السلطة التقديرية لجهة الإدارة في الجزاءات التأديبية ..بين مفهوم الملاءمة ومبدأ المشروعية
بقلم د. محمود علي صبره

أخطر القرارات ليست تلك التي تصدر بلا سلطة، بل تلك التي تصدر بسلطة بلا ضابط. ويصدق هذا القول على السلطة التقديرية لجهة الإدارة في فرض الجزاءات التأديبية. والأصل، أن الإدارة تملك سلطة تقدير حدوث المخالفة الوظيفية، ومدى جسامة الذنب الإداري، واختيار الجزاء المناسب، وتقدير الظروف المخففة والمشددة. ويبرز هنا سؤال: إذا كانت الإدارة تملك كل هذه الحرية في الاختيار، فما دور القاضي؟ وما مدى سلطته في رقابة القرار الجزائي؟ هل يستطيع، مثلا، أن يتدخل لإلغائه أو تخفيضه؟ وما الحالات التي تبرر له ذلك؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
في مجال الجزاءات التأديبية، يترك القانون للإدارة حرية اختيار الجزاء المناسب دون أن يحدد الذنوب الإدارية على وجه الحصر. ويرجع ذلك إلى أن الذنب الإداري يصعب حصره، وأن المخالفات الوظيفية تختلف في ظروفها وملابساتها، وأن المرفق العام يحتاج إلى سرعة ومرونة في تسيير شئونه، وأن الرئيس الإداري أقدر من غيره على تقدير تأثير المخالفة في انتظام العمل. وقد أكدت المحكمة الإدارية العليا أن الذنب التأديبي يختلف عن الجريمة الجنائية، فلا يخضع لقاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” بذات المفهوم الجنائي، وإنما يكفي لحدوثه الإخلال بواجبات الوظيفة أو مقتضياتها.
ومن أكثر المفاهيم التي شهدت تطورا في مجال القضاء الإداري سلطة القاضي في مراقبة ملاءمة الجزاء التأديبي والتي تحولت من مجرد رقابة شكلية محدودة إلى رقابة موضوعية فعالة. وخلال هذا التطور، مرت هذه السلطة عبر ثلاث مراحل؛ في الأولى كان القاضي يمتنع عن مراجعة تقدير الجزاء باعتباره من ملاءمات الإدارة. وفي الثانية أصبح يراقب صحة الوقائع، والسبب، والاختصاص، والشكل دون التدخل في تقدير العقوبة. وفي الثالثة، ابتكر نظرية “الغلو” في الجزاء التأديبي وهي من أهم النظريات في القانون الإداري المصري، وتجمع بين نظرية التناسب ونظرية الخطأ الظاهر في التقدير المعمول بهما في القضاء الإداري الفرنسي، وبدأ القاضي يتدخل في تقدير العقوبة نفسها.
ورغم اتساع السلطة التقديرية للإدارة في مجال الجزاء التأديبي، فهي مقيدة بعدد من الضوابط من أبرزها ما يلي:
أولا– الرقابة على الغلو في الجزاء التأديبي. وتُعد الرقابة على الغلو، والتناسب، والخطأ الظاهر في التقدير من أبرز أدوات إخضاع سلطة الإدارة التقديرية لرقابة فعالة دون أن يحل القاضي الإداري محل الإدارة في تقدير الملاءمة. ويُعد حكم المحكمة الإدارية العليا سنة 1961 نقطة التحول الكبرى في القضاء الإداري المصري في هذا الخصوص، وفيه قضت المحكمة بأنه “ولئن كانت للسلطات التأديبية سلطة تقدير خطورة الذنب الإداري وما يناسبه من جزاء بغير معقب عليها، إلا أن مناط مشروعية هذه السلطة ألا يشوب استعمالها غلو، ومن صور هذا الغلو عدم الملاءمة الظاهرة بين درجة خطورة الذنب الإداري ونوع الجزاء ومقداره.” (طعن رقم 563 لسنة 7 ق.ع.، جلسة 11/ 11/).1961). مؤدى ذلك أن الجزاء المُبالغ فيه غير مشروع، وأن القضاء يملك إلغاءه، وان معيار الرقابة في هذه الحالة معيار موضوعي لا شخصي.
وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة بأن فصل موظف بسبب انقطاعه عن العمل لمدة بسيطة ينطوي على غلو واضح وعدم تناسب مع المخالفة، وألغت قرار مجلس التأديب واستبدلت جزاء الخصم من الراتب لمدة عشرة أيام بدلا من الفصل. (طعن رقم 2252 لسنة 40 ق.ع.، جلسة 24/6/1995). مؤدى ذلك، أنه إذا تراءى للمحكمة وجود غلو في الجزاء التأديبي، جاز لها إلغاء القرار أو استبدال جزاء أخف بدلا منه في حدود ولايتها القانونية.
ثانيا: الرقابة على الاختصاص. وبموجبها، يتحقق القاضي من أن القرار صدر من السلطة المختصة قانوناً. ومثالها، إذا كان القانون يمنح المدير العام وحده سلطة إنهاء خدمة موظف، فلا يجوز أن يصدر القرار من مدير إدارة الموارد البشرية. هنا،لا توجد سلطة تقديرية للإدارة.
ثالثا: الرقابة على الشكل والإجراءات. وبموجبها، يراقب القاضي احترام الإدارة للإجراءات الجوهرية السابقة على إصدار القرار. ومثالها، التحقيق قبل توقيع الجزاء، وسماع أقوال الموظف، وأخذ رأي جهة معينة إذا أوجبه القانون.
رابعا: الرقابة على السبب، وهي من أهم صور الرقابة. والأصل، أن الإدارة غير ملزمة بتسبيب قرارها، لكن إذا أفصحت عن أسباب قرارها فإنها تخضع لرقابة القضاء الإداري للتحقق من صحتها، وكفايتها، وارتباطها المنطقي. مفاد ذلك أن السلطة التقديرية لا تحمي القرار إذا قام على وقائع غير صحيحة، أو أسباب وهمية، أو استخلاص غير سائغ.
ومن ثم، تشمل الرقابة على السبب ما يلي: 1) التحقق من صحة الوقائع. هنا، يجيب القاضي عن سؤال: هل الوقائع التي بنت عليها الإدارة قرارها ثابتة فعلاً؟ ومثالها، صدور قرار بمعاقبة موظف رغم عدم ثبوت المخالفة أصلاً. 2) التكييف القانوني للوقائع. وبموجبه يجيب القاضي عن سؤال: هل ينطبق على الوقائع الوصف القانوني الذى استندت إليه الإدارة؟ ومثالها، اعتبار مجرد خطأ بسيط مخالفة جسيمة. 3) الربط المنطقي بين السبب والجزاء. بمعنى، أن الجزاء يجب أن يكون نتيجة مباشرة للخطأ.
وتهدف الرقابة على صحة الوقائع إلى التحقق من عدم تحريفها أو تضخيمها لتبرير قرار تم إعداده سلفا. ومثالها، تقدير ما إذا كان سلوك الموظف يشكل فعلا إخلالًا بواجبات وظيفته، أم لا. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن “رقابة القضاء الإداري تمتد إلى التحقق من صحة قيام الوقائع التي بُني عليها القرار الإداري، فإذا ثبت عدم وجودها فقد القرار سببه المشروع.” (طعن رقم 219 لسنة 5 قضائية عليا، جلسة 19/12/1959). ومثال ذلك، فصل موظف بسبب انقطاعه عن العمل، لكن يثبت أن ظروفه كانت تسمح له بالتغيب عن العمل.
وقد يتدخل القضاء إذا كان التكييف القانوني للوقائع غير صحيح. وفي إحدى القضايا، إعتبرت الإدارة أن تصرفًا معينًا ارتكبه الموظف يشكل مخالفة جسيمة، ورتبت عليه آثارًا قانونية خطيرة. لكن الموظف دفع بأنه رغم أن الواقعة ثابتة فإنها لا تحمل الوصف الذي أعطته لها الإدارة. قضت المحكمة بأن “رقابة القضاء تمتد إلى التحقق من صحة الوصف القانوني للوقائع التي بُني عليها القرار .. ولا يكفي أن تكون الوقائع صحيحة ماديًا، بل يجب أن يكون الوصف القانوني الذي أسبغته الإدارة عليها وصفًا صحيحًا.” (طعن رقم 1076 لسنة 8 ق.ع.، جلسة 26/1/1963).
وقد يتدخل القاضي الإداري للتحقق من أن هناك علاقة منطقية وعقلانية بين الوقائع التي استند إليها القرار (السبب) والجزاء الذي انتهى إليه (النتيجة). ومثاله، تغيب موظف عن العمل لمدة يومين بسبب مرض زوجته دون أن يخطر جهة العمل. قررت الإدارة خصم عشرة أيام من مرتبه. هنا، لا يمكن أن يؤدي السبب عقلا ومنطقا إلى هذا الجزاء الشديد (النتيجة).
خامسا: الرقابة على المحل. يُقصد بمحل القرار الإداري الأثر القانوني المباشر الذي يُحدثه وهو الجزاء الإداري. ويمكن أن يتدخل القاضي عندما يرى أن الجزاء الذي فرضته الإدارة على الموظف ليس هو الذي نص عليه القانون. ومثاله، إذا كان القانون يجيز الإنذار فقط، فلا يجوز توقيع الخصم من المرتب. ومثال ثان، إذا كان الموظف تحت الاختبار، فلا يجوز للإدارة فصله تأديبيا لأن القانون لا يعرف سوى إنهاء الخدمة خلال فترة الاختبار وليس الفصل التأديبي.
سادسا: الرقابة على الغاية (الانحراف بالسلطة)، وبموجبها، يتحقق القاضي من أن الإدارة لم تستهدف بقرارها مصلحة خاصة وإنما استهدفت المصلحة العامة. ومثال لإساءة استعمال السلطة، النقل بقصد العقاب؛ وإنهاء الخدمة بقصد الانتقام؛ واستعمال التنظيم لتحقيق أغراض شخصية. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن “سلطة الإدارة في النقل ليست طليقة من كل قيد، وإنما يجب أن تستهدف صالح العمل، فإذا اتخذ النقل ستارًا لجزاء مستتر كان القرار مشوبًا بالانحراف.” (طعن رقم 742 لسنة 15 ق.ع.، جلسة 14/6/1975). وقضت أيضا بأن “السلطة التقديرية لا تعني إطلاق يد الإدارة، وإنما يتعين أن تستهدف الصالح العام، وإلا كان القرار مشوبًا بعيب الانحراف بالسلطة.” (طعن رقم 742 لسنة 15 قضائية عليا، جلسة 14/6/1975). مؤدى ذلك أن القاضي لا يراقب قرار النقل من منظور الملاءمة، لكنه يراقب الغاية الحقيقية منه.
سابعا: الرقابة على الملاءمة. الأصل أن الملاءمة لا تخضع لرقابة القضاء، لكن القضاء يتدخل عندما تصل الملاءمة إلى درجة عدم المشروعية. ومن أهم صور الرقابة على الملاءمة، كما سبقت الإشارة، الرقابة على الغلو في الجزاء للتحقق من أن القرار ليس مبالغا فيه بشكل صارخ؛ والرقابة على التناسب، والرقابة على الخطأ الظاهر في التقدير؛ والرقابة على المعقولية؛ فإذا كان القرار غير معقول بصورة واضحة يلغيه القاضي.
وخلاصة القول أن القاضي الإداري لا يملك اختيار الجزاء التأديبي وإنما يراقب مشروعيته. ومن ثم، لا يتدخل في الملاءمة طالما كانت في حدود القانون. وكلما بقيت الإدارة داخل دائرة الاختيار المشروع امتنع القاضي عن التدخل، فإذا تحول التقدير إلى الغلو في الجزاء أو الخطأ الظاهر أو التعسف أو الانحراف أو الاستخلاص غير السائغ، انتقل الأمر من الملاءمة إلى المشروعية وخضع لرقابة القضاء. وكلما اتسع نطاق السلطة التقديرية، اتسعت معها وسائل الرقابة القضائية عليها. وحين يتجاوز الجزاء حدود الخطأ، يتحول من وسيلة للإصلاح إلى صورة من صور التعسف والانحراف بالسلطة. هنا، فقط يتدخل القاضي.



