المركز الاعلامىمقالات

السلطة التقديرية للمُشرع وحدود سلطة القاضي في الرقابة عليها

بقلم د. محمود علي صبره

ما المقصود بالسلطة التقديرية للمُشرّع؟ وما المصادر التي يستمد منها المُشرّع هذه السلطة؟ وما حدودها التي يتعين عليه عدم تجاوزها؟ وما القيود الدستورية التي يخضع لها؟ ومتى يجوز للقاضي الدستوري التدخل لبسط رقابته عليها؟ وكيف يمارس تلك الرقابة؟ وما الذي يخرج عن حدود سلطته؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.

يُقصد بالسلطة التقديرية للمُشرّع حريته في اختيار الحلول التشريعية الأكثر ملاءمة لتنظيم مسألة معينة من بين بدائل تشريعية مشروعة في نطاق الحدود التي رسمها الدستور. ويتسع نطاق السلطة التقديرية للمُشرّع في المسائل الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلب موازنة بين اعتبارات متعددة، ويضيق كلما تعلق التنظيم بحقوق وحريات أساسية. ويقول المفكر والفقيه الدستوري الفرنسي “جورج بوردو” أن”التشريع هو فن الاختيار، والدستور فن وضع الحدود لهذا الاختيار.” والمعادلة صعبة، وتتمثل في سلطة القاضي الدستوري منع تحول السلطة التقديرية للمشرع إلى سلطة تحكمية دون أن يتحول هو إلى مُشرّع بديل. وبينما تعتمد السلطة التقديرية على الاختيار بين بدائل مشروعة وتستند إلى أسباب موضوعية ولها علاقة منطقية بالغاية، تعني السلطة التحكمية الاختيار بلا معيار، والتمييز بلا سبب، وليس لها علاقة منطقية بالغاية.

ويستمد المُشرّع سلطته التقديرية من مصادر عدة: 1) مبدأ الفصل بين السلطات. فالسلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في تقدير الحاجة إلى القانون، واختيار السياسة التشريعية وتحديد الوسائل المناسبة لتحقيق أهداف المجتمع.

2) الطبيعة العامة والمجردة للقواعد الدستورية. فالنصوص الدستورية غالبًا تحدد المبادئ والأهداف، ولا تدخل عادة في التفاصيل. ومثال ذلك: إذا نص الدستور على أن “تكفل الدولة الحق في السكن الملائم” فإنه لا يحدد نوع السياسة الإسكانية، ولا نظام التمويل، ولا أولويات المستفيدين. وهنا يظهر مجال السلطة التقديرية للمشرّع.

3) فكرة الملاءمة التشريعية. فالتشريع لا يقوم فقط على سؤال: ما المطلوب عمله؟ بل أيضًا: “ما الأصلح اجتماعيًا واقتصاديًا؟” وهذه الملاءمة تدخل أساسًا في اختصاص المشرّع. ومثال ذلك: تحديد شروط التراخيص، والنظم والإعفاءات الضريبية، وغيرها.

4) التفويض الدستوري الصريح للمشرّع. إذ كثيرا ما يحيل الدستور نفسه التنظيم إلى القانون. ومثال ذلك: استخدام عبارات مثل: “على النحو الذي ينظمه القانون”، و “وفقًا للقانون”، و”يبين القانون شروط ذلك”. وهذه الإحالة تمنح المُشرّع مساحة تنظيمية، لكنها ليست تفويضًا مطلقًا.

ومن المجالات التي يمارس فيها المُشرّع سلطته التقديرية المجالات الآتية: 1) تنظيم الحقوق. فالمشرع يتمتع بسلطة تنظيم الحق لكن “لا يجوز أن تتحول هذه السلطة إلى تعطيل أو انتقاص من مضمونه.” (دعوى رقم 64 لسنة 17 ق. دستورية). “ولا تعني السلطة التقديرية إطلاق يد المشرع في وضع تنظيم تحكمي” (دعوى رقم 81 لسنة 25 ق. دستورية).

2) في المجال الجنائي، للمشرّع سلطة واسعة في اختيار الأفعال التي يجرّمها، وتحديد العقوبات المناسبة وتشديدها أو تخفيفها لكن هذه السلطة تتوقف عند حدود التناسب ووضوح النص الجنائي. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الدستورية بأنه “لا يجوز أن تكون النصوص العقابية غامضة أو غير متناسبة (دعوى رقم 25 لسنة 16 ق. دستورية).

3) في المجال الاقتصادي، للمشرع أن يختار تنظيم الأسعار، وفرض الضرائب، ومنح الحوافز الاستثمارية. لكن إذا تضمن التشريع تمييزًا غير مبرر، أو مساسًا بالملكية، أو عبئًا غير متناسب جاز للقاضي الدستوري أن يتدخل. “وللمشرع تنظيم استعمال الملكية، لكنه لا يملك الانتقاص من جوهرها أو تحميلها أعباء غير مبررة.” ( دعوى رقم 17 ق. دستورية). ويجوز للمُشرّع إعفاء المشروعات الصغيرة من الضرائب إذا كان الهدف دعمها، لكن إعفاء أشخاص متماثلين وحرمان آخرين بلا معيار موضوعي قد يكون غير دستوري.

4) في مجال الوظائف العامة، للمُشرّع تنظيم شروط التعيين، والترقيات، والجزاءات، ونظم التقييم. لكن القضاء يتدخل إذا ميز القانون بين موظفين متماثلين، أو أخل بالمراكز القانونية، أو أهدر ضمانات التأديب. ومثال ذلك، اشتراط مؤهل معين لوظيفة معينة يدخل ضمن السلطة التقديرية للمُشرّع، لكن حرمان فئة حاصلة على المؤهل نفسه دون سبب يعد إخلالا بمبدأ للمساواة.

ويمكن تلخيص القيود التي تخضع لها السلطة التقديرية للمُشرّع فيما ما يلي: 1) عدم المساس بجوهر الحقوق. فيجوز للمشرع تنظيم الحق، لكن لا يجوز له إهداره. والفرق بين التنظيم والمصادرة أن الأول يحدد طريقة ممارسة الحق، أما الثاني فيفرغ الحق من مضمونه. ومثال ذلك، أن ينظم المشرع حق التقاضي بمواعيد وإجراءات، لكن لا يجوز له منع اللجوء إلى القضاء.

2) مبدأ المساواة. وبموجبه يلتزم المشرع بعدم التمييز غير المبرر، لكن المساواة لا تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها دائمًا. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأن “اختلاف المعاملة لا يخالف الدستور إذا قام على اختلاف حقيقي في المراكز القانونية وارتبط بهدف مشروع.” (دعوى رقم 226 لسنة 20 ق. دستورية).

3) مبدأ التناسب. وبموجبه يجب أن تكون الوسيلة التي اختارها المشرع متناسبة مع الهدف. وبمعنى آخر، لا يجوز استخدام وسيلة أشد مما يلزم لتحقيق المصلحة العامة. ومثال ذلك، إذا كان الهدف يمكن تحقيقه بغرامة إدارية بسيطة، فقد يكون تقرير عقوبة جنائية شديدة محل رقابة دستورية.

4) عدم الانحراف بالسلطة التشريعية. ورغم أن نظرية الانحراف بالسلطة نشأت في القانون الإداري، فإن مضمونها يمتد إلى التشريع. ومثال ذلك، أنه لا يجوز للمشرع استعمال القانون لتحقيق غاية تخالف المبادئ الدستورية.

5) الالتزام بالمنطق التشريعي. إذْ لا يكفي وجود هدف مشروع، بل يجب وجود رابطة عقلية بين النص التشريعي والوسيلة والهدف وإلا وقع النص في عيب التحكم التشريعي، أو عدم المعقولية، أو العوار التشريعي. فلا يكفي، مثلا، أن يدعي المشرّع تحقيق مصلحة عامة، بل يجب أن توجد رابطة معقولة بين المشكلة والحل التشريعي والهدف المطلوب تحقيقه. فإذا انقطعت هذه العلاقة تحول النص إلى تحكم تشريعي. ومثال ذلك، فرض قيد على فئة معينة لتحقيق هدف لا علاقة لها به. هنا لا يستبدل القاضي رأيه برأي المشرّع، بل يتحقق من وجود أساس عقلاني للتدخل.

ويثار السؤال: متى يتدخل القاضي الدستوري لمنع تغول السلطة التقديرية للمُشرّع؟ الإجابة: في الحالات الآتية: 1) الخطأ الظاهر. لكن لا تمتد رقابة القاضي الدستوري إلى مجرد اختلافه مع تقدير المُشرّع وإنما تنعقد إذا كان الخطأ واضحًا، أو جسيمًا يؤدي إلى نتيجة غير معقولة دستوريًا. ويشبه ذلك ما يُعرف في بعض النظم المقارنة بنظرية “الخطأ البيّن في التقدير”.

2) الإغفال التشريعي. الأصل أن المشرع حُر في اختيار ما ينظمه. لكن إذا أغفل عنصرًا لازمًا لحماية حق دستوري أو أخل بضمانة جوهرية أوجبها الدستور، فقد يكون هذا الإغفال محل رقابة. ومثاله، إذا نظم القانون حقًا معينًا، لكنه أغفل ضمانة جوهرية تجعل ممارسة الحق غير فعالة، هنا لا ينشئ القاضي الدستوري حكمًا جديدًا، بل يكشف عدم اكتمال التنظيم دستورياً.

3) استخدام التشريع لتحقيق غاية تتعارض مع الدستور. حتى لو كان النص صحيحًا في ظاهره، فإن استخدام التشريع لتحقيق غاية تناقض الدستور قد يجعله غير مشروع. فالسلطة التقديرية ليست مجرد سلطة اختيار الوسيلة، وإنما اختيار وسيلة لخدمة غاية دستورية مشروعة.

4) العوار التشريعي. ومثاله، إذا كان التنظيم التشريعي غير كاف لتحقيق الغاية التي صدر من أجلها. ومثال ثان، عندما لا يوجد تنظيم قانوني أصلا لمسألة تحتاج إلى تنظيم. ومثال ثالث، عندما يختار المُشرّع حلا لكنه يبنيه على تقدير غير صحيح.

وثمة سؤال آخر؛ وهو: كيف تمارس المحكمة الدستورية رقابتها على السلطة التقديرية للمشرع؟ عادة، لا تسأل المحكمة: “هل كان اختيار المشرع هو الأفضل؟” بل تسأل: “هل يقع الاختيار داخل الحدود الدستورية؟” لذلك فهي لا تراقب الحِكمة التشريعية، أو الملاءمة السياسية، أو الأفضلية بين البدائل. لكنها تراقب التناسب، والمساواة، وعدم المساس بجوهر الحق، وما إذا كان هناك أساس منطقي للتنظيم، أم لا.

ويمكن تحديد خمسة (5) اختبارات تجريها المحكمة الدستورية لمعرفة ما إذا كانت السلطة التقديرية للمُشرّع قد التزمت حدود الدستور، أم خرجت عنها، وهي ما يلي: 1) اختبار الغاية المشروعة: هل يسعى القانون لتحقيق مصلحة عامة حقيقية؟ 2) اختبار العلاقة المنطقية: هل توجد علاقة بين الوسيلة التشريعية والهدف؟ 3) اختبار الضرورة: هل كان التدخل التشريعي لازمًا؟ 4) اختبار التناسب: هل العبء الذي فرضه القانون متوازن مع المصلحة المحققة؟ 5) اختبار جوهر الحق: هل نظم المشرع الحق أم أعدمه؟

لكن، ما الذي لا يجوز للقاضي الدستوري أن يفعله؟ الإجابة: 1) وضع سياسة تشريعية بديلة. 2) إعادة صياغة النص لأن الصياغة التشريعية اختصاص أصيل للمشرّع. 3) سد كل نقص تشريعي فليس كل نقص أو قصور في القانون يعني عدم الدستورية.

وختاما، يمكن القول بأن المُشرّع يمكنه أن يختار البدائل التشريعية التي يراها مناسبة، لكنه لا يملك أن يتحكم؛ وله أن ينظم الحقوق، لكنه لا يملك إعدامها؛ وله تقدير المصلحة العامة، لكنه لا يملك مخالفة الدستور. ولا تُعد السلطة التقديرية للمُشرّع رخصة لإنتاج تشريع معيب أو غير عادل. والقاضي الدستوري يحرس حدود الاختيار التشريعي لكنه لا يمارس الاختيار ذاته؛ فهو يمنع التعسف التشريعي، لكنه لا يحل محل المشرع؛ ويراقب دستورية الاختيار لا جودة الاختيار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى