسبب تعرض سيارة النقل والمهمات المنقولة عليها لحادث سرقة، وقدمت أدلة تثبت ذلك، ودفعت بأن الحادث يمثل “قوة قاهرة” يعفيها من التنفيذ. لكن محكمة الموضوع، وأيدتها محكمة الاستئناف، قضت بأن السرقة لا تدخل ضمن القوة القاهرة، واستخلصت من وقائع الدعوى خطأ الشركة الناقلة في تأمين السيارة المسروقة استنادا إلى مادة (16) من العقد التي تنص على أن “الشركة الناقلة مسئولة مسئولية كاملة حتى في حالة السرقة عن نقل المهمات”. فهل القوة القاهرة يُمكن أن تكون “حادث سرقة”؟ وهل الحادث يعفي الشركة الناقلة من المسئولية استنادا إلى نظرية “القوة القاهرة”؟ قبل أن نجيب عن هذين السؤالين، دعونا نتعرف أولا على مفهوم “القوة القاهرة” وخصائصها.
يُقصد بالقوة القاهرة” وقوع حادث خارجي مُفاجئ يستحيل منع أو تفادي حدوثه، ولا يمكن التنبؤ به عقلا وقت الدخول في العقد، ويترتب عليه استحالة تنفيذ التزام تعاقدي وليس مجرد إرهاق المُتعاقد. ويُشترط أن يكون الحادث قد وقع لأسباب تخرج عن سيطرة الطرفين ولا ترجع لإهمال الطرف المتأثر به أو تقصيره. وبموجب مادة (373) من القانون المدني المصري “ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين ان الوفاء اصبح مستحيلا عليه لسبب اجنبى لا يد له فيه.” مؤدى ذلك أنه عند تحقق القوة القاهرة، تنتفي المسؤولية العقدية، ولا تُفرض غرامات تأخير، ولا يُستحق التعويض. وقد ينفسخ العقد بقوة القانون إذا استحال التنفيذ نهائيًا. لكن قلما يعفي بند القوة القاهرة الطرف المتأثر بها من أداء التزاماته المالية.
ومثال لشرط “عدم إمكانية التنبؤ عند التعاقد بحدوث ظرف القوة القاهرة “، دخلت شركة ناقلة في الهند في عقد مع شركة روسية لتوريد بضاعة إلى ميناء في “سيبيريا” في روسيا في شهر يناير. وعند وصول السفينة، كان الميناء مُغلقا بسبب انتشار الجليد، وظلت البضاعة لمدة شهرين في البحر، ما أدى إلى تلفها. طلبت الشركة الروسية من الشركة الهندية الناقلة التعويض، لكنها رفضت واستندت إلى نظرية القوة القاهرة. قضت المحكمة بأن إغلاق الميناء بسبب الجليد لا يُعد قوة قاهرة في هذه الواقعة لأنه كان بوسع الشركة الهندية الناقلة أن تتنبأ بحدوثه، خصوصا، أنها متخصصة في نقل البضائع من الهند إلى روسيا.
وقد تكون استحالة التنفيذ فِعلية وقد تكون قانونية. ومن أمثلة الاستحالة الفعلية: أحداث القضاء والقدر (كالزلازل والبراكين والفيضانات، إلخ.)، والأحداث التي من فعل الإنسان (كالحروب والتمرد، والاضطرابات، وغلق الأعمال، إلخ.). ومن أمثلة الاستحالة القانونية، صدور قرار سيادي بحظر الاستيراد حظرا مطلقا. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض بأن “القرارات السيادية قد تُعتبر قوة قاهرة إذا ترتب عليها استحالة تنفيذ الالتزام.” (الطعن رقم 455 لسنة 44 ق.).
وقد تكون الاستحالة مُطلقة وقد تكون نسبية. ويُقصد بالاستحالة المُطلقة أن يكون الالتزام مُستحيلا في ذاته، أما الاستحالة النسبية فيُقصد بها أن يكون الالتزام مُستحيلا بالنسبة إلى المُلتزم لكنه ليس مُستحيلا بالنسبة لغيره. وإذا كانت الاستحالة مُطلقة وسابقة على التعاقد، يبطل العقد لانعدام محل الالتزام، ويُعفى المدين من التنفيذ ( مادة-132 من القانون المدني المصري). أما إذا كانت الاستحالة لاحقة للتعاقد وقبل البدء في تنفيذ العقد فيكون قابلا للإبطال وتنقضي معه الالتزامات المُقابلة وينفسخ العقد من تلقاء نفسه (مادة-160 من القانون المدني المصري).
ومثال ذلك، تعاقدت جهة إدارية مع شركة مقاولات على عملية هدم وبناء أسقف عدد من المساجد. وقبل البدء في التنفيذ، اتضح أن أساسات المساجد لا تتحمل إنشاء أسقف جديدة، ويجب هدمها تماما وإعادة بنائها من جديد. أفتت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة المصري بأنه “….. كان يجب على الجهة فسخ العقد مع الشركة لاستحالة تنفيذه.” (فتوى جلسة 1/3/1999، ملف رقم 54/1/346).
وتختلف نظرية “القوة القاهرة” عن نظرية “الظروف الطارئة” وما يُعد تطبيقا لها في أنه بينما يُصبح التنفيذ في الحالة الأولى مُستحيلاً، يكون في الثانية مُمكنا لكنه مُرهقا. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن “الحادث لا يعد قوة قاهرة إلا إذا جعل تنفيذ الالتزام مُستحيلاً استحالة مُطلقة، أما إذا اقتصر أثره على إرهاق المدين أو زيادة أعباء التنفيذ فلا تتحقق القوة القاهرة.” (طعن رقم 1026 لسنة 48 ق.). وتطبيقا لذلك، قضت بأن “مجرد ارتفاع الأسعار أو تغير الظروف الاقتصادية لا يُعد قوة قاهرة طالما بقي التنفيذ ممكنًا.” (طعن رقم 1962 لسنة 52 ق.).
وبينما يترتب على “الظروف الطارئة” و “الصعوبات المادية” التعويض (الجزئي في الحالة الأولى، والكلي في الثانية) عن الخسارة التي تكبدها المُتعاقد، يترتب على حالة القوة القاهرة إما وقف التنفيذ مؤقتا أو إنهاء العقد، لكن تنتفي المسئولية ولا يُستحق التعويض أو غرامة التأخير.
كذلك تختلف نظرية القوة القاهرة عن نظرية عمل الأمير fait du prince. وتُطبق هذه النظرية عندما تُصدر الجهة المُتعاقدة نفسها أو سلطة عامة مُرتبطة بها قرارا أو تتخذ إجراء سياديا يترتب عليه الإضرار بالمُتعاقد معها واختلال التوازن العقدي. ومن أمثلتها: منع تشغيل خط غاز أو ميناء لأسباب سيادية، أو إجراء تعديل تشريعي يُزيد التكلفة، أو وقف الأعمال بقرار إداري. وفي هذه الحالة، ينقضي الالتزام بسبب الاستحالة القانونية، ويُعفى المدين من المسئولية ولا تُفرض غرامات تأخير، وقد ينفسخ العقد بقوة القانون إذا أصبحت الاستحالة نهائية.
وبينما لا يَستحق المُتعاقد في حالة “القوة القاهرة” أي تعويض، يَستحق في حالة نظرية “عمل الأمير” تعويضا كاملا. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه “إذا كان سبب الضرر إجراء صادرًا من الجهة الإدارية المُتعاقدة نفسها تُطبّق نظرية فِعل الأمير لا القوة القاهرة.” (طعن رقم 604 لسنة 29 ق. ع.).
ويسود الخلط حول أي من النظريتين تُطبق: “نظرية القوة القاهرة” أم “نظرية عمل الأمير” عندما يصدر قرار سيادي يؤدي إلى استحالة تنفيذ المشروع المُتعاقد عليه؟ ولتجنب الخلط بين النظريتين: إذا كانت الاستحالة فِعلية مُطلقة، فالغالب هو تطبيق القوة القاهرة. أما إذا كان القرار صادرًا من الجهة الإدارية المُتعاقدة نفسها أو متعلقًا مباشرة بالعقد، فالغالب هو تطبيق نظرية “عمل الأمير” حتى لو ترتبت عليه استحالة التنفيذ مؤقتا أو دائما. ومثال ذلك، جهة حكومية تتعاقد على إنشاء وتشغيل خط غاز ثم تُصدر الدولة قرارًا سياديًا يمنع توريد الغاز عبره رغم اكتمال الخط. هنا، تقضي المحكمة، غالبًا، باعتبار الواقعة من قبيل “عمل الأمير” أو ظرفًا مُوجبًا للتعويض، خاصة إذا كان المُتعاقد لم يرتكب خطأ، وكان القرار مرتبطًا بالمِرفق العام أو بالسياسة العامة للدولة.
ومن أكثر الأخطاء شيوعا في هذا السياق أن يدفع المقاول بالقوة القاهرة في حين أن السبب في عدم التنفيذ يرجع إلى خطأ من جانبه، أو أن يتأخر في الإخطار، أو أن يخلط بين الإرهاق والاستحالة. ومن أخطاء الإدارة فرض غرامة التأخير رغم ثبوت السبب الأجنبي، والخلط بين خطأ المقاول والحادث الأجنبي، وتجاهل التوازن المالي للعقد.
وعند التطبيق العملي، يسود الخلط، أيضا، بين نظرية “القوة القاهرة” force majeure ونظريات أخرى تتشبه بها في النظام الأنجلو-ساكسوني من جهة الأثر المترتب عليها رغم اختلاف الأساس القانوني. ولا يُطبق النظام الأنجلو-ساكسوني نظرية “القوة القاهرة” بالمفهوم اللاتيني، وبدلاً منها، يَستخدم نظرية “انهدام العقد” frustration (في بريطانيا) ونظريتي «تغير الظروف» changed conditions و “الاستحالة التجارية” commercial impracticability (في الولايات المتحدة)، وكلتا النظريتين تعفيان من التنفيذ بشكل مُطلق. وبموجب النظام الأنجلو-ساكسوني، لا تكفي الاستحالة أو الإرهاق، في حد ذاتهما، للإعفاء من التنفيذ، لأنه يعتمد، غالبا، على مبدأ “تخصيص التبعات” allocation of risks في العقد؛ وبموجبه يتحمل التبعات أحد الطرفين مهما كانت الصعوبات.
وقد نشأ “مذهب انهدام العقد” نشأة قضائية في بريطانيا ومؤداه أنه إذا كان وجود شيء معين لازماً لتنفيذ وعد ما في العقد، ينقضي الالتزام بتنفيذ ذلك الوعد إذا لم يعد ذلك الشيء قائماً وقت التنفيذ، ويُعفى الطرفان من تنفيذ التزاماتهما. وفي قضية Taylor v. Caldwell، أجر “تايلور” قاعة حفلات، ما لبثت أن احترقت قبل الموعد المُقرر للحفلة. وعندما طالبه صاحب القاعة بدفع الإيجار قضت المحكمة بأنه فى العقود التى يتوقف فيها الأداء على وجود محل الالتزام، يُفترض وجود شرط ضمني مفاده أن استحالة الأداء الناشئة عن فناء الشـئ أو الشخص يعفى الطرفين من الأداء.
وللتمييز بين “القوة القاهرة” وغيرها من النظريات التي تتشبه بها، إسأل: 1) هل التنفيذ مستحيل؟ فإذا كانت الإجابة: نعم، كان قوة قاهرة. أما إذا كانت: لا، إسأل: 2) هل التنفيذ مُرهق اقتصاديًا؟ فإذا كانت الإجابة: نعم، كان الحادث ظرفا طارئا أو عاما استثنائيا، أو شاقا. 3) إسأل: هل السبب قرار من جهة الإدارة؟ فإذا كانت الإجابة: نعم، تُطبق نظرية “عَمَل الأمير”. 4) إسأل: هل المشكلة مادية فنية ترتبط بموقع التنفيذ؟ فإذا كانت الإجابة: نعم، تُطبق نظرية “الصعوبات المادية”. 5) إسأل: ما القانون واجب التطبيق؟
وعند الحُكم بتوافر حالة القوة القاهرة، ينبغي التأكد من توافر عناصرها. وبتطبيق ذلك على الواقعة المذكورة في صدر هذا المقال الخاصة بسرقة سيارة نقل وما عليها من مهمات، كيّفت محكمة النقض الحادث بأنه “سطو مسلح” وليس “سرقة”، وقضت بأنه يتوافر فيه شرط استحالة التوقع، واستحالة منع حدوثه. وعابت على الحُكم المطعون فيه عدم فحص خطأ الطاعن من جهة الاحتياطات التي كان يتعين عليه اتخاذها لمنع وقوعه. ولذلك، نقضت الحكم المطعون فيه وأحالت القضية إلى محكمة الاستئناف (طعن رقم 147 لسنة 84 ق.، جلسة 28/11/2016).
وفي حُكم آخر، قضت محكمة النقض بأن حادث انفجار إطار أتوبيس لا يُعد قوة قاهرة لإمكان توقع حدوث الانفجار وإمكانية منع حدوثه، وعابت على الحكم المطعون فيه أنه أطلق القول بأن مجرد انفجار إطار الأتوبيس يُعد سبباً أجنبياً يُرتب الإعفاء من المسئولية دون أن يُورد العناصر التى ثبتت لديه من أن انفجار إطار الأتوبيس من الأمور التى لا يمكن توقعها ويستحيل دفعها (وهما شرطان أساسيان للقوة القاهرة) يُعيبه بالخطأ فى تطبيق القانون والقصور ويوجب نقضه (طعن رقم 5917 لسنة 79 ق.، جلسة 24/4/2016).
ج



