
منذ قرابة عشرين عام تقريبا ًحين تقدمت بأطروحتي للدكتوراة والتي كان عنوانها “مؤشرات تخطيطية لتحقيق العدالة في توزيع الخدمات الاجتماعية في مصر “ كنت على يقين تام بأنه حين تشتد الأزمات وتتواتر الكوارث يصبح من الصعوبة بمكان أن تتحمل الحكومة وحدها عبء تلبية احيتاجات المعُوزن. ومن الصعوبة أيضاً أن تحقق الحكومة وحدها التغطية الكاملة لكافة المناطق التي يئن سكانها من شدة الفاقة متعددة الأبعاد ومتنوعة الروافد، ومن الصعوبة أيضاً على الحكومة التحديد الدقيق للفئات الأولى بالتكافل الحكومي، كما من الصعوبة أيضاً حال معرفتها الوصول إليها وتحقيق التغطية الكاملة لكافة هذه الفئات ..
ومن ثم فكان لزاماً على الحكومة أن تبحث لها عن شركاء محليين فاعليِن للوصول إلى الفئات الأولى بالكفالة، وكذلك تحقيق التغطية الكاملة والشاملة جغرافياً وفئوياً؛الأمر الذي دفع الحكومة بقوة نحو تفعيل مايسمى ب”التنمية التشاركية” أو إن جاز لنا التعبير أن نصطلح عليها “ التكافل الاجتماعي التشاركي “ والذي فيه تتشارك الحكومة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص من أجل:
أولاً: تقديم خدمات اجتماعية متكاملة تستهدف الحد من الفاقة متعددة الأبعاد، وثانياً: الوصول إلى الفئات الأولى بالكفالة، وثالثاً: ضمانة التغطية الشاملة جغرافياً وفئوياً بحيث لا يحرم مستحقٌ من الكفالة الاجتماعية للدولة. وفي حالة نجاج الدولة في تحقيق هذه التصورات؛ ربما تكون قد حققت هدفها الأساسي، الذي أوردته فى رؤيتها للتنمية المستدامة 2030 تحت عنوان عريض هو “ العدالة الاجتماعية “ .
ولعل هذا الربط الوشيج بين العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي ربما لا يحد من الفقر، لكنه حتماً سيضمن التخفيف من تداعياته، ويمنح المستحقين والمستهدفين بالكفالة فرصة لالتقاط الأنفاس في طريقهم للتعافي من الفقر والفاقة متعددة الروافد ، وربما يقطع الطريق أمام تزايد دخول المستحقين للكفالة والدعم دائرة “ الفاقة المفرغة “ والتي تسهم في تفريخ آلاف بل ملايين من الفقراء سنوياً، الذين يصعب على الدولة بأى حال كفالتهم مهما بلغت مواردها وإمكاناتها، وخاصة اذا استمر معدل التضخم فى التزايد، وغلاء أسعار السلع الأساسية في الارتفاع، جتى نصل للدرجة التي تجعل من الوصول إلى رضا المواطنين غاية يصعب إدراكها، مما يجعل مقومات الاستقرار الاجتماعي في خطر .. !
ولعلني حين أطلقت في مقالات سابقة على الدولة المصرية أنها “ دولة تنموية رحيمة” كنت قد قصدت بالرحمة إرادة الدولة الحقيقية في تحقيق التكافل الاجتماعي ،ورغبتها في تبني شبكة قومية متينة للحماية الاجتماعية ،لا يخرج منها حتى من أعلن عليها العصيان يوماً، فتراها تقدم خدماتها التكافلية للمسجونين وأسرهم وأسر المفرج عنهم،. فالتكافل الاجتماعي يُشعر المواطن بأن دولته هي سنده الوحيد وقت الشدة ،حتى وإن خابه فِعلُه أوخانه انتماءه وارتكب جُرماً في حق الوطن .. !
ورغم أن مصر قد تبنت رسمياً سياسة واضحة للتكافل الاجتماعي عام 1939 فأنشأت وزارة الشؤون الاجتماعية لتكون ذراعها الأول وربما الأوحد فى تحقيق التكافل الاجتماعي ، إلا أنها قد عرفت التكافل الاجتماعي كقيمة أساسية منذ عهد الفراعنة، حيث انطلقت برامج التكافل الاجتماعي من أخلاقهم وقوانينهم الدينية. وتمثلت أبرز صوره في توزيع طعام الأعياد والذبائح على الفقراء، ورعاية الأيتام والمحتاجين، وضمان حقوق العمال ومعيشتهم.حيث نصت وصايا الحكماء مثل “عنخ شاشنقي” ودستور “ماعت” على إطعام الجائع وإسقاء الظمآن وإكساء العاري ورعاية الضعفاء. كما حرص المجتمع الفرعوني على العناية باليتيم ودمج ذوي الإعاقة أسرياً ومجتمعياً.
وتتجلى أهمية التركيز على برامج التكافل الاجتماعي في هذه الآونة نظراً لكثرة الأزمات والكوارث، وفي الأوقات الحرجة التى تعجز فيها الحكومة عن القيام بواجباتها التكافلية والاجتماعية، مما يكسب التكافل الاجتماعية أهمية خاصة حتى وإن غابت الحكومة من المشهد المحلي، وتراجع دورها لظروف قد تكون خارجة عن إرادتها ، ليصبح المجتمع المدني بكافة أشكاله هو ضمير الدولة الحي، وذراعها الفتي القادر على الوصول إلى المستحقين للكفالة، ويمتلك القدرة الكافية على تقديم الدعم وسد الخلل الذي تتركه برامج الضمان الاجتماعي الرسمية ..
ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التى عاشتها الدولة المصرية من 2011 وحتى تاريخه ورغم تداعيات جائحة كورونا ورغم الظروف الاقليمية الصعبة المتمثلة في الحرب الإسرأمريكية على إيران، وما يحدث فى دول الخليج، ورغم الأوضاع الدولية الحرجة جراء الحرب الأوكرروسية وما خلفتها من تداعيات اقتصادية صعبة على سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء ؛ إلا أن التقارير الدولية الصادرة عن “ مؤشر العطاء العالمي تشير إلى أن مصر تتصدر مؤشرات العطاء والعمل التكافلي عالمياً. فإذا كانت نيجيريا قد تتصدر الترتيب العالمي في نسب التبرعات والأعمال الخيرية من دخل الأفراد، فإن مصر تحتل المركز الثاني عالمياً بنسبة تبلغ نحو 2.45% من دخل الفرد،
ومن حيث حجم وإجمالي تحصيلات التبرعات المالية والأعمال الخيرية تعد الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل في صدارة دول العالم وفقاً لمؤشرات العطاء العالمي ومؤسسات تتبع العمل الخيري مثل مؤسسة المساعدات الخيرية (CAF). ويرجع الخبراء أسباب تصدر أمريكا للتبرعات إلى الثقافة المجتمعية، مع وجود تقاليد راسخة وطويلة الأمد لدعم العمل الخيري والتكافل المجتمعي، بالاضافة إلى حجم الاقتصاد والثروات، وقيام الحكومة بتقديم حوافز ومزايا ضريبية لتشجيع العطاء.
وبشكل عام تتمثل أبرز تحديات التكافل الاجتماعي المعاصرة في انتشار النزعة الفردية وطغيان المصالح الشخصية على روح التعاون والاهتمام بالآخرين. بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والبطالة وتفاوت الدخول وضعف آليات التوزيع العادل للموارد، ناهيك عن ارتفاع معدلات الفقر والتضخم الذي يضغط على قدرة الأفراد على العطاء. بالإضافة إلى ضعف التنسيق بين جهات التكافل والدعم الحكومي في الوصول الدقيق للمستحقين.
أما في مصر فتتمثل أبرز تحديات التكافل الاجتماعي في التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديد مستحقي الدعم بدقة، وكذلك ضعف القيمة المالية للمساعدات مقارنة بالاحتياجات. حيث يؤدي التضخم والغلاء والارتفاع المستمر في الأسعار إلى تقليل القدرة المالية والشرائية للأسر ويجعل المساعدات أقل كفاية. وقد يتسبب عجز الموازنات العامة والجمعيات الخيرية في العجز عن تغطية كافة الفئات الأولى بالكفالة. ناهيك عما تمثله الزيادة السكانية المضطردة من ضغط على برامج الحماية الاجتماعية الرسمية.
ونظراً للظروف الضاغطة التي تمر بها الدولة المصرية والتى تجعلها أكثر تأثراً واستعداداً لما يحيط بها من أزمات إقليمية ودولية تؤثر بشكل مباشر على مصادر الدخل والانفاق والقيمة الشرائية للعملة المحلية والتى تؤثر أيضاً بشكل أو بآخر على مستوى معيشة المواطنين؛كان لابد من مناقشة موضوع التكافل الاجتماعي باعتباره أداة رئيسية للدولة فى مساندة الفئات الهشة وحمايتها من السقوط في دائرة العوز . فرغم جهود الحكومات المتعاقبة للعمل على زيادة مخصصات برامج الحماية الاجتماعية، إلا أن معدل الفقر لا يزال في تزايد. .!
حيث شهد الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية في مصر تطوراً كبيراً وقفزات هائلة من عام 2014 حتى عام 2026، تمثل أبرزها في التوسع ببرنامج تكافل وكرامة، وزيادة مخصصات الدعم والتموين، وقفزة الدعم الموجه للعمالة غير المنتظمة.
ففي عام 2014 بدأت موازنة “ تكافل وكرامة بمبلغ محدود نحو 3.4 مليار جنيه لعدد يقارب 1.79 مليون أسرة. واستمرت الزيادة ليصل الدعم الموجه لبرامج الأمان الاجتماعي وتكافل وكرامة إلى مستويات تجاوزت 55 مليار جنيه فى موازنة 2025/2026 مع إقراره كحق قانوني ودستوري.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن وفى ضوء هذه الزيادات المتعاقبة: إلى متى سوف تتحمل موازنة الحكومة كل هذه الزيادات، وإلى أى مستوى سوف تصل مخصصات برامج الدعم النقدى للفئات الأولى بالكفالة. لا سيما في ظل ظروف وأزمات بيئية وسياسية واقتصادية إقليمية ودولية مرشحة للتصعيد وشرائح من المواطنين مشرحة للوقوع فى أزمات مادية ربما تكون طاحنة .. ؟
والاجابة على تلك الاسئلة يمكن تناولها من زوايا وتخصصات عديدة، لكن من وجهة نظرنا لابد أن تعد الحكومة عدتها أنه ربما سوف يأتي الظرف الذى ربما يجعلها غير قادرة على زيادة تلك المخصصات وربما تختلف أولوياتها؛ مما يجعلها عاجزة عن الكفالة أو تقديم الدعم بالشكل الذي ترتضيه، ولهذا فإنني أتصور أن تفعيل برامج التكافل الاجتماعي التشاركي بين قطاعات الدولة الثلاثة أصبح أمراً لازماً، مع العمل المستمر على إعداد مقاييس دقيقة للاحتياجات وقواعد بيانات دقيقة عن الأسر الأولى بالكفالة، وتوفيرها لكافة الجهات المعنية بالتكافل الاجتماعي. مع العمل على نشر ثقافة التكافل الاجتماعي بشكل واسع، بشكل مخطط وموجه ومنضبط ..


