المركز الاعلامىمقالات
في اليوم العالمي للعمل الخيري… نحو ميثاق يجعل العطاء طريقا للكرامة والاستدامة
د.محمد ممدوح

يأتي اليوم العالمي للعمل الخيري ليذكرنا بأن العطاء ليس مجرد استجابة إنسانية للحاجة، بل هو تعبير عن جوهر الانسانية نفسها. فحين يساعد إنسان إنسانًا آخر، فهو لا يقدم له خدمة فقط، بل يعلن بصورة عملية إن كرامة البشر مترابطة، وأن أمن المجتمع واستقراره لا يمكن فصلهما عن قدرة أفراده على العيش بكرامة والوصول إلى حقوقهم الاساسية.
لكن طبيعة المجتمعات المعاصرة وتتابع الأزمات الاقتصادية والمناخية والصحية والاجتماعية تفرض علينا أن نعيد النظر في مفهوم العمل الخيري ذاته. فلم يعد كافياً أن يكون العمل قائمًا على حسن النية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل أصبح مطلوباً أن ينتقل الى مرحلة أكثر نضجاً وتنظيماً واحترافية، تربط العطاء بالإنسانية وحقوق الانسان والاستدامة والتمكين والتطوير.
من هنا تبرز الحاجة إلى “ميثاق للعمل الخيري” يكون مرجعية أخلاقية ومهنية للمؤسسات والجهات والأفراد العاملين في هذا المجال، ويعيد تعريف العمل الخيري باعتباره أداة لحماية الانسان وتعزيز قدرته، لا مجرد وسيلة لتخفيف الاحتياج بصورة مؤقتة.
وفي كتابي “فقر التنمية وتنمية الفقر” حاولت أن أطرح سؤالاً يرتبط مباشرة بهذه القضية: هل نساعد الانسان على الخروج من دائرة الفقر، أم نكتفي بإدارة مظاهره؟ وهل يمكن لبعض التدخلات، رغم نبل مقاصدها، أن تعيد إنتاج الاحتياج اذا ظلت منفصلة عن التمكين والتنمية والاستدامة؟
هذا السؤال يضعنا أمام مسؤولية جديدة. فالعمل الخيري الذي يحترم الانسان لا ينظر اليه باعتباره حالة أو رقماً أو متلقياً دائما للمساعدة، بل باعتباره صاحب حق وكرامة وقدرة وطموح. ومن هنا يصبح الهدف ليس فقط سد فجوة مؤقتة، بل مساعدة الانسان قدر الامكان على استعادة قدرته على الاختيار والعمل والاستقلال.
ولهذا يمكن ان يقوم ميثاق العمل الخيري على مبادئ مترابطة:
* الانسانية أولاً، باعتبارها القيمة الحاكمة لكل تدخل، بحيث يكون الهدف هو تخفيف المعاناة وتعزيز قدرة الانسان على الحياة بكرامة.
* الكرامة الانسانية، فلا تتحول الحاجة إلى وسيلة للاستعراض او الدعاية، ولا يصبح الفقر مبررًا لانتهاك الخصوصية أو التقليل من قيمة الانسان.
* احترام حقوق الانسان، وربط العمل الخيري بالحق في الغذاء والصحة والتعليم والسكن والحماية والفرص العادلة.
* العدالة وعدم التمييز في تقديم الخدمات، أياً كان الجنس أو العمر أو المكان أو الخلفية الاجتماعية.
* احترام الخصوصية وحماية بيانات المستفيدين وصورهم وقصصهم.
* عدالة الاستهداف، بحيث توجه الموارد إلى الأكثر احتياجاً وفق معايير واضحة وشفافة.
* عدم الاضرار، بحيث لا تخلق المساعدة اعتماداً دائماً ولا تضعف قدرة الانسان أو المجتمع على المبادرة.
* التمكين، وربط الدعم المؤقت بمسارات للتعليم او التدريب أو التشغيل أو تحسين الدخل كلما كان ذلك ممكنًا.
* المشاركة، بحيث يكون المستفيد شريكًا في تحديد احتياجه وصياغة الحل الذي يناسب ظروفه.
* الاستدامة، وأن يسأل كل برنامج منذ بدايته: ماذا سيبقى بعد انتهاء التمويل؟ وهل أضفنا قدرة دائمة أم قدمنا خدمة عابرة؟
* كفاءة استخدام الموارد، وتحقيق أفضل عائد اجتماعي وإنساني ممكن من كل مورد يتم انفاقه.
* الشفافية والمساءلة في التمويل والقرارات والنتائج.
* قياس الأثر الحقيقي، لا الاكتفاء بعدد الطرود أو الوجبات أو المستفيدين، بل النظر إلى ما تغير فعلياً في حياة الناس.
* التكامل بين المجتمع المدني والدولة والقطاع الخاص والجامعات والمجتمعات المحلية.
* التعلم والتطوير المستمر، ومراجعة البرامج والاعتراف بما لم ينجح وتطوير الأدوات وفق تغير الاحتياجات.
* ربط العمل الخيري بالقضايا المعاصرة، مثل التغير المناخي والبطالة والتحول الرقمي والصحة والتعليم والأمن الغذائي والحماية الاجتماعية.
هذا الميثاق لا يجعل العمل الخيري أقل إنسانية بسبب التنظيم، بل العكس هو الصحيح. فكلما كان العمل أكثر احترافية كان أكثر قدرة على حماية الانسان من العشوائية وسوء الاستهداف وهدر الموارد والتدخلات قصيرة النظر.
فقد تكون مساعدة أسرة بالغذاء ضرورة عاجلة، لكن احترام إنسانيتها يقتضي أيضاً البحث عن طريق يساعدها على تحسين دخلها. وقد يكون علاج مريض واجبًا إنسانيًا، لكن الاستدامة تفرض التفكير في الوقاية والحماية الصحية. وقد يكون دعم طالب غير قادر على استكمال تعليمه أكثر أثراً من مساعدته المادية المتكررة اذا كان التعليم هو طريقه للخروج من الفقر.
وهنا يتصل العمل الخيري مباشرة بحقوق الانسان. فالحق في الكرامة لا يقل أهمية عن الحق في الغذاء، والحق في المشاركة لا يقل أهمية عن الحصول على الخدمة، والحق في الفرصة يجب أن يكون جزءاً من فلسفة العطاء. لذلك لا ينبغي ان يكون المستفيد موضوعاً للعمل الخيري، بل شريكاً فيه.
كما ينبغي أن يتطور مفهوم النجاح. فنجاح المؤسسة لا يقاس فقط بحجم ما تنفقه، بل بما تغيره في حياة الناس. وقد يكون انخفاض عدد المستفيدين من برنامج ما مؤشراً إيجابياً إذا كان السبب هو خروجهم من دائرة الاحتياج.
وفي اليوم العالمي للعمل الخيري، نحن بحاجة الى الانتقال من الاحتفاء بالعطاء الى تطوير فلسفته وأدواته. نحتاج إلى عمل خيري يحمي الانسانية، ويحترم الحقوق، ويصون الكرامة، ويعزز الاستدامة، ويتعلم ويتطور باستمرار.
ولهذا فان الدعوة الى ميثاق للعمل الخيري ليست مجرد دعوة لتنظيم العمل، بل دعوة لإعادة تعريفه: من تقديم المساعدة إلى بناء القدرة، ومن الاستجابة للاحتياج إلى حماية الحقوق، ومن العمل المؤقت إلى الأثر المستدام، ومن حسن النية وحده إلى حسن النية وحسن الادارة معاً.
فالخير الحقيقي لا يكتفي بأن يمد للإنسان يداً في لحظة ضعف، بل يساعده قدر الامكان على أن يستعيد قدرته على الوقوف بنفسه.




